*جاك دريدا، تاريخ الكذب، ترجمة وتقديم: رشيد بازي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط.1، 2016
ينتصر الدكتور محمد عبد العزيز الكفراوي في هذا كتابه « الشعر العربي بين الجمود والتطور» للرأي الذي يقول بأن الشعر العربي لم يعرف تطورا في العهدين الإسلامي (صدر الإسلام) والأموي، لأنه ظل على صورة من الشعر الجاهلي إلى أن جاء العصر العباسي الذي اتخذ فيه الشعر منحى آخر مغايرا مع بشار ابن برد وأبي نواس.. وقد وجد هذا الرأي من يعارضه من نقاد ومؤرخي الأدب أمثال شوقي ضيف في كتابه "التطور والتجديد في الشعر الأموي". وذهب الكفراوي إلى أن هذه المعارضة سببها أن من تبنوا الرأي الأول لم يفصّلوا القول... على هذا فهو يذهب مذهب أن الشعر العربي أصابه تغير حقا في العصر الإسلامي والأموي، بل وأصابه عدة تغيرات أثناء العصر الجاهلي أيضا، باعتباره يخضع لعوامل النشوء والارتقاء... لكن تلك التغيرات تعدّ يسيرة جدا وسطحية لا تمس العناصر الأولية، والسمات الأصلية التي اتسم بها الشعر الجاهلي... فعالج الباحث هذا الموضوع معالجة تفصيلية مقسما كتابه هذا إلى ثلاثة أبواب.
تناول الباب الأول تحديد العناصر الأساسية للشعر العربي مع طرح تلك الظروف الاجتماعية التي كونتها. والآثار التي ترتبت عليها في الشعر الجاهلي (الطبع، الصدق، الميل إلى التصوير، الموسيقى، بناء القصيدة وتقسيمها إلى مقدمة وغرض)...
وجاء الباب الثاني مقسما إلى فصول. الأول: بين الأسباب التي حاولت دون تأثير الشعر العربي بالدين الجديد في صدر الإسلام، وأيضا الأسباب التي جعلت شعراء العصر الأموي يتوجهون نحو الشعر الجاهلي... والفصل الثاني يتناول مظاهر تشابه الشعر في العصرين الأموي والجاهلي. إذ يعطي نماذج من الشعر الأموي للتأكيد على جموده في الحدود التي رسمها شعراء الجاهلية. وفي الفصل الثالث يرد على القائلين بتطور الشعر العربي في العصر الأموي، حيث تعرض لما أشاروا إليه من فنون ونماذج وأغراض (النقائض والغزل بنوعيه) التي يبدو عليها سمات التطور، ليؤكد على أنها ليست إلا امتدادا طبيعيا للشعر الجاهلي.
الباب الثالث تناول العصر العباسي، وجاء في أربعة فصول: حيث تناول الفصل الأول بناء القصيدة العربية وما لحقها من تطور. وفي الفصل الثاني، خصصه لأغراض الشعر التي عرفت تطورا يعود بالأساس إلى الحالة الاجتماعية في العصر العباسي، حيث ظهر "الغزل بالمذكر" والخمر والمجون كما عند أبي نواس... وشعر الزهد والتزهد كما عند أبي العتاهية... وشعر الخصومات الذي لم يعد يتمثل في خصام بين القبيلة وجارتها بل خصومات بين العرب والموالي، والخصومات السياسية كتلك التي تمثلها علاقة الفضل بن الربيع بالبرامكة في خلافة الرشيد، وتجلت في شعر أبي العتاهية و"أبان بن عبد الحميد"... إضافة إلى الأغراض الأخرى المعروفة والتي لحقها التطور كالغزل والفخر والهجاء والمدح.. أما الفصل الثالث، فهو عن عناصر الشعر وما أصابها من تطور وجمود وهذه العناصر هي : الطبع ( حيث قسم الباحث الشعراء إلى طائفتين، أهل الطبع وأنصار الصنعة وقدم نماذجها). العنصر الثاني التزام الحقائق، وما لحق الشعر العربي في العهد العباسي من المبالغات مقارنة مع ما كان عليه الشعر في الجاهلية من التزام الحقائق في المدح أو في الهجاء.. ثم العنصر الثالث وهو التصوير، الذي كان في العصر الجاهلي قريبا من الواقع، ولما تفشى الغلو والمبالغة في العصر العباسي ترك ذلك الذوق الجديد أثره في التصوير، فعظم الفارق بين الحقيقة التي يتحدث عنها الشاعر والصورة التي يعرضها...أما العنصر الرابع، فهو الموسيقى. وقد قام الباحث بالموازنة ما بين بعض شعر شعراء العصر العباسي والعصر الجاهلي وبين أهل الطبع والصنعة من الشعراء العباسيين أيضا.
كما يعد الباحث أن استفحال روح الثورة وتشعبها ورفض التقليد هو ما ساهم في هذا التطور..
وفي الفصل الرابع، ذهب الكاتب إلى أن الشعر العربي استرد حريته على يد أبي الطيب المتنبي. * كتاب "الشعر العربي بين الجمود والتطور" للدكتور محمد عبد العزيز الكفراوي. 206 صفحة. طبعة ثانية.
«مسرح توفيق الحكيم» للناقد المصري محمد مندور. 180 صفحة.
Posted in: مقروءاتي
اعداد: رشيد أمديون
«مهزلة العقل البشري»، كتاب للباحث الاجتماعي العراقي علي الوردي. الطبعة الثانية 1994، عدد الصفحات 300 صفحة.
يبدو هذا الكتاب (كما أشار فيه الكاتب) أنه امتداد لكتاب سبقة بعنوان «وعاظ السلاطين»، وقد عزز فيه طرحه داخل إطار البحث الاجتماعي قصد فهم الطبيعة البشرية المترفة وتحليل لبعض الوقائع التاريخية ذات الطابع الاجتماعي مع ربطها بالواقع المعاصر، وينطلق الكاتب من فرضية أن التنازع ضرورة وحتمية لإنتاج حركة اجتماعية تؤدي إلى التطور والإبداع والانسلاخ عن التقليد للخروج من البدائية إلى المدنية، رغم أن المدنية إذا جاءت جلبت معها محاسنها ومساوئها. وبيَّن أن مدار التنازع قديما هو السلاح لفرض المعارض معارضته، أما اليوم فيكفي للحزب المعارض أن يدعو لمبادئه عن طريق الصحافة والإذاعة والخطابة وما أشبه.. إن التنازع انتقل من طريق العراك الدموي إلى طريق الجدل الورقي (أي التصويت)، وبهذا صارت الحضارة تركض في سيرها ركضا سريعا لا يعرف مصيره. كما بين الكاتب أنواع التنازع وأسبابه.. ثم ناقش آراء الفلاسفة في العقل البشري، وتطوره (كما عند ابن طفيل)، على ضوء الأبحاث الحديثة، ثم ناقش قياس المناطقة الذين يؤمنون بمنطق أرسطو، واعتبره قياسا تافها لأنه يعتمد على مقدمة كبرى تستند على البديهيات المألوفة.. وينتصر لمبدأ السفسطائيين، وبين عيب المدينة الفاضلة لأفلاطون واعتبره من المترفين، ثم تناول أكبر القضايا في التاريخ الإسلامي وهو الصراع على الخلافة الإسلامية بعد وفاة الرسول. وقيّم أسباب الجدال المتداول إلى يومنا هذا حول خلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأسباب ذلك الخلاف القائم بين أتباع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وانتقد ما انساق إليه المسلمين من انشغالهم بالمفاضلة بين هؤلاء الرجال عن المسألة الأساسية التي دافع عنها علي وهي إقامة عدالة اجتماعية، فهو يرى أن كل دعوة لإقامة العدالة الاجتماعية هي ثورة ضد ظلم المترفين، واعتبر الظلم شعورا يحسه الناس، وهو ما يحركهم نحو المطالبة بالعدالة، لهذا يقول أن التفاعل المستمر بين المترفين والأنبياء على توالي القرون هو الذي أنتج لنا هذه المدنية الحديثة التي ننعم بها الآن. والمدنية الحديثة قد امتازت بأمرين يمكن اعتبارهما من عجائب التاريخ: هما الحكومة الديمقراطية من ناحية والتقدم العلمي من الناحية الأخرى. وهذان الأمران لم ينشآ دافعة واحدة. فكل منهما هو نتاج سلسلة طويلة من الجهود المتواصلة ساهمت فيها جميع الأمم. إن كل أمة متمدنة في التاريخ أنتجت سلاطين مترفين وأنبياء ثائرين. وليس من الممكن أن يظهر المترفون في أمة دون أن يظهر تجاههم أنبياء وأشباه أنبياء على وجه من الوجوه. ويرى الكاتب أن السيطرة والتمرد وجهان متلازمان من أوجه التاريخ الاجتماعي، وليس من الممكن فصل أحدهما عن الآخر. ولولا وجودهما إلى جنب لما ظهرت في التاريخ تلك النبضات الحية.
بقلم: رشيد أمديون
يعد كتاب «سوس التاريخ والثقافة
والمجتمع» للباحث أحمد السعيدي؛ بحثا علميا يضم بين دفتيه، مقالات ودراسات، إضافة
إلى نصين محققين، ما يشكل هذا المعطى مادة مهمة تهتم بالنتاج المعرفي والتاريخي في
الثقافة السوسية الأمازيغية والعربية.
وينقسم الكتاب إلى مقدمة الكاتب، وسبعة
عناوين كبرى بمحاورها الفرعية. إضافة إلى تقديم لجعفر بن الحاج السلمي، الذي نوه
فيه بمجهود الباحث، مخاطبا القارئ أنه سيجد في هذا الكتاب مبتغاه، بدون زيغ إلى
عصبية وشُعوبية، وأن مُنطلَقه هي محبة مفعمة لبلد الباحث سوس الغامرة لكل المغرب،
ودار الإسلام ولكل الإنسانية.
العنوان الأول «من تاريخ سوس»؛ يضم هذا
الباب ثلاثة محاور، حيث يبرز المحور الأول مظاهر التلقي والاكتشاف لمنجز ابن خلدون
من المنظور السوسي للتاريخ. وحضور ابن خلدون لدى المؤلفين السوسيين ابتداء من
القرن الثامن عشر. فركز الباحث على أربعة أسماء بارزة التأثير في الثقافة السوسية:
محمد الحضيكي (1775) ـ محمد الإكراري (1939) ـ محمد المختار السوسي (1963) ـ إمحمد
العثماني (1984). ثم بين أن السوسيين استفادوا من ابن خلدون، وأنهم ناقشوه في بعض
القضايا، وانتقدوه فيها بأسلوب علمي، كما اعترفوا له بالريادة العلمية، واقتبسوا
من آثاره في مؤلفاتهم وتصوراتهم ومشاريعهم العلمية، وغير ذلك.
وفي المحور الثاني الذي عنونه
بـ«مقاومة سوس للوجود الأجنبي من خلال مذكرات القائد النّاجم الأخصاصي». فقد بين
بعض مظاهر مقاومة الوجود الفرنسي في سوس، إبان عهد السلطان مولاي يوسف، انطلاقا من
مذكرات القائد المذكور. وحدا الباحث إلى إبراز منجزه ضمن المقاومة في الجنوب
المغربي خاصة سوس. وما عرفه مساره من تحول من قائد مخزني منذ عصر الحسن الأول إلى
مقاوم قبَلي في العهد اليوسفي، إلى حدود الاحتلال التام لسوس سنة 1934. موضحا
مسوغات مقاومته ومرجعيتها من خلال سيرته ومظاهر مقاومته بعد انضمامه إلى حركة
الشيخ أحمد الهيبة.
ثم تناول في المحور الثالث: «حركة المقاومة في سوس من خلال مخطوط «تاريخ ثورة أحمد الهيبة». وهذا المخطوط يعود للمؤرخ عباس بن محمد التعارجي المراكشي (تـ1959) وقد عرّف الباحث بهذا الكتاب المخطوط وسياق إنتاجه وموجّهات مؤلفه وموضوعه وبعض قضاياه وقيمته ومنهاجه. من ذلك مثلا أن صاحب المخطوط قام بالموازنة بين الوضع العام في المغرب ونظيره في مصر، وبموازنة بين ثورة أحمد الهيبة وثورة عُرابي. وقد أوضح الباحث أن المراكشي مؤرخ رسمي صرف، موقفه متساوق مع منطق المخزن ودولة الحماية، بما يعني أن له موقفا سلبيا كباقي طائفة من العلماء من حركة الهيبة، لهذا يسوق في مخطوطه المناظرة التي كانت بين أبي شعيب الدكالي وأحمد الهيبة.
حياة الطاهر الإفراني
العنوان الثاني: من الكتابات المنقبية
في سوس؛ من محورين. الأول: مناقب الطاهر الإفراني، للفقيه أحمد أبناو، تقديم
وتحقيق. وقد تناول الباحث هذا الكتاب المخطوط بالوصف وبيّن سياق إنتاجه. إذ يندرج
في الكتابات المناقبية التي يحتفي فيها التلاميذ أو المريدون بشيوخهم، وما جعل
استحضار أبناو بوصفه مؤلفا منقبيا لشيخه هو السعي في الترقي بمجتمعه، حيث يقدمه
مثالا بتجاوز بعض مظاهر تلك الأزمة، التي زلزلت سوس بعد احتلالها سنة 1934. بمعنى
أن الخطاب الذي توجهه هذه الكتابات المناقبية هو الأزمة وكيف الفكاك منها. هذه
الأزمة التي تتمثل في احتلال سوس والمغرب عامة. وقد أبرز هذا النص/المخطوط حياة
الطاهر الإفراني وشخصيته العلمية والصوفية، وأخلاقه ودوره في إصلاح مجتمعه وأيضا في
الإصلاح الديني والسياسي، إذ كان الإفراني داعما لحركة الهيبة ومنضما إليها
ويعتبرها حركة جهادية… كما أن صاحب المخطوطة وضع شهادته في حق شيخه معربا عن
محبته، بعد أن أثبتت له الولاية والصلاح… وقد أدرج الباحث في هذا الكتاب نص أحمد
أبناو في مناقب شيخه وعمل على تحقيقه.
ويأتي المحور الثاني أيضا ضمن الكتابات
المنقبية في سوس بعنوان: شيخنا الوالد الفقيه أحمد أبناو. يتناول مخطوطة أخرى
لأحمد أبناو؛ فإن كانت الأولى تعنى بشيخه، فالثانية كتبها في حق والده الحسن بن
سعيد. وقد وصف الباحث الكتاب/المخطوط وحجمه وبيّن دواعي تأليفه، ثم من خلاله عرض
كيف تناول أبناو سيرة والده ومناقبه وأدبه وأخلاقه، متبعا منهج التقسيم: الوالد
الفقيه، الوالد المتصوف، الوالد الطبيب، الوالد المربي. ثم أبرز الباحث منهاج
المؤلف وقيمة الكتاب الترجمية والنَّسبية والعلمية. وفي الأخير أدرج النص محَققا.
الثالث: في التصوف السوسي؛ وفيه محور
واحد، عنونه بـ«ظواهر صوفية في الكناشات السوسية» حيث حدد مفهوم الكنّاش، ونبذة عن
التكنيش في سوس، وأن الكناشات مثلت جنسا كتابيا ذا بال في سوس، وجل علماء هذا
القطر مكنشون، كما ذهب إلى ذلك محمد المختار السوسي. مما جعل هناك تراكما يمكن من
خلاله بيان ظواهر صوفية في بعض الكناشات التي تحصل عليها الباحث من الخزائن العامة
والخاصة، وبذلك اشتغل على 1. كناش داود الرسموكي 2. كناش عبد العزيز الأدوزي 3.
كناش إسماعيل السكتاني 4. الكناشات السبع لعبد الرحمان الرملي الهوّاري. وانتقى
الباحث الظواهر الصوفية من هذه الكنانيش، ممن ينتمي أصحابها إلى طرق مختلفة؛
درقاوية وتجانية وناصرية. ومنهم من لم ينخرطوا في طريقة بعينها. ومن الظواهر التي
تعرض لها الباحث:
1. الظاهرة الإصلاحية: إصلاح الصوفية
(الطريقة وأصحابها والمجتمع). – إصلاح المخزن من خلال إصدار ظهير شريف.
2. ظاهرة السجال بين الطرق؛ وخاصة السجال الذي كان بين منتقدي الطريقة التجانية وما حُبّر فيه من كتابات وردود بين الطرفين.
تناول المحور الثاني الصلات العلمية بين سوس ودرعة، وأخذ الباحث صلة محمد بن سعيد المرغيتي بالناصريين مثالا متميزا بمختلف العرى الدينية والثقافية والعلمية والإنسانية.. والعلامة المِرغيتي (1089هـ) استطاع المزاوجة خلال سيرته العلمية بين شخصية العالم والرحالة، فسعى في نشر العلم في تمكروت وبدرعة وغيرها.. وساهم في تنشيط الحركة العلمية.
الرابع: أعمال المختار السوسي؛ وهو من
محورين، الأول: «مترعات الكؤوس في آثار طائفة من أدباء سوس» للعلامة محمد المختار
السوسي. بيّن الباحث أن في عنايته بالتراث الثقافي السوسي استحضار لرؤية محمد
المختار السوسي في التعامل مع هذا التراث، وهو السعي بالعناية بالجزء في سياق
الكل، والانطلاق من الخاص إلى العام. فهو تراث مغربي بوصفه صادرا عن مكونات
ومؤثرات وروافد مشتركة وإن اختلفت بعض الشيء.. ثم وضح دواعي اختياره الموضوع،
الرغبة في خدمة التراث المغربي عامة والسوسي خاصة، وخدمة تراث محمد المختار
السوسي، والإسهام في توفير المواد الخام لأبناء اليوم والغد.. ثم عرض الباحث تصميم
البحث ومنهجيته في اشتغاله على المتن المحقق «مترعات الكؤوس» وخطاطة التحقيق.
أما المحور الثاني، فقد اعتنى فيه
بالعلامة محمد المختار السوسي وجهوده في الاعتناء بالتراث المخطوط، باعتبار تراث
الرجل يتميز بالتنوع والغنى (التاريخ، الأدب، العلوم الشرعية والإنسانية)؛ فتناول
الباحث فكرة الاعتناء بالتراث عند المختار السوسي باعتباره جامعا للتراث المخطوط،
وبيّن منهاجه في الجمع الذي يقوم على الرحلة، والعلاقات الاجتماعية، والاستعارة،
والنسخ، وفوق هذا، خصاله التي مكنته من تحصيل المصادر، والتواصل مع النخب الدينية
والعلمية والسياسية.. وأضاف أنه في سوس تطرح مسألة مهمة وهي إتقانه اللغة
الأمازيغية… ثم أشار الباحث إلى أن المختار السوسي، يعد مفهرسا ومحققا للتراث
المخطوط.. ثم تصرف السوسي في النصوص التي وردت في موسوعته «المعسول» بالتلخيص،
الاقتباس، الغربلة، والتهذيب، والتنقيح… لأنه يعقد علاقة مع قارئ عصري، مراعيا له…
كما أن تراث السوسي هو سعي إلى نشر المعرفة التراثية وتيسير سبلها للباحثين. وبهذا
يكون المختار السوسي في هذا الشكل قد تجاوز حدود التراث السوسي للاهتمام بالتراث
المغربي والإسلامي عامة، وذلك برز من المخطوطات النادرة التي وقف عليها، وكان سببا
في نشرها وتحقيقها وذيوعها كرسالة سعدية، والذخيرة في محاسن أهل الجزيرة وغيرها.
الخامس: التعليم في سوس؛ يضم محورا
واحدا عنوانه «إصلاح المدارس العتيقة، نموذج مدرسة سيدي وكَاكَ». ويتناول في هذا
المحور الرغبة التي كانت لدى علماء سوس في إصلاح المدارس العتيقة في سوس، ومنهم
السوسي، أحمد شاعري الزيتوني، وقد تحدث المختار السوسي في نص سردي متخيل عن نهضة
جزولة العلمية والدينية، فتخيل الجامعة الوكاكية كمؤسسة حديثة مجهزة بوسائط
تعليمية عصرية. وهذا يوضح الحاجة الماسة إلى التحديث آنذاك وهاجس الإصلاح.
السادس: صلات سوس بفاس ودرعة؛ من
محورين. الأول: «سوس والسوسيون في سلوى الأنفاس للكتاني» وهذا المحور يحاول البحث
في آثار منطقة سوس العلمية والولوية في تضاعيف كتاب تراجم فاس، سلوة الأنفاس. من
خلال عرض بعض أسماء علماء وصلحاء سوسيين. وتصور الكتاني لسوس وحضوره بجغرافيته
وأعلامه..
وتناول المحور الثاني الصلات العلمية
بين سوس ودرعة، وأخذ الباحث صلة محمد بن سعيد المرغيتي بالناصريين مثالا متميزا
بمختلف العرى الدينية والثقافية والعلمية والإنسانية.. والعلامة المِرغيتي
(1089هـ) استطاع المزاوجة خلال سيرته العلمية بين شخصية العالم والرحالة، فسعى في
نشر العلم في تمكروت وبدرعة وغيرها.. وساهم في تنشيط الحركة العلمية..
العنوان السابع: سوس في الكتابات الأجنبية. من محورين. تناول الأول ما ورد في الكتابات الاستعلامية عن سوس، من خلال تقرير الكابتن سارتر عن منطقة «إيرزان» بنواحي تارودانت. وقد وصف الباحث التقرير وتاريخ الجمع في الرحلة التي استغرقت من 24 إلى 26 يناير/كانون الثاني 1935. وتاريخ الفراغ من كتابته 25 مارس/آذار 1953. والمعطيات التاريخية والجغرافية ولمحات إثنوغرافية اقتصادية التي يعطيها عن إيرزان. ثم دراسة أقسام القبيلة. وهذا التقرير الذي قدمه لسلطات الحماية هو بمثابة خدمة نفعت المحتل وقتها، كما هي أيضا خدمة للباحثين في تاريخ المنطقة.
«سوس في الرحلة الفرنسية المعاصرة»
أما المحور الثاني «سوس في الرحلة الفرنسية المعاصرة» فقد ركز الباحث فيه على منطقة تافراوت كنموذج، فعرض صورة تافراوت في رحلة بيير لوكو، ومارك دو مازيير. وخلص إلى أن الأول تعرف رحلته ضمورا من الناحية الاثنوغرافية، ما جعل رحلته إلى تافراوت عبارة عن تأملات في فضائها وأشيائها، وتأثره بالطابع الجمالي الفلسفي، وهذا ما جعل رحلته تحتفي بأدبيتها.. فحضرت صورة تافراوت في رحلته بشكل شاعري. أما رحلة دومازييىر فطغى عليها الوصف الاثنوغرافي، حيث نقل الرحالة مشاهداته ما بين تزنيت وتافراوت… وقيمة رحلته تتلخص في عرض لمرحلة تاريخية من الخمسينيات أواخر الحماية.. وقيمتها من الناحية الاقتصادية والاجتماعية. ثم بين الكاتب أن الرحالتين لم يستطيعا الفكاك من النظرة السلبية، فالأول يراها بنظرة استعلاء، والثاني يعد السكان مجرد جبليين يروضون الثعابين…
«سوس التاريخ والثقافة والمجتمع » كتاب
موسوم بالتوثيق العلمي الرصين، يقدم مجهودا قويا يسعى من خلاله أحمد السعيدي إلى
اكتشاف واستخراج خبايا تاريخ سوس العالمة، الزاخرة برجالات العلم والمعرفة والتصوف
منذ عرف هذا الربع الإسلام بعد الفتح الإسلامي للمغرب، وهذا الكتاب أراه امتدادا
لمشروع محمد المختار السوسي، الذي لا ننسى فضله في تحصيل مواد تراثية علمية وأدبية
للباحثين، ومساهمته الفاعلة في استخراجها والتعريف بها. وإكمالا لهذا المسعى
فالثقافة السوسية «تحتاج اليوم إلى جهود رسمية وعلمية ومدنية بحيث ترتقي من مجرد
فولكلور يُستدعى كلما دعت الحاجة إليه، إلى درجة الإسهام الفعلي في بناء المجتمع»
لهذا فالأولى الخروج بنصوص هذه الثقافة من عصر المخطوطات إلى عصر التحقيق والطباعة
والنشر والعكوف على دراستها لتشكيل تاريخ ثقافي جديد وشامل لمنطقة سوس وتلك كانت
رؤية المختار السوسي لمَّا ألف موسوعته «المعسول» حيث صرح قائلا: نطلب من الله أن
يأتي بمن يستتم ما ينقص في الموضوع، أو يصحح الأغلاط».
صدر كتاب: «القصة المغربية وسؤال
التلقي قراءات في قصص "ماذا تحكي أيها البحر...؟" للكاتبة فاطمة الزهراء
المرابط»، العام الماضي، عن منشورات "الراصد الوطني للنشر والقراءة"،
وبدعم من وزارة الثقافة والشباب والرياضة. ويعد صدارا نقديا جماعيا يقع في 135
صفحة من الحجم الكبير.
وقد ساهمت في هذا الكتاب بدراسة نقدية
في منجز القاصة فاطمة الزهراء المعنون بـ «ماذا تحكي أيها البحر..؟» فحاولت في
الدراسة أن أركز على العتبات لأبرز من خلالها شعرية السؤال وجماليات الإيحاء في
نصوص هذا المجموعة التي تُسائل باستمرار عن ظواهر الواقع والمجتمع الحديث،
ومفارقاته، وقضاياه... ومساءلتُها تأخذ شكل السرد القصصي، ذلك لأن القصة عند فاطمة
الزهراء تشبه كاميرا ترصد الحدث والتفاصيل، وتعرضها عارية من أي رتوش، تتوسل
بالخيال والجمل الشعرية والإيحائية قصد تأثيث فضاءات المعنى بداية من العتبات
وانتقالا إلى النصوص ومضمراتها.
القصة عند الكاتبة تعرض أوجها من حياة
المجتمع الذي يخوض في هموم وانشغالات شتى. وإن كان البحر بامتداده وعمقه يختزن
أسرارا وحياةً وعوالمَ مألوفة وغريبة، فإن المجتمع - بداهة - لا يقل عنه شيئا في
ذلك بما يحويه من أسرار وعوالم غريبة متناقضة بل ومحبطة، قد ترغم العاقل والحليم
أن يلوذ إلى الشاطئ ويُقبل على البحر قصد محاورته والاستئناس به والتخفيف من ضغوط
الحياة، سائلا ذاته من خلال مظاهر البحر عن أصل الحكاية والحكاية، فيتشكل ويتجدد
السؤال باستمرار: «ماذا تحكي أيها البحر..؟».
ويتضمن هذا الكتاب النقدي مجموعة من القراءات
النقدية لثلة من الباحثين المغاربة:
1- سعيد موزون: «البناء السردي
واستراتيجية الحكي في قصص "ماذا تحكي أيها البحر...؟" لفاطمة الزهراء
المرابط»،
2- الحسين اخليفة: «جماليات الحكاية
والخطاب في القصة المغربية: قراءة في قصص "ماذا تحكي أيها البحر...؟"
لفاطمة الزهراء المرابط»،
3- عز الدين المعتصم: «جدلية الحضور
والغياب في قصص "ماذا تحكي أيها البحر...؟" للقاصة فاطمة الزهراء
المرابط»،
4- رشيد شباري: «سيمياء البحر في قصص
"ماذا تحكي أيها البحر...؟" لفاطمة الزهراء المرابط»،
5- عبد الكريم الفزني: «"ماذا تحكي
أيها البحر...؟" بين تداعيات الذات وتمثل الآخر»،
6- رشيد أمديون: «شعرية السؤال وجماليات
الإيحاء قراءة في عتبات "ماذا تحكي أيها البحر...؟" للكاتبة فاطمة
الزهراء المرابط»،
7- جامع هرباط: «تجليات التناظر في قصص
"ماذا تحكي أيها البحر...؟" للقاصة فاطمة الزهراء المرابط»،
8- ميلود عرنيبة: «شعرية الاسترجاع في قصص
"ماذا تحكي أيها البحر...؟" لفاطمة الزهراء المرابط»، يتخلله مختارات من
قصص المجموعة.
وقد جاء في ظهر الغلاف: «وتعتبر قصص
"ماذا تحكي أيها البحر...؟" نافذة مفتوحة على تأويلات مختلفة، تدعو
المتلقي إلى المشاركة في بناء النص وإعادة تشييد دلالته؛ إذ عمدت الكاتبة فاطمة
الزهراء المرابط في قصصها إلى إبداع متخيل سردي ذي بداية مفاجئة ونهاية مفتوحة، ما
يعبد الطريق أمام الباحث الراغب في سبر أغوارها وتفكيك بنياتها وولوج عوالمها
المألوفة والغريبة التي تمزج بين الحقيقة والخيال وبين الحلم والوهم، إذ تسلط
الضوء طيلة صفحاتها على مفارقات مجتمعية وإبداعية وفكرية ودينية، وشخوص مسكونة
بهموم وانشغالات شتى، بتناقضاتها وصراعها وتمردها ونزعتها إلى الاحتجاج والتطلع
إلى تغيير الواقع المعيش. إنها قصص تنزع إلى البناء الكلاسيكي والتجريب غير
المبالغ فيه، وتتوسل بالخيال والصور الشعرية واللغة الإيحائية والرمزية والغموض
قصد تأثيث فضاء المعنى».
ويأتي هذا الكتاب ليدعم استراتيجية القراءة والتأويل وتبني فكرة بناء رؤية واضحة للقارئ/الناقد أمام المنجز الإبداعي، فالمنجز الإبداعي صامت من غير القارئ والنص لا يصبح له وجود إلا بالقراءة.
Posted in: مقروءاتي
