الوصف
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دمعة وابتسامة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دمعة وابتسامة. إظهار كافة الرسائل

أَڭْـــنـاوْ

الرجلُ كان عملاقا قوي البنية، حاد النظر، مكتنز الأرداف ناصع الوجه...ونحن كنا صغارًا في عمر البرعم، نخافه ونستلذ متعة الخوف النادرة بمشاكساته.كانت تثير ضحكنا بقعة جلدية منتفخة على جانب جبينه العريض المتفصد عرقا على الدوام. نسخرُ منه، فيطاردنا وسط فضاء القرية ملوحا بذراعه القوية كمن يلاحق سرب طيور هارب. يركض خلفنا كثور هائج، ماسكا بطرف جلبابه كي لا يُعثره. يهتز جسده كله وركبه كأنها ترج الأرض رجا، أو هكذا كنا نحسب ونحن صغار. وبلغته البالية تدعسُ التراب وتقذف الحجر الذي يتعرض سبيلها، تزجه بعيدًا. كان جلدها الذي صُنعت منه أصفرا فاقع اللون قبل أن يُحوّلها القِدَمُ إلى نعل مرقع لا لون له. يُخيّل إلينا أنه اشتراها من سوق الأسبوع منذ زمن غابر قد يكون قبل ولادتنا بسنين. لكنه كان يجيد العدو بتلك البلغة الأثرية، فنفر كنمل انتبه إلى ناقوس الخطر فاستجاب...

يدٌ، وعينٌ.. والكلام

هل كنتُ لأبكي لولا ذاك الدّفء الذي تركتهُ على رصيف المحطّة؟، إنّي تركتك واقفة قُبالته، كأنه مازال يحتويني، ورأيتك تضمينه كما كنت تضمين رسمي.لم أحمل معي غير ملامح إشارة يدك المتعبة التي لوّحتِ بها ببطء. بدت مثقلة بحزن أنهكها، لم تكن إشارتك عادية. إنّها تشير للمستقبل، تشير بعييييدًا، ولم يخفَ عني ما تعنيه، لم يخفَ...حركتُ يدي عن غير قصدٍ، أو ربما حركتها كي أردّ تحية الوداع. يدي ثقيلة، كأنها تأبى... حاولت، فاهتزت من كفّي بقايا عطرك، كان يغني لي أغنية فيروزية تنعش أنفاسي المتعبة من رائحة الوداع الخانقة.كم هي أنسامك فردوسية!!.فخطَفَـتني من نفسي. روحي اِنْتُـشِلَت من جسدي. من قاع سحيقٍ رفعتُ رأسي فرأيتُ عينك الذارفة، ووجهك الخجول كشمسٍ على أهبَة المغيب. وتلك الحمرة النازلة تشوب أفقي الضيّق... وعندما تحركت عجلات القطار، التي بدأت بطيئة في البداية...

سقطت نجمةُ في الليل

معزوفةُ اللّيل... نباح كلابٍ، ونقيق ضفادع البركة المجاورة كفرقةٍ موسيقية راق لها العزف. انسحبَ السكونُ الليلةَ من الدوّار بعدما تسلّلَ صوتٌ جديدٌ إلى هذا العزفِ الليليّ فغادر النّومُ عيونَ كل الأهالي. دارُ "عبدِ السّلام ولْدْ رحمة"، مُتزيّنة بمصابيح ملوّنة، أخضر، أحمر، أصفر. باحتها الأمامية تحولت إلى معتركٍ تُثير فيها الأقدامُ النّقْعَ. فوق الرّؤوس تشكلت سحابة من بياضٍ مُغبرٍ تُرى من بعيدٍ، يعكسها ضوء المصابيح المتوهجة التي تحوم حولها حشرات طائرة وبعض خنافسِ الدوّار التائهة. خرجت من مخابئها باحثة عن مصادر الضوء المشع... خرجت مع من خرجوا لتلبية الدعوة.اشتدّ الرفس بالأرجل والضرب على الطّبل، والدفوف تتراقص في الهواء فرحةً سعيدة. والغايطة تنادي صارخة أنْ هلمّوا إلى "الْهَيتِ"*. فامتلأ سطح الدار وساحتها... نسوة تسوق زغاريدًا حادة تركبُ...

وجاءت سيارةٌ

تأرجحَ فقيهُ "الدوّار" الجديدِ ذات اليمين وذات الشمال. عدّل جلسته وتربّع من جديد. أرخى (قبّ جلابته) (1) على وجهه، ثم أسفر عنه بعد أن طوى طرفًا من قبه فوق رأسه الأصلع وثبته جيدًا. تبسم ضاحكًا من سؤال (عزوز) الذي ظلّ فاغرًا فاه، منتظرًا جواب الفقيه، وكرر قائلا:     - إيوا أش قلتِ ألفقيه؟(2)     - فاش ؟(3) لم يترك (عزوز) شُعلة سؤاله تخمد، وقد شكّل له قلقًا، فترنح من الشوق لمعرفة الجواب. وما كان ليسمح وهو العنيدُ أن يتلاشى استفساره بهبة ريح التجاهل أثناء تلفت الفقيه وتأرجحه كأن السؤال لا يعنيه في شيء. كان يحلو لعزوز أن ينصت للقرآن الذي لا يكاد يفهم منه إلا ارتفاع وانخفاض الأصوات المنبعثة من حناجر القراء وهم يتحلّقون لتلاوة ورد المساء بعد صلاة المغرب، أو ما يلتقط سمعه من الكلمات، يفهم منها القليل بفضل ما تعلمه في سن باكر...

جدارُ العار وغيمٌ لم يمطر

   غائمة هي سماؤكِ منذ رحل تاركاً في أرض اشتياقكِ بذرة أملٍ لم تَنْمُ.لم يمنعك كبرياؤك المارق من التّمسح بذات الجدار، تمرين بقربه وتسحبين الخطى مجهدة، كمن أنهكتها الهزيمة. النظرات منك تختلس ما يُمتِعُ شهوة الذكرى في عمقك. تمتزج ببعض الحنق. تمتحُ ما يَروي صحراء إحساسك العطشانة لضمته العتيقة الغابرة التي ولى عهدها...   لم تُنسِكِ الأيّـّامُ دفأه رغم تنقلِك بين الأحضان كمحطات الحياة البائسة.نعم؛ هو الجدار نفسه، ثابت مكانه. كان يُسندُ إليه ظهره عند كل لقاء مختلس، حين تقابلينه وتهبينه ما خبّأتِ بين جناحيك من ودٍ طافح بلغ مبلغ السّكر، وما طاب به سخاءُ شفاهك من بسمات حارقة لكيانه الصبور... هو نفس الجدار، لم يتزحزح كما الزمن والحال. ولم يؤثر عليه البلى.      كان يمجّـدك بقول يذيب فؤادك. كأنه يمنحك مركبة خيال...

قراءة الرسالة (ج:6) الأخير

القصة منقولة من اللغة الأمازيغية. لقراءة الجزء: الأول - الثاني - الثالث - الرابع - الخامس الجزء السادس والأخير ثم ناداهما متسائلا: - من فضلكما متى انهارَت هذه الدّار؟  استغربتا منهُ حين طرحَ سؤالهُ بالأمازيغية. ظنتاهُ أوروبيًا من هوّاة السياحة بين قرى سُوس.  ردّت عليه "لالّة فاضمْ":  - بالأمسِ يا سيدي... تهدّمت..  باندهاشٍ واستغرابٍ قال:  - أمس؟!!  وهل تعرفينَ يا سيدتي أين هما المرأتان اللتان كانتا تسكنان فيها؟  - إنهما نحن يا سي...  وهل تعرفينَ يا سيدتي أين هما المرأتان اللتان كانتا تسكنان هذه الدّار؟  - إنهما نحن يا سي...  لم تكمل "لالة فاضم" كلامها حتى انبعث صوت الرجل، حنونا:  - أمي.. أمي.. أنا "همّو"..  في دهشة، استقبلتاه بالنظرات، فأسفرتا عن وجهيهما......

قراءة الرسالة (ج:5)

القصة منقولة من اللغة الأمازيغية. لقراءة الجزء: الأول - الثاني - الثالث - الرابع الجزء الخامس بعد ثلاثة أيام انقطع المطر، وانخفض مستوى ماء الوادي قليلا...  وفي ذات الليلة التي حددتا صبحها كموعد للسفر إلى الرباط... التفتت "عيشا" إلى وجه حماتها.. وبعد نظرة بدا لها شاحبا بملامحه الذابلة... فأشفقت عليها كثيرا. اقتربت منها بعين دامعة، فشرعت تفشي لها سرًا طالما أخفته عنها حتى اكتوت بناره ولم تعد تطيق كتمانه. كانت هي و"همّو" و"لالة فاضم" يعيشون حياة هنيئة يتخللها بعض الرخاء، وإن لم يكن زوجها صاحب أموال ولا أملاك - فلم يكونوا أغنياء إلا بالقناعة وبما قسمه الله لهم- كانت مهنة "همّو" لاعبًا في فرقة (أولاد حماد أوموسى)[1]. ما يكسبه من حلقات الفرجة التي تقام في جامع "لفنا"[2] بمراكش، أو في مكان آخر يكفيه لينفق...

قراءة الرسالة (ج:4)

القصة منقولة من اللغة الأمازيغية. لقراءة الجزء: الأول - الثاني - الثالث الجزء الرابع  كان "عليّ" قد فرّ من القرية بعد أن تعرض للسخرية، قاصدًا منزل خالته. وكي لا يلحق به والده فيعيده، فقد سلك طريقا غير مألوف وسط الغابة... ولكنه تاه.  في الصباح الباكر استيقظ وتناول الفطور مع السياح. وكان ضمن هذه المجموعة رجل له دراية بالمسالك والطرقات والقرى. رافقه كي يوصله إلى قرية "تمجلوشت" التي أخبره أنه يقصدها لزيارة خالته... مضيا معا يشقان الطريق في الغابة، والأوروبي يحكي له عن تلك المناطق التي مرّ منها في بلاد "سوس" الكبيرة، والمشقات التي تعرّض لها، وما حدث له في جولاته من مغامرات مع الذئاب والعقارب والأفاعي السامة، ووحوش الغابة المفترسة... تأثر علي كثيرًا بكلامه، فقال: - أراك أجنبيا وتتقن لغتنا... أين تعلمتها؟ ضحك الرجل وقال: -...

قراءة الرسالة (ج:3)

القصة منقولة من اللّغة الأمازيغية- لقراءة:  الجزء الأول -  الجزء الثاني  الجزء الثالث أمسكَ "عليّ" الرسالة من يد والده بيدين مرتجفتين. اختلط خجله بخوفه وقد صوّب الجميع نظراتهم إليه، كانوا ينتظرون بأمل، ما سيقرأُه على مسامعهم المصغية. تهجّى الحروف والكلمات.. تتعتع شيئا فشيئا حتى أتمَّ قراءتها... رفع بصره عنها ليجد والده والحاضرين ما تزال عيونهم جاحظة مستقرة. قال له والده مستدركًا وآمرًا: - إيوا.. تابع، اقرأ... - صافي [1].. انتهيت من قراءتها... كاملة. نظر إليه والده بنظرة عميقة لا تخلو من القسوة وهو يقول: - إنك تكذب، لم تكمل قراءتها لأنّي لم أسمعك تقول "والسّلام"... جميع الرسائل تنتهي بـ " والسّلام". - أقسِم بالله أني أتممت قراءَتها... وهذه الرسالة لم يردْ فيها (والسّلام).. سمع الجميع كلامه، فاهتزت أجسامهم...

قراءة الرسالة (ج: 2)

القصة منقولة من الأمازيغية. لقراءة: الجزء السابق الجزء الثاني مرّ من اللّيلة الكثير من الوقت. أبت عين "عيشا" أن تذوق طعم النوم. نهضت خارجة من غرفة "لالّة فاضم" التي تبيت فيها منذ أن غاب عنها زوجها. اتجهت نحو غرفتها التي هجرتها زمنا طويلا. فأشعلت شمعة تهتدي بها في الظلام... ثم استقرت نظراتها على وجهٍ أطلّ من مرآة معلقة بالحائط... فكانت كمن تسترق النظرات، شيئا فشيئا... كما لو أنها تخشى التأكد... وتخشى رؤية أمر مفزع... فتحتاط.قد مضت سنوات تفوق العقدين وما اهتمت بالنظر إلى المرآة بتمعن، نادرا ما كانت تفعل. منذ أن غاب عنها زوجها وانقطعت أخباره صار لا يهمها جمالها. وهبت جهدها للعمل والحرث والزراعة والحصاد... كانت تأتي بالأعشاب من الغابة لتطعم بقرتها الوحيدة والحمار... وتسقي جِنان الخضروات بيديها، مشمرة عن ساعد الجد... تطحن الحبوب......

قراءة الرسالة (ج:1)

مقدمة (قراءة الرسالة) أو كما هو عنوانها الأصلي (تيغري نتبرات)؛ قصة أمازيغية لكاتبها الصافي مومن علي. تعود أحداثها حسب تقديري إلى سبعينيات القرن الماضي، حين كان المجتمع الأمازيغي المنعزل في جبال الأطلس يعاني من الأمية والهجرة والإهمال...وأنا هنا لا أدعي لنفسي البارعة الكبيرة حين اجتهدت محاولا نقل القصة من لغتها الأصلية إلى العربية بما أمتلكه من بعض قدرات فهم تلك اللغة، بل إني قد أقول أن النص الأصلي لكاتبه يبقى الأجمل بطريقة سرده وبنائه والتوظيف اللغوي والدلالي، وتوظيف الثقافة الأمازيغية البسيطة بشكل مميز ومتقن خاصة وأن الكاتب مختص في هذا المجال. سأنشر هذه القصة المنقولة من اللغة الأمازيغية عبر حلقات على همسات الروح والخاطر... فأرجو أن تتابعوها إلى النهاية، وكلي أمل أنها ستحظى بإعجابكم. قراءة ممتعة... رشيد أمديون  الجزء (1) نزلَ...

يوم الثلاثاء

يوم الثلاثاء، لا تشبهه الأيام؛ شمسه ذهبية، رافقت صبحا نفض عن ردائه بقايا كسل ليل ثقيل. باسمة للحياة، ناشرة نورها من أفقها العالي..  في المنزل فرحة مشعة كنور شمس هذا اليوم. أثر بهجة على جدرانه، وعلى كل تفاصيله. حتى رصيف الباب مختلفٌ يوم الثلاثاء. الفرحة لها مظاهرها تبرز في الحركة الغير عادية لصباح يوم الثلاثاء البهيج. الأب لم يذهب إلى العمل هذا الصباح، ظل مستلقيا على فراشه إلى الساعة التاسعة.. لم توقظه إلا زوجته بإصرار، وهي تلح عليه بنداءات متكررة، تدعوه... غمغم من تحت الغطاء قبل أن يجيب:      - ألم أحضِر كل الحاجيات أمس..؟      - قم.. مازلت بعض الأغراض تنقص!. يقوم مطيعا، ينفد الأوامر الصادرة من ربة بيت تحب كل شيء متقن. لا مجال لديه ليناقشها، تلك معركة خاسرة، أكيد أنها خاسرة. يحضر ما طُلب منه. يسلمه إلى...

Join me on Facebook Follow me on Twitter Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة