[ مدونة رشيد أمديون
الوصف

تفكيك الكذب: بين اللغة والسلطة

 

 

رشيد أمديون

يقدّم جاك دريدا في كتابه «تاريخ الكذب»* طرحا فلسفيا، يضع القارئ أمام سؤال جوهري: هل يمكن أن نكتب تاريخا لظاهرة تقوم أساسا على الإخفاء والمراوغة؟ فالكذب، في نظره، ليس مجرد سلوك أخلاقي يُحاكم ضمن ثنائية الخير والشر، بل هو بناء لغوي وفكري معقد يتداخل فيه الوعي والإرادة والقصد. لهذا لا يكتفي الكتاب بسرد تاريخي تقليدي، بل يقدّم تحليلا عميقا لكيفية تشكّل الحقيقة والزيف في وعي الإنسان وفي المجال العام. ومن هنا يؤكد دريدا أن الكذب يجب أن يبقى «الرابط الأساس لكل تأملاتنا في جوهر وتاريخ القصدية والإرادة والوعي» (ص 27)، ليحتل بذلك موقعا مركزيا في الفلسفة المعاصرة.

1. الكذب بوصفه بنية لغوية

يرى دريدا أن الكذب يرتبط ارتباطا وثيقا باللغة نفسها؛ فاللغة تقوم على علامات تشير إلى الأشياء لكنها لا تتطابق معها تماما. هذا الانفصال بين الدال والمدلول يفتح المجال للالتباس والخداع. ومن هنا يطرح دريدا سؤالا صعبا: كيف يمكن أن نكتب تاريخا لشيء يقوم أساسا على التخفي؟ فالكذب الناجح هو الذي يبقى مخفيا ولا يُكشف أبدا، مما يجعل تتبعه مهمة معقدة.
الكذب ليس مجرد قول يخالف للحقيقة، إنه استخدام واع للغة قصد إعادة تشكيل المعنى وتوجيهه. فالكاذب والصادق يستعملان الكلمات نفسها، لكن الفرق يكمن في النية وراء القول. لذلك يقول دريدا: «الكذب ليس حدثا أو حالة؛ إنه فعل مقصود» (ص 25).
ولشرح هذا البعد، يميز دريدا بين نوعين من الأقوال:
الأقوال المعاينة: وهي التي تنقل الوقائع وتصفها. قد تقع في الخطأ بسبب جهل أو التباس، لكن لا تُعد كذبا إلا إذا كان هناك قصد مسبق لتضليل المستمع.
الأقوال الإنجازية: وهي التي تخلق واقعا جديدا بمجرد التلفظ بها، مثل الوعود أو القرارات الرسمية. هنا يظهر الكذب بشكل استراتيجي، ليس بتزييف الماضي، بل بالتلاعب بالمستقبل عبر الوعد بما لن يتحقق.

2. الكذب بوصفه آلية للسلطة والهيمنة

ينتقل دريدا من تحليل الكذب باعتباره ظاهرة لغوية إلى النظر إليه كأداة من أدوات السلطة لإنتاج الواقع وإضفاء الشرعية عليه. فالسلطة لا تكذب فقط لإخفاء الحقيقة، بل لتشكيل واقع جديد عبر الخطاب الذي لا يصف الوقائع فحسب، بل يصنعها. وهنا يتقاطع الكذب مع مفهوم الأداء، حيث يصبح الخطاب وسيلة لصنع الوقائع لا مجرد نقلها.
ويبرز هذا البعد من خلال الطبيعة الاجتماعية للكذب، إذ إن «فعل الكذب يعني أننا نتوجه بالكلام إلى الآخرين»(ص 25). فالكذب لا يتحقق إلا بوجود مخاطَب يُراد التأثير فيه أو تضليله أو إلحاق الأذى به.
ومن هذا المنطلق تتجلى أهمية ما يمكن تسميته بـ«سلطة الأرشيف»(ص 102)، أي قدرة المؤسسات والسلطات على التحكم في الذاكرة الجماعية من خلال إعادة كتابة التاريخ أو اختيار ما يُحفظ وما يُستبعد. وهذه الفكرة من أعمق ما ناقشه الكتاب، مستندا إلى أطروحات حنة أرندت التي رصدت التحول الخطير من مجرد «إخفاء الحقيقة» إلى «إبادة الحقيقة».
ففي الكذب السياسي التقليدي، كان الفاعل يكذب ليخفي سرا أو خطأ محددا، مع إقرار ضمني بوجود حقيقة محجوبة وراء الستار. أما الكذب الشمولي الحديث، فلا يكتفي بحجب الوقائع، بل يشن هجوما منظما على قدرة العقل البشري نفسه على التمييز بين الصدق والكذب. الهدف الاستراتيجي هنا هو إدخال المجتمع في حالة من الذهول والاستسلام، حيث يسود الاعتقاد الجمعي بأن «لا أحد يملك الحقيقة، والجميع يكذب دون استثناء». وعندما ينجح الخطاب الشمولي في ترسيخ هذه الحالة، تفقد الحقيقة قيمتها ومعناها وتذوب فاعليتها في المجال العام.
هذا التزييف لا يحدث بالصدفة، بل يقوم على ما يسميه القديس أوغسطين «رغبة أو إرادة واضحة للخداع (Fallendi cupiditas)»(ص 26)، وهي إرادة تتحول، حين تمتلك أدوات النفوذ، إلى وسيلة للهيمنة وصياغة الوعي الجماعي.
كما لا يكتفي دريدا بطرح إشكالية الكذب في بعدها الأخلاقي، بل يثير سؤالا أشد تعقيدا يتعلق بالعلاقة المتوترة بين الحقيقة والممارسة السياسية: هل تستطيع السياسة أن تستغني كليا عن بعض أشكال الإخفاء أو المواربة؟ ومن هذا المنظور يناقش ما يسميه «الكذب النفعي» أو «الكذب الضروري» (ص 31)، أي ذلك التبرير الذي تلجأ إليه السلطة بدعوى حماية المصلحة العليا للدولة.
غير أن دريدا لا يتوقف عند هذا التبرير، بل يفتح المجال للتفكير في مقاومته، عبر مفهوم «العصيان المدني» الذي يراه أداة مشروعة لمواجهة خطابات التضليل الرسمية وكشف ادعاءات السلطة. فالعصيان المدني، في هذا السياق، ليس دعوة إلى هدم القانون أو الخروج عليه، بل هو موقف أخلاقي ونقدي تجاه القوانين التي تتعارض مع الحقوق الأساسية ومبادئ العدالة؛ إذ «لا يعني بالضرورة الحث على الخروج ضد (على) القانون» (ص 100)، وإنما مقاومة القوانين الوضعية حين يتبين، بعد فحصها ونقدها، أنها تتناقض مع روح الدستور ومع القيم التي تدّعي حمايتها.

3. من الخطاب إلى الصورة: الكذب في العصر الإعلامي

في العصر الحديث، لم يعد الكذب مقتصرا على المجال اللغوي أو السياسي التقليدي، بل أصبح جزءا من منظومة إعلامية وتقنية معقدة قادرة على إنتاج واقع بديل. ويرى دريدا أن التكنولوجيا الحديثة دمجت اللغة بالسلطة تكنولوجيا عبر وسيط "الصورة"؛ إذ لم تعد السلطة بحاجة إلى خطابات أيديولوجية تقليدية، بل أصبحت تستخدم لغة "تقنية" بصرية دقيقة (عبر المونتاج، والإخراج الإعلامي الممنهج) لتوليد صور زائفة تبدو للجماهير «أكثر حقيقية من الحقيقة نفسها».
إن هذا النمط المستحدث من التزييف يمثل "لغة سلطوية" متحولة ومراوغة (تتسم بعدم الثبات)، لا تهدف إلى الإقناع بقدر ما تسعى إلى تعطيل القدرة النقدية وتدجين وعي المتلقي. وهكذا تتحول الصورة من مجرد وسيلة لنقل الأحداث إلى "قانون" صارم وموجِّه يعيد صياغة الواقع ويوجه إدراكه. وبذلك تصبح وسائل الإعلام لا تكتفي بعرض الوقائع والأحداث، بل تسهم في تشكيلها وتأطيرها عبر الصور والسرديات والتمثلات الرمزية.
غير أن دريدا لا يتبنى تصورا عدميا يفترض انتصار الكذب المطلق؛ إذ يؤكد أن الواقع يظل محتفظا بقدر من المقاومة أمام محاولات التزييف الشامل. ولذلك يسوق كلام "حنة أرندت" وهي تعبر عن تفاؤل جريء: «ومهما تتسع شبكة الكذب التي يأتي بها الكذاب المتمرس، فلن يكون بإمكانها أن تغطي كل المساحة التي يحتلها الواقع» (ص 112)، لأن الصورة الإعلامية، مهما بلغت قدرتها على إعادة إنتاج الواقع، تظل عاجزة عن محو الوقائع كليةً، فالحقيقة تمتلك دائما قدرة العودة والانكشاف.

4. الأخلاق في مواجهة "تدمير حقيقة الوقائع"

في العصر الإعلامي، يصف دريدا ما يحدث بأنه «بحكم البديل الأيقوني والصورة» في الفضاء العمومي(ص 102)، حيث يتم «تدمير حقيقة الوقائع» لصالح سرديات أيقونية تتداخل فيها الحدود بين الحدث وتأويله. في هذا الفضاء لم يعد التضليل مجرد إخفاء للمعلومات، بل أصبح بناءً لـ«مظاهر خداعة-إنجازية»(ص 112) تفرض نفسها كواقع بديهي ومألوف.
ولهذا السبب، يصف دريدا الكذب بأنه «بمثابة متاهة بإمكاننا أن نضل طريقنا فيها في أية لحظة»(ص 27). فالمقاومة الأخلاقية للكذب لا تتحقق بمجرد التمسك الساذج بالحقيقة، بل تتطلب ممارسة نقدية دائمة تكشف الآليات الخطابية والتقنية التي تمنح الزيف مظهر الصدق، وتفضح الحدود التي يحاول الخطاب المهيمن إخفاءها خلف "أرشيفه" المصطنع.
الكذب، في جوهره، استراتيجية «إنجازية-إعلامية» واعية تستخدمها السلطة لإعادة صياغة العالم والتحكم في مساره التاريخي. فما نعدّه وقائع في الفضاء العمومي ليس سوى ظواهر إعلامية تُصنع مسبقا عبر الصورة والسرديات، لتصبح المظاهر الخداعة المرجع الوحيد للحقيقة.
ومواجهة هذا التزييف الممنهج تقتضي تفكيك بنية اللغة والسلطة معا، وفضح الآليات التقنية والبلاغية التي تشكل هذا الزيف. وقد يتخذ هذا الوعي النقدي شكل «العصيان المدني»(ص 100)؛ وهو الفعل الذي يعيد الاعتبار للأخلاق عندما تدّعي السلطة امتلاك الكلمة الأخيرة باسم "مصلحة الدولة". وهنا يصبح التفكيك ليس مجرد تمرين فكري، بل فعل مقاومة يهدف إلى استعادة سيادة «حقيقة الوقائع» في الفضاء العمومي.

خاتمة

تأخذنا قراءة كتاب «تاريخ الكذب» بعيدا عن النظرة التقليدية التي ترى في الكذب مجرد خطأ أخلاقي أو سلوك عابر، لنقف مع دريدا أمام ظاهرة معقدة تتشابك فيها اللغة والسياسة والتاريخ. فمقاربته التفكيكية لا تكتفي بإدانة الكذب، بل تدفعنا إلى البحث في الشروط والآليات التي تمنحه قوته داخل المجتمع.
وهنا تكمن القيمة الراهنة للكتاب؛ فهو لا يقدم مجرد سرد تاريخي، بل يزوّدنا بأدوات نقدية حيّة لمواجهة التضليل المعاصر، مذكّرا بأن الحقيقة ليست معطى نهائيا، بل غاية تتطلب يقظة دائمة. فالكذب، كما يوضح دريدا، ليس زلة لسان، بل صناعة لواقع موازٍ وإعادة كتابة للتاريخ، وأداة تمارس بها السلطة نفوذها.
وإذا كان دريدا يضع أمامنا حقيقة صادمة مفادها أن التخلص من الكذب يبدو مستحيلا لأنه يسري في نسيج اللغة نفسها، فإن الفلسفة تفتح لنا بابا للمقاومة. هذا الباب هو وعينا بقدرتنا—وبمسؤوليتنا—على تفكيك ادعاءات اليقين والصدق المطلق التي تحتمي بها السلطة. وهكذا تصبح مواجهة التزييف واجبا معرفيا وأخلاقيا لحماية إنسانيتنا.

*جاك دريدا، تاريخ الكذب، ترجمة وتقديم: رشيد بازي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط.1، 2016

إضاءة في كتاب "تدريس الفلسفة من أجل مقاربة ديداكتيكية للاشتغال على النص في درس الفلسفة"




يعد كتاب «تدريس الفلسفة من أجل مقاربة ديداكتيكية للاشتغال على النص في درس الفلسفة» أول إصدار للكاتب والباحث ابراهيم السهلي، وقد صدر عن الراصد الوطني للنشر والقراءة في يونيو 2022. ويقع هذا العمل في 162 صفحة من الحجم المتوسط. وهو مساهمة فكرية يتبنى صاحبها رؤية تعليمية لتدريس الفلسفة، سعيا إلى المساهمة في تجويد تدريس الفلسفة لكونها مادة مدرسية يعتمد إنجاز درسها بشكل شبه كلي على النص، أي أن الدرس الفلسفي هو درس تفكيري تتبلور ضرورة إنجازه بطرق مختلفة، وهو بذلك يشبه الورشة كما شبهه بذلك كانغيلام، «ليست الفلسفة معبدا، إنها ورشة». ويعرب الباحث ضمن هذا الكتاب عن الهاجس الذي دفعه إلى إنجاز هذا العمل وهو هاجس ديداكتيكي من جهة وبيداغوجي من جهة أخرى.
ينطلق الكاتب في هذا البحث من قناعة راسخة تعتبر النص منجزا لغويا حاملا للمعنى وفضاء لغويا متحركا تبعث له الدلالات والرموز حياة متجددة، وهذا التوجه يبرز أهمية النص كواسطة ودعامة أساسية في بناء المعرفة، خاصة منها المدرسية وإعطائها بعدا منهجيا منظما، تنعكس نتائجها على المستوى الذهني، والوجداني، والسلوك للمشتغل على النص، وذلك من خلال العمليات الإجرائية التي يقوم بها داخل النص على ضوء أنشطة الفهم والتحليل، والمساءلة، والنقد، والتفكيك، والتركيب والبناء.. وهذا الاشتغال يقود إلى تكوين وعي وإنتاج خطاب حامل للمعنى.
وعلى هذا يؤكد الكاتب على أن النص ورشة منهجية لصقل مهارات المشتغل عليه، عبر اتباع مجموعة من العمليات الذهنية تؤدي به إلى فهم النص وإنتاج خطاب قابل للتأويل، وهذا يفرض على المشتغل على النص الإلمام بمفهوم النص في مختلف الحقول الدلالية، وهو إدراك شمولي للسياق النظري لمفهوم النص باعتبار النص نقطة بداية وتكوين المعرفة.
وإن تعليم الفلسفة وتعلمها يتم عبر وساطة النص الفلسفي، داخل خطاب فلسفي موجه للقارئ، ويصبح من خلال ذلك النص آلية لممارسة التفكير الفلسفي. ويعد النص للمتعلم فضاء للتفكير يقتضي من المدرس مقاربة ديكاكتيكية محكمة، تستدعي منه ضرورة التسلح بالآليات المنهجية والنظرية للاشتغال على النص الفلسفي، والنجاح في عملية النقل الديداكتيكي من أجل جعل النص فضاء حيا يشبع رغبة المتعلم في التعلم، ومن خلاله يرتبط المتعلم بالخطاب الفلسفي وتاريخ الفلسفة، وهو ما يتيح له إمكانية القيام بمجموعة من الأنشطة الذهنية المرتبطة بخصوصية الخطاب الفلسفي (مفهمة، أشكلة، محاجة).
كما أن فعل القراءة يعد نشاطا تعليميا حيث يجعل المتعلم يلتقي بشكل مباشر مع الخطاب الفلسفي، أي أن القراءة في هذا السياق هي تمرين ذهني يتيح للمتعلم التعرف على خصوصية الخطاب الفلسفي، والقدرة على تمييز هذا الخطاب عن غيره من الخطابات الأخرى، كما أن القراءة طريقة لبناء الأفكار واستلهام القدرة على المحاجة، إذ أن أنشطة القراءة الفلسفية تساعد المتعلم على تنمية قدراته، كما تتيح له إمكانية استلهام تجربة الكتابة الذاتية انطلاقا من تجربة النص، وذلك من خلال نشاط ذهني يقوده لحل المعنى المضمر في النص، فيكون المتعلم بذلك قارئا إيجابيا للنص ومحاورا جيدا للفيلسوف.

«أرخبيل الذاكرة» نصوص رحلية


«أرخبيل الذاكرة» لعبد الرحيم مؤدن، كتاب أفتتح به عام 2023.
يعد هذا الكتاب من جنس الرحلة، التي عرف بها الأديب المغربي الراحل عبد الرحيم مؤدن، يتضمن الكتاب ثلاثة نصوص وهي كالتالي: «ستة أيام هزت العالم»، «الرحلة الهولندية»، «الرحلة الباريسية»، «الرحلة الصينية».
وهي كما يشير الكاتب رحلات ومشاهدات متباعدة، في الزمن والمكان، ومتقاربة في الرؤية والسرد والتوصيف.
عوالم هذه الرحلات تشترك في تجسيد الرغبة في المعرفة، معرفة الآخر، ومعرفة الذات، وكشف الاختلافات وتنوع الأصول بتعدد الأمكنة والثقافات.
في رحلته إلى مصر
 «ستة أيام هزت العالم» يستجيب المكان لتغير الزمن حيث أن الفترة كانت قبيل ثورة 25 يناير، وقد تحول فضاء المكان إلى عالم صامت وناطق، وخاصة القاهرة التي يقول عنها أنها لم تعرف إلا الكلام والصخب وتبادل التحية والسلام.
ثم يكشف المكان عن أسراره في الرحلة الهولندية، من خلال أساليب مختلفة في نسق الحياة ونمط العيش، وما يمارسه المكان على الزائر من سلطة الثنائيات، النور والعتمة، وإغواء الخفاء والتجلي، وما على الزائر إلا أن يقوم باستقصاء الزوايا المعتمة لتنكشف له الأعاجيب.
وفي رحلته إلى باريس أغدق علينا النص بمشاهدات مارس فيها المكان سحره المزدوج جامعا بين الترهيب والترغيب، من سلطة حضارة –يقول عنها- إنها قاهرة متماسكة، وتمارس ترغيبا يتجسد في طبيعة المكان الذي لم يدر ظهره لمرجعية التنوير.
وتتعدد الأمكنة في الرحلة الصينية عبر مشاهد مثيرة للدهشة ومطلعة على عوالم غريبة وثقافة مختلفة تخفي في طياتها أسرارا ورمزيات يتقاطع فيها الواقعي بالأسطوري...

-أرخبيل الذاكرة: عبد الرحيم مؤدن، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، ط.1، 2013.


رشيد أمديون
الثلاثاء 03 يناير 2023
#قراءة_2023_رشيد

الشعر العربي بين الجمود والتطور (مراجعة)


ينتصر الدكتور محمد عبد العزيز الكفراوي في هذا كتابه « الشعر العربي بين الجمود والتطور» للرأي الذي يقول بأن الشعر العربي لم يعرف تطورا في العهدين الإسلامي (صدر الإسلام) والأموي، لأنه ظل على صورة من الشعر الجاهلي إلى أن جاء العصر العباسي الذي اتخذ فيه الشعر منحى آخر مغايرا مع بشار ابن برد وأبي نواس.. وقد وجد هذا الرأي من يعارضه من نقاد ومؤرخي الأدب أمثال شوقي ضيف في كتابه "التطور والتجديد في الشعر الأموي". وذهب الكفراوي إلى أن هذه المعارضة سببها أن من تبنوا الرأي الأول لم يفصّلوا القول... على هذا فهو يذهب مذهب أن الشعر العربي أصابه تغير حقا في العصر الإسلامي والأموي، بل وأصابه عدة تغيرات أثناء العصر الجاهلي أيضا، باعتباره يخضع لعوامل النشوء والارتقاء... لكن تلك التغيرات تعدّ يسيرة جدا وسطحية لا تمس العناصر الأولية، والسمات الأصلية التي اتسم بها الشعر الجاهلي... فعالج الباحث هذا الموضوع معالجة تفصيلية مقسما كتابه هذا إلى ثلاثة أبواب.

تناول الباب الأول تحديد العناصر الأساسية للشعر العربي مع طرح تلك الظروف الاجتماعية التي كونتها. والآثار التي ترتبت عليها في الشعر الجاهلي (الطبع، الصدق، الميل إلى التصوير، الموسيقى، بناء القصيدة وتقسيمها إلى مقدمة وغرض)...

وجاء الباب الثاني مقسما إلى فصول. الأول: بين الأسباب التي حاولت دون تأثير الشعر العربي بالدين الجديد في صدر الإسلام، وأيضا الأسباب التي جعلت شعراء العصر الأموي يتوجهون نحو الشعر الجاهلي... والفصل الثاني يتناول مظاهر تشابه الشعر في العصرين الأموي والجاهلي. إذ يعطي نماذج من الشعر الأموي للتأكيد على جموده في الحدود التي رسمها شعراء الجاهلية. وفي الفصل الثالث يرد على القائلين بتطور الشعر العربي في العصر الأموي، حيث تعرض لما أشاروا إليه من فنون ونماذج وأغراض (النقائض والغزل بنوعيه) التي يبدو عليها سمات التطور، ليؤكد على أنها ليست إلا امتدادا طبيعيا للشعر الجاهلي.

الباب الثالث تناول العصر العباسي، وجاء في أربعة فصول: حيث تناول الفصل الأول بناء القصيدة العربية وما لحقها من تطور. وفي الفصل الثاني، خصصه لأغراض الشعر التي عرفت تطورا يعود بالأساس إلى الحالة الاجتماعية في العصر العباسي، حيث ظهر "الغزل بالمذكر" والخمر والمجون كما عند أبي نواس... وشعر الزهد والتزهد كما عند أبي العتاهية... وشعر الخصومات الذي لم يعد يتمثل في خصام بين القبيلة وجارتها بل خصومات بين العرب والموالي، والخصومات السياسية كتلك التي تمثلها علاقة الفضل بن الربيع بالبرامكة في خلافة الرشيد، وتجلت في شعر أبي العتاهية و"أبان بن عبد الحميد"... إضافة إلى الأغراض الأخرى المعروفة والتي لحقها التطور كالغزل والفخر والهجاء والمدح.. أما الفصل الثالث، فهو عن عناصر الشعر وما أصابها من تطور وجمود وهذه العناصر هي : الطبع ( حيث قسم الباحث الشعراء إلى طائفتين، أهل الطبع وأنصار الصنعة وقدم نماذجها). العنصر الثاني التزام الحقائق، وما لحق الشعر العربي في العهد العباسي من المبالغات مقارنة مع ما كان عليه الشعر في الجاهلية من التزام الحقائق في المدح أو في الهجاء.. ثم العنصر الثالث وهو التصوير، الذي كان في العصر الجاهلي قريبا من الواقع، ولما تفشى الغلو والمبالغة في العصر العباسي ترك ذلك الذوق الجديد أثره في التصوير، فعظم الفارق بين الحقيقة التي يتحدث عنها الشاعر والصورة التي يعرضها...أما العنصر الرابع، فهو الموسيقى. وقد قام الباحث بالموازنة ما بين بعض شعر شعراء العصر العباسي والعصر الجاهلي وبين أهل الطبع والصنعة من الشعراء العباسيين أيضا.

كما يعد الباحث أن استفحال روح الثورة وتشعبها ورفض التقليد هو ما ساهم في هذا التطور..

وفي الفصل الرابع، ذهب الكاتب إلى أن الشعر العربي استرد حريته على يد أبي الطيب المتنبي. كتاب "الشعر العربي بين الجمود والتطور" للدكتور محمد عبد العزيز الكفراوي. 206 صفحة. طبعة ثانية.

البطل التراجيدي في المسرح العالمي



يقوم الكاتب رياض عِصمت في هذا الكتاب «البطل التراجيدي في المسرح العالمي» بدراسة مجموعة من الشوامخ في تاريخ المسرح العالمي، قديمه وحديثه، من خلال البطل التراجيدي باعتباره شخصية وجودية، متمردة، ثورية وكأنها تجابه قوى ميتافيزيقية عابثة أو قوى اجتماعية جائرة. والتراجيدية أو المأساة، في تعريفها هي شكل من أشكال التعبير في الفن، تعكس استفحال التناقضات غير القابلة للحل في زمن معين، التناقضات بين متطلبات الفرد وصبواته والاستحالة العملية لتحقيقها، بما يؤدي إلى انفعالات ومعاناة أليمة قد تفضي إلى موت البطل، رغم ما يبذله من قدرة هائلة على مواجهة مصيره بشجاعة في التصدي للعبث الكوني والاجتماعي، ورفضه الحلول الوسطى ولو كان ذلك على حساب حياته وحياة الأخرين.

 قسم الكاتب الكتاب إلى قسمين، قسم بعنوان «البطل التراجيدي في المسرح الإغريقي والإلزابيثي والكلاسيكي الجديد» يحلل ضمن هذا القسم مجموعة من الأبطال بداية من:
-"سوفوكليس" من خلال مسرحيته "الكترا" حيث أن أبطاله يحملون مسؤوليتهم على ظهورهم في نفس الوقت الذي هم فيه مرغمون على قبول ضغوط القدر، فهم يملكون قدرة على مواجهة مصيرهم بشجاعة، ولكن ليس في قدرتهم الهرب منه. واللعنة هي منشأ الصراع، لكن نقاط العنف تكمن في أعماق الإنسان نفسه.
- ويحلل أبطال كريستوفر مارلو، من خلال مسرحيته "فاوست"، وقد يبين أن المسرح الإليزابيثي عرف خلالها تطورا واضحا، فالقدر الميتافيزيقي لم يعد هو المسؤول(كما عند الإغريق) بل الإنسان. والمأساة ليست نابعة من صراع بين المحتوم وبين الحرية، بل بين نوازع الإنسان الخيرة والشريرة (مجسدة أو غير مجسدة)، أما كل ما هو ميتافيزيقي فهو إما عبارة عن رموز، أو عبارة عن تأثيرات فنية وشعبية من الأنماط السابقة.
- وأبطال شكسبير من خلال مسرحيته "ماكبث"، فيحلل الكاتب هذه المسرحية التي تعد إدانة للفردانية في الحكم، ورفض لأن تكون السلطة تسليطا: فالبطل الذي يعزل نفسه عن مسيرة شعبه، ويوغل في تأكيد ذاته عن طريق القسوة، يتحول إلى ديكتاتور، ويحفر بالتالي قبره بيده.
- وأبطال راسين في المسرح الكلاسيكي من خلال مسرحيته "فيدر"، وقد عمل راسين على تحقيق أقصى مثالية ممكنة بالنسبة لصفاء النمط المسرحي، فخلت مآسيه من أي لمسة كوميدية، متعمدة على الوصول إلى ذروة العاطفة عن طريق الحوار الشعوري الذي يعكس بصدق كبير ودون حذلقة أسلوب الإحساسات الداخلية للشخصيات، وذلك عبر حوارات ثنائية غالبا تصل بالصراع الخارجي والداخلي معا إلى ذرى عالية من القوة والشفافية، لا يضاهيه في ذلك شكسبير في المسرح ودوستويفسكي في الرواية. ولمسرح راسين سمة يختلف بها عن المسرح الإغريقي أن مسرحياته باستثناء "مأساة طيبة" و"برريتانيكس" تنتهي بنهاية غير دامية جدا، على الأقل بالمقارنة مع شكسبير، والقسوة فيها لا تعني الموت بل الحياة، والنهايات تحمل الحل الأخلاقي العقلاني للتأقلم مع الحياة.

 والقسم الثاني من الكتاب، عنونه الكاتب بـ«البطل التراجيدي في المسرح الحديث والمعاصر». وفي هذا القسم يتناول أبطال:
- هنريك أبسن، الذي يعد أب المسرح الحديث. ومسرحه له طابع فلسفي، مسرح صراع أفكار باطنية ونفسية، وصراع الإنسان مع الأقدار العاتية. ومن ناحية بناء الشخصيات، فالصفة الإنسانية تقوم على مدى ارتباط الفكر بالواقع، وفي مدى تعبيره عن أزمة إنسانية ما بصدق. ومسرح أبسن ليس إلا نبوءة بمأساة الإنسان المعاصر، وليس إلا الأساس الحقيقي الذي تفرع عنه بعد سنين عديدة كل من المسرح السياسي الاشتراكي ومسرح اللامعقول.

- وحلل في هذا القسم أبطال لويجي بيرانديللو، الذي يعد من أقطاب الدراما الذين طوروا تاريخ الأدب المسرحي وأثروا في كثير من كتاب المسرح بعده، ويرى بيرانيللو أن الشخصية تصبح حرة على الفور، حتى من مؤلفها، بحيث أنه من الممكن لكل شخص أن يتخيلها في مواقف عديدة أخرى لم يحلم المؤلف نفسه بوضعها فيها. وبهذا يؤكد بيرانديللو أن للحقيقة أوجها متعددة، ولكنه عجز (كما يقول الكاتب) عن تجاوز ضبابية الوضع الكائن نحو كشف رؤيا مبررة للوجود، إنسانية، وصادقة.
- كما حلل الكاتب أبطال لوركا من خلال مسرحية "بيت برناردا آلبا"، وأبطال الألماني برتولد برشت من خلال مسرحية "حياة غاليليو"، وقد تضافرت في أدب برشت المسرحي عناصر الوعي الاجتماعي والسياسي مع نظرية جديدة في فن المسرح. وبريشت كان ينطلق من السلبيات إلى ما يجب أن يكون، وتلك هي سمات البطل التراجيدي المعاصر: فالمأساة لا تتعلق به وحده، بل بالمجتمع كله.
- وأبطال جان آنوى، انطلاقا من مسرحية "أنتيغون"، وهي مسرحية وجودية ذات إسقاطات سياسية. وبيّن الكاتب أن الصراع عند آنوي هو بين السياسة بشكلها الانتهازي المعهود وبين النبل المطلق، وهذا الصراع تكتسب فيه الشخصيات ما يثري الفعل التراجيدي بتفاصيل إنسانية مرهفة وصغيرة.
- أما تحليله لأبطال آرثر ميلر في مسرح الحديث والمعاصر، فكان من خلال مسرحية "موت بائع جوال"، وهي عمل تعبيري أمريكي ينطلق من بنية واقعية بحثة، وعمل يتسم بالبساطة والذكاء والعمق النفسي للأبطال، كما يتسم بالوعي الاجتماعي والسياسي لواقع المجتمع الأمريكي. والمأساة في هذه المسرحية لم تعد شكلا ثابتا مستقر الملامح، كما كانت في الماضي، بل هي مجموعة من السبل (ربما اختلفت أو تناقضت من ناحيتي الدافع والمعالجة) لكن تأثيرها الحاصل في النتيجة يخلق إحساسا قاتما حزينا، بيد أنه لا يخلو من إيمان الهدم والبناء: هو إحساس يتساءل عن مصير الإنسان في صراعه مع قوى عاتية، ربما كانت قوى ما وراء الطبيعة (كما عند الإغريق)، أو قوى لا معقولة، أو قوى عدم الفهم الذي يقف حاجزا بيننا وبين الآخرين (كما في مسرح العبث)، وربما كانت قوى اجتماعية مستغلة أو ظالمة (كما في المسرح الاشتراكي)، أو قوى نفسية أو عقلية مدمرة تنبعث من باطن الإنسان (كما في المسرح النفسي).
- ثم تناول الكاتب مسرح العبث من خلال مسرحية "في انتظار غودو" لصموئيل بيكيت، والتي تعد مسرحية أثارت من النقاش ما لم تثره مسرحية أخرى معاصرة تقريبا. وأكد الكاتب أن مسرح العبث ليس مسرحا جماليا محضا بلا مضمون، وأن كتَّابه لا يكتبون لأنفسهم فقط بل للناس. ورغم غرابته وتهريجه وبؤسه وعربدته فهو مسرح مأساوي روحا رغم رداء الكوميديا الصارخ. والمأساة فيه لا تقل فجيعة عن المأساة اليونانية، فهو مأساوي بسبب الإحساس بفراغ الكون وغياب العدالة والمجد في رحلة تهدد الإنسان فيها أنياب الذئاب الشرسة خلف منعطف المجهول.

 وقد جمع الكاتب رياض عصمت في هذا الكتاب مجموعة متباينة ومتضاربة من الأبطال التراجيديين الذين يتراوحون بين أشباه الآلهة (أوديب مثلا) وأشباه المهرجين. والاهتمام بالبطل التراجيدي هو ما طور بعض من أهم اتجاهات المسرح الحديث في الإخراج والتمثيل، وهذا الكتاب قام فيه الكاتب باختيار نماذج فقط من الكتاب العالميين الذين أعجب بهم، وإن كان لأسباب موضوعية أو اعتبارية، فإنه قد أغفل بعضا ممن برعوا في رسم صورة البطل التراجيدي في المسرح الحديث خاصة، مثل يوجين أونيل، وأنطون تشيخوف، وتينسي، ويليامز، شون أوكيسي، وغيرهم.

قريبا: العدد "العشرون" من مجلة الصقيلة في النقد والإبداع




























عن منشورات “الراصد الوطني للنشر والقراءة” وبدعم من وزارة الثقافة والشباب والرياضة (قطاع الثقافة)، سيصدر قريبا العدد العشرون لمجلة “الصقيلة في النقد والإبداع” (مجلة أدبية، فصلية، محكمة تعنى بالنقد والإبداع)، وسيتضمن العدد مواد إبداعية ونقدية متنوعة، حيث في ركن إبداع سنجد نصوصا قصصية كالتالي:
1- "قميص محمود درويش" للقاص الراحل محمد أنقار.
2- "استعصاءات" للقاص محمد الشايب.
3- "قصص قصيرة جدا" للقاص عبد العزيز كصاب.
4- "التائه" للقاص أيوب قراو.
5- "الزيارة" للقاص عبد الهادي شفيق.
6- "وليام بروز والغرفة والست طلقات" للقاص إلياس الطريبق.
أما في الشعر:
1- "جواز سفر" للشاعر الراحل محمود درويش.
2- "في رثائك أبت" للشاعرة آمنة الجويلل.
3- "البئر الخرساء" للشاعر عبد الجليل جابري.
4- "مفتتح للقصيدة" للشاعر عبد الناصر الجوهري.

وفي ركن نقد وفكر سنجد الدراسات التالية:
1- "تجربة سعد الله ونوس المسرحية من تخوم النقد إلى رحابة نقد النقد سيرورة الإنتاج المعرفي في "المسرح والأمل" للناقد حسن يوسفي" للباحث يوسف أمفزاع.
2- "تجليات السخرية في قصص "أسماء لا تجيد السباحة" للقاص عبد المجيد رفيع" للباحث رشيد أمديون.
3- "شعرية الالتزام في قصائد الشاعر محمد علي الرباوي" للباحث عبد الغني الخلفي.
4- "رنين الحلم في شعر جواد المومني قراءة في ديوان "ريثما يعتريني الحجر"" للشاعر الشريف ايت البشير.
أما بخصوص ملف العدد (خطاب السجن في السرد العربي)، فستكون عناوين الدراسات كالتالي:
1- «خطاب السجن في السرد العربي قراءة في رواية " ليال بلا قمر" لعبد الرحمن خواجا» للباحثة البتول المحجوب.
2 - الهُويّة سِجناً: أزمة الذاتِ وسطوةُ جُغرافيّةِ الآخر السياسي (قراءة في مذكرات "سنوات الرمل" لحماد البدوي) للباحث ياسين معيزو.
3- «من سجن الجسد إلى سجن النفس والمجتمع قراءة في رواية "الحلم لي " لحليمة زين العابدين» للباحثة سناء حربول.
4- «خطابُ الألمِ في الروايةِ السجنيةِ المغربيةِ "كان وأخواتها" و"العريس"» للباحث جواد السراوي.
5- «خصائص كتابة الاعتقال السياسي: "كان وأخواتها" و"الزنزانة رقم 10"» للباحث محمد دهاب.

وفي ركن الترجمة هناك:
1- مقال "القارئ المتعاون" لدومنيك مانغينو، ترجمة: ميلود عرنيبة.
2- قصيدة "آية سفر التكوين" لخوسيه مانويل كاباييرو بونالد، ترجمة: عبد اللطيف شهيد.

وفي ركن مشاتل:
*الشعر:
1- "أنامل الصمت" للتلميذة حياة ترهنا.
*القصة:
1- "تنهيدة ألم" للتلميذة حسناء البينة؟
2- "المجرم" للتلميذ فاضل مساعد.
3- "من القاتل..؟" للتلميذة فاطمة الزهراء أوقسو.
4- "المجهول" للتلميذة ساجدة موطيس.
كما سيضمن العدد حوارا مع الشاعرة والباحثة مليكة العاصمي. وأيضا نجد في ركن مبدعون في الذاكرة، تستحضر "الصقيلة" الروائي والباحث الراحل إبراهيم الحجري، بمشاركة: الحبيب دايم ربي، شكيب عبد الحميد، عبد الله مرجان.

الغرابة المقلقة في "كافكا على الشاطئ"


بقلم: رشيد أمديون

ثمة أمر لا بد للقارئ أن ينطلق منه عندما ينهي قراءة رواية «كافكا على الشاطئ» للروائي الياباني هاروكي موراكامي، وهو أن هذه الرواية التي يقدمها هاروكي نص بمعطى غير جاهز، لهذا لا يكتمل إلا عند القارئ. فالأحداث تسير في سياق غرائبي وخيالي وأسرار ومضمرات ودلالات رمزية... وميثولوجيا وثقافة من الأدب والفن الإنساني، وعالم الأرواح والحلول، والاحلام، والإيروتيكية... لهذا يحتاج القارئ أمام هذا المزج أن يكون طرفا واعيا ومكملا للعمل بصفته المتلقي للرواية. وحيث أن النص محرض على البحث عن أسراره وتفسير عوالمه الغامضة انطلاقا من حوارات الشخصيات وكلامها وما تشير إليه مضمراته، ومن خلال سير الأحداث وعلاقة السابق باللاحق وعلاقات الشخصيات ببعضها. وقد تصدم نهاية الرواية القارئ حيث لا يجد إجابات عن كل الأسئلة التي حملها معه منذ بدأت الأحداث تتعقد أمامه خاصة وأنها لا تستند لمنطق عقلي أو تقع تحت قوانين فيزيائية، وهذا ما تشير إليه الرواية، يقول السارد: «كلما حاول هوشينو أن يفك خيوط المسألة، ازدادت حيرته من الأفضل ألا أحاول أن أعثر على المنطق». فالرواية غارقة في الخيال وأبعاده والفانتاستيك، والرمزية، لكنها مع ذلك تشد القارئ وتضعه في عالم الغرابة المقلقة، وفي حيرة (لتعدد عوالمها) وهو يقاوم أسرارها قصد الوصول إلى منطقة الألفة ليضع للرواية تفسيرا يشفي غليل فضوله المعرفي، لكن هل يصل؟ ذلك يتوقف على خيال القارئ وقدرته على التأويل والربط وخلق التمثلات المناسبة... فهذا ما يعرف بإعادة انتاج النص، ولكل قارئ قراءته الخاصة التي تستند إلى ما جاء في الرواية.
والنزعة الوجودية في الرواية تتبدا لكل من قرأها، حيث أن الأسئلة التي تغلي في مرجلها تتبنى قضايا إنسانية يرمز إليها النص ولا يصرح بها: الإنسان بين السلم والحرب، بين الصدق والكذب بين الحياة والموت بين الوجود والعدم بين الحلم والواقع، الروح والجسد... ثنائيات كثيرة تدعو إلى تأمل هذا المنجز الأدبي الياباني الذي يضع القارئ أمام ذاته وتصوراته وقدرته على تقبل الغرائبي لتشكيل رؤية عن الإنسان في مجاهل الحياة بحياد تام، هذه الحياة التي طرأت عليها تطورات كثيرة أثرت على إنسانية الإنسان.

  رواية «كافكا على الشاطئ» للروائي الياباني هاروكي موراكامي. تقع في 620 صفحة. الطبعة الثانية، اصدار 2010.

Join me on Facebook Follow me on Twitter Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة