[ همسات الروح والخاطر

شرفة القصيدة


من شرفة القصيدة


امرأة تطل على العالم


عيناها تفتحُ مباهج الحياة


تسرح شَعرًا طويلا


كامتداد الخيال..


المشط في يدها


كترنح درويش


في متاهات الشوق


وأنا المسحور بالرؤية


أسمعُ تسبيحا


كخفوت الهمس..
رشيد أمديون

لعنة التذكر والانعزال ونزعة الهروب والتشظي


لعنة التذكر والانعزال 
ونزعة الهروب والتشظي 
في قصص توازيات للقاص المغربي محمد الشايب
بقلم: رشيد أمديون

الإنسانُ، قِيلَ عنهُ خُلق في كبد1. يُكابدُ عناءَ الواقِعِ ويُصارع أمواجَ بحرهِ العالية. الحياةُ وجعٌ حَتميّ، بها فترات متراخية تبرقُ قليلا.. فتختفي.
تَشتدُّ الرغبةُ إلى الحَكي والسَّرد، قصدَ بناءِ قصِّ يُوازي مَضمُونُهُ الواقعَ في كل تجلياتِه واحتلالاتِه وانتصاراتِه، فتَستقلُّ النصوصُ ببنائِها الدرامي؛ وبِخصوصياتِ شُخوصِها؛ ونَمَطِ تفكيرهم؛ وتَضَارُبِ مشاعرهِم.. وتتناسَلُ الأحداثُ باختلافِها؛ وتَتَعَدّدُ الأماكن بكل أسمائِها ودلالاتِها. ولكن، بين كل هذا وذاك يتأسَّسُ المشترك ويتوحد في مفهوم وَرُؤية مُعينة، مُؤطِّرة، تُلخِّص عناءَ الإنسان وغُربتَه داخل فضاءات التيه، وفي دهاليزِ عَوالمِ الإخفاق والسّقوط، والإرغام على الانجرافِ نحو أفقٍ ضبابي غامضَةٌ تفاصيلُه، كـ «شارع يؤدي إلى السحاب»2 .
نعم، أجمعت قصص توازيات على أن تتوحدَ في دائرة مشتركها، وهو معاناة الإنسان وعناؤُه وتغريبته في مدن الشقاء، وتعبه في الركض خلف مصير بين تبدّلات وتحولات مَعَاشية - اجتماعية قاهرة. شخوصٌ اختارها القاص محمد الشايب لقصصه تطابقًا مع الواقع وحركته وتناقضاته، تُطاردُها (لعنة التذكر) واسترجاع الماضي بحمولتِه المُثقلة، وبإخفاقات وانكسارات وتحولات رغم أنها ماضوية إلا أن الحاضر نتيجتها وجزء تولَّد عنها وانسلَّ من رحمها... 
و«الذاكرة لعنة الإنسان المشتهاة ولعبته الخطرة، إذ بمقدار ما تتيح له سفرا دائما نحو الحرية، فإنها تصبح سجنه. وفي هذا السفر الدائم يعيد تشكيل العالم والرغبات والأوهام»3.
شخصياتُ هذه القصص تركت شيئا في الهُناك وجاءت حاضرها لتبحث عنه في الهُنا، كمثل "مرْبيل" في قصة "مطر الوصل" فهي عادت لتبحث عن "أحمد الحوات" في مكانه أو في مكان لقائهما الأول بعد سنوات الإبعاد والبعاد. أو كشخصية قصة "العين في العين" الذي أقسم أن لا يعود.. ثم عاد من حيث انطلق: « مدينة تتحالف ضده وشارع لم يبتسم قط في وجهه» 4، عاد ليسأل: « لماذا يغتال الزمن كل وردة زرعناها في وجه الليل !؟ ». وكأن هذه الشخصيات تتحسس ملامحها المتعبة عبر السَّعي إلى سَفر في الزمن، أي إلى الماضي المُشْعِل لَحَنين مُتلبد، تمامًا، كشخصية عثمان في قصة "كبريت أحمر" حين يقف أمام المرآة، فتفيض عينه بالدمع كأنَّه يُبصر ما فات عبر مرآة متشظية، أو يبصر ذاته الحاضرة وذاته الماضية في نَفس الآن.. إنَّها نصوص تُسافر « في اتجاهات شتى، (فنرى) كيف أن الحكاية بارعة في الكر والفر، كيف أنها تنط هنا وهناك، وتزاوج بين الماضي والحاضر.. »5 
ومما يبدو أن للماضي سلطة وقوة تأثير على مصير حياة هذه الشخوص عن طريق الاستلاب، فهم يعيشون الحاضر بألم الماضي بوجعه وانكساراته، ويجرون «أطنانا من الجراح والذكريات »6. وبهذا الشكل الناجح في الصياغة اعتمد الكاتب على استخدام تقنية الاسترجاع والارتداد والفلاش باك دون الخضوع لسلطة المتابعة والتوالي في الأحداث (فالسابق هنا يجاور اللاحق) ويتمازج حينا، ليكون دور المتلقي/القارئ مهما، وهو ترتيب التفاصيل وتنظيمها، كي يزيد اقترابا من هموم الشخصيات ويتوغل حتى يفهم نفسيتها، ويدرك حجم المعاناة وقوتها، وشكل الأنين المستحوذ على هذه النصوص الضاربة في عمق الألم الإنساني.

* * * * * *

وبين طيات القصة الأولى المعنونة بـ "كبريت أحمر"، نجد الكاتب يورطنا في محاولة فهم شخصية عثمان، ذلك الرجل الأربعيني، رغم بساطته إلا أن غموضه يوحي بأنه شخص شديد التعقيد، وإذ يعتقد أهل حيه أنهم يعرفونه، ولا يعرفونه في الآن نفسه، فهو مجهول الأصل، كتوم لا يبوح بشيء ولا يشتكي من أمر. كما يدرك الجميع أنه يحمل سرا ما بسبب ما يظهر عليه من الانعزال، وهذا بعضُ غموضه. واعتمد الكاتب على سرد الرواة حتى يُقحم القارئ في عملية الربط بين تفاصيل ما يقولون بغية فهم هذه الشخصية الغريبة التي تركت في عمق الرواة أنفسهم كل علامات الاستفهام والتعجب – وبالأخص- لما أقبل على «جمع حقائب أسراره التي لم يفتحها قط ورحل دون إخبار أحد». ومهما يكن، فجميعهم ظلت تأكلهم الدهشة، لأن رغم إحساسهم بما يحمله من هموم لم يؤثر على ابتسامته العريضة التي لا تغرب أبدا عن وجهه أمام أنظار الناس، إلى أن استقال من الحياة فاختار الهروب/ الانتحار محتميا بالموت المجهول من قبح الواقع وجبروته. 
فهل تُفضي الذاكرة بالإنسان إلى الموت؟
ربما، وعلى رأي جُونْ لانْكَستر سْبَّالْدِنْغ: » بإمكان الذاكرة أن تكون جنة لا يستطيع أحد إخراجنا منها، كما أن بإمكانها أيضا أن تكون جحيماً لا نستطيع الهروب منها «.
لكن عثمان هرب منها إلى الموت.
وفي قصة الكتاب، يضعنا القاص أمام تواز بين ما (يقرأُه الرجل السبعيني) - الشخصية المحورية- داخل كتابه، و(حياته الخاصة). ولا يتركنا ننزاح بالتأويل بعيدا، إذ يُعتبر الكتاب جزءًا من حياة هذا الشخص باعتباره هدية له من زوجته قبل وفاتها وكما أنه أثرٌ من ماضيها وسر من أسرار المؤانسة التي ورَّتَتها له بعد رحيلها. هذا التوازي يربط فهمنا بخيط واصل مع تلك العلاقة ما بين الكتاب المقروء (داخل القصة) و(حياة هذه الشخصية) التي تشعر بالانهزام، فتمتد مساحة التأويل وتتسع بعد ذلك ...
كما نستنبط من القصة إشارتين: 
- العلاقة ما بين الرجل والمرأة، والأهمية التي تحتلها المرأة في حياة الرجل، إذ أن حياته - أبدا- لا تكتمل من دونها (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)7
- الحياة بما تحمل من أسرار وتعب..، على الإنسان أن يعيشها بروح بطولية، مهما تسرب إليها الفشل وتربَّص بها الانهزام، عليه أن يؤثث عالما قادرا على منحه قوة المواصلة، وذلك بأن يشعر بمن حوله من محبين يحَسِّسونه بكينونته دون اللجوء إلى الهروب من الواقع لأن الهروب يُفضي إلى الانعزال أو إلى الموت، والحياة أحق أن تُعاش بالمواجهة، وكيف ما كانت مرارتها فهي بطولة، أو كما عبّر عنها عبد الرحمن منيف: «الحياة.. مجرد الحياة يا صاحبي بطولة»!8.
ويشغل الحنين إلى المرأة حيزا لا بأس به داخل المجموعة بدءا من قصة "الكتاب" إلى أن ننتقل إلى قصتي: "سحنة الخريف" و"سحابة هاربة". هذا الحنين الذي تطور في النصين إلى شكل من أشكال الهروب من حاضر يفرض أثرا من الماضي - حتى إن تمثل هذا الأثر في أشخاص عادوا للقاء صدفة بعد بعاد طويل امتد به الزمن- مهما كان، فهذا الأثر (الماضوي) هو مجرد ذكرى كسحابة هاربة يُحنُّ إليها، لكن لا يُرجى توقفها كي لا تعيد نفس تجربة الإمطار في حاضر «لا يساوي غير الرماد »9. وشخصيات القصتين يُغالبها هاجس الهروب أو الاستسلام لواقع فرض نفسه بعد تجارب حب ماضية لم تكتمل أمام قوة أمواج الحياة المجابهة، وعراقيل اجتماعية، وأعراف وتقاليد.. فكان الهروب وسيلة للابتعاد مخافة المواجهة التي حتما تحتاج شجاعة الإجابة والتبرير والإقناع.. كما وقع – تحديدا- في قصة سحنة الخريف. 
ولعل الهروب يتضح أثره – أيضا، وبشكل آخر- في قصة اعويشة التي هربت من قبح واقعها إلى شعاع الحلم البعيد، هناك خلف البحر في الضفة الأخرى.. هذا الانتقال حدد مسارا آخر لحياتها التعيسة.. وعادت بعده بشكل مختلف، وبشخصية غير التي ذهبت بها، لتبهر تلك الألسن التي نالت منها بالقيل والقال.. وتتحدى بيئة تميل إلى التملق والنفاق. 
وقطعا، إن كانت اعويشة لاذت بالفرار من ظلم الواقع إلى البحث عن النعيم في ما وراء البحر الأبيض فإن شخصية قصة "العودة" فر من هذا الظلم أيضا، هاربا من ظروف اقتصادية خانقة، ومن حال يُرثى له، مبتغيا حالا أفضل وأقل تعاسة وبؤسا. بيد أنه ليس كـ "اعويشة" التي لم تترك وعدها لأحد بالرجوع. أما هو، فقد ترك خلفه وعدا بالعودة إلى التي قالت له بعد أن أَزْمَعَ على الهجرة: « لماذا قصفتني بهذه القنبلة؟ وكيف أواجه غدي وقد وأدت آخر أحلامي؟».
العودة تجديد، ولعلها مفتاح حياة جديدة لا تشبه التي قبلها، لكن هذا التجديد أو هذا الطور من الحياة يُشكل مصدر قلق وانزعاج للبنت التي أحبته وتناغمت أحاسيسهما معا، فالزمن كلما تراخى إلا وجرف معه تغيرات شتى على مستوى التفكير وعلى مستوى الوجدان.. ومجريات الحياة المعاندة (تجري الرياح بما لا تشتهي السفن). ومع هذا فقد بقيت تتحسس ملامح الأمل: 
»أتمنى أن يبقى في صباغته فالجسد جف والحنايا عطشت».
بعد سنوات عنائها وشقائها وصهد الانتظار: « لم تغلق نوافذ الانتظار، تركتها مشرعة في وجه كل الأيام... »10 ثم علمت بعودته فسارعت أمواجَ الشوق، التي تكسرت في لحظة خاطفة على صخور صلدة.. هكذا، تتحطم كل تصوراتها حين تلقي النظر فيرتد إليها بمشهد غير متوقع، فترى من انتظرته بأمل محتضر يعود ومعه شقراء في سن أمه.
هنا تحديدا يتورط القارئ بين الشخصيتين: هل يتعاطف مع فتاة ضيعت زمنا من عمرها في الانتظار؟ أم يلتمس العذر لشاب أقدم على قبول فرصة زواج لا شيء فيه غير مصلحة الحصول على وثائقه القانونية داخل بلاد الغربة (الأوراق)؟
أم نعلق الأمر على الظروف الإقتصادية والاجتماعية والواقع.. فلو وفرت فرص الشغل للشباب ما أقدم على الهجرة.
وإن قرأنا في قصتي "اعويشة" و"العودة" ما يدل على اعتبار الهجرة إلى أوروبا هي الخلاص من قبضة الظروف العقيمة، فتصورنا أن هذه الهجرة هروب من واقع قبيح إلى واقع يلبي آمال الشباب، فإننا في قصص "العين في العين" "ولكنها لم تعرف شيئا" "لعنة التذكر" سنتوقف أمام هموم الهجرة والرحيل والغربة ومعاناتها.. وحريق الوداع وزفرات التذكر: « وفتحت الذكريات حقيبتها، وخرجت الوجوه تتشظى داخل قطار الغربة، وتتعثر في وحل الأيام... »11

* * * * * *

إننا أمام مجموعة تصفع بالدهشة بما تلمه نصُوصُها من أدوات تقنية وبناء متكامل وإيقاع جمالي رائع تؤثثه اللغة التي تختزل تارة ذاتها وتجود أخرى بمَدَدِها الشعري ونَفسِها الذي يُحيل –حينا- على التأويل عن طريق الإشارة التي تختزل المعنى في ذهن المتلقي، إذ النص «معطى غير تام معطى ينقصه الكثير لتضمنه بياضات، ولاحتوائه على مناطق غير محددة تنتظر القارئ المناسب لملئها وتوجيهها وجهة تأويلية»12 وبهذا واستنادا لنظرية القراءة كما يذهب إلى ذلك أمثال فولفغانغ إيزر: «أن النصوص الأدبية تحتوي دائما على فراغات لا يملؤها إلا القارئ» فإن المعنى هنا كثيرا ما يسير في نسق مُضمر، لتُظهر القراءة المتجددة والمستمرة أبعاده الرؤيوية التي تقوم على التنبيه إلى قيمة الإنسان ككائن وجودي يحتاج أن يستعيد كرامته وثقته بزمنه ومكانه وببلده وتاريخه، دون أن يلجأ إلى الاحتماء بوهم الهروب، أو إلى عزلة نفسية تصيّره غريبا داخل حدود وطنه، وتبعده عن استعادة عزة فُقِدت في دوامة الزمن الطاحن. ومما يدل على هذا في النصوص: الأندلس/ الفاتح/ طارق.. أسماء ومسميات تشير وتضمر عمقا تاريخيا تفتت الارتباط به وحلَّ محله الهجرة والهروب والغربة والألم من تعاسة الحال وبؤسه.
هكذا، وتظل القراءة عتبة التأويل...


صدرت توازيات للقاص محمد الشايب عن مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب سنة 2005. في اثنين وسبعين صفحة من الحجم المتوسط ، تحتوي على العناوين الآتية : كبريت أحمر، الكتاب ، سحنة الخريف ، سحابة هاربة ، اعويشة ، العين في العين ، مطر الوصل ، ولكنها لم تعرف شيئا ، العودة ، لعنة التذكر.

نشرت هذه الورقة في كتاب (تلاوين 2)، الذي أصدرته جمعية التواصل للثقافة والإبداع في المهرجان العربي للقصة القصيرة دورة القاص محمد الشايب.


الهوامش
----------------------------------------------------------------------------------

1 لقد خلقنا الإنسان في كبد ) الآية 4 من سورة البلد
2 توازيات - ص:43
3 عبد الرحمن منيف
4 توازيات - ص:44
5 السابق - ص 37
6 السابق - ص: 47
7 الآية 21 من سورة الروم
8 رواية الأشجار واغتيال مرزوق
9 توازيات - ص: 26
10 السابق - ص: 65
11 قصة "ولكنها لم تعرف شيئا" ص: 53
12    محمد ملياني - المنهج الأدبي.. مقالة: منهج جمالية تلقي النص الأدبي الواقع والمأمول

المشاعر وإنسانية الإنسان في مجموعة قصص تراتيل الغسق لصفاء اللوكي

                                                                                  
«لا يستطيع صوت الحياة الذي فيَّ أن يصل إلى أذن الحياة           
 التي فيك ولكن فلنتكلم على كل حال لئلا نشعر بوحشة الإنفراد» (1)


رشيد أمديون

    مجموعة تراتيل الغسق تستدرجُ -بما تحوطه من نصوصها القصيرة- ما هو اجتماعي -واقعي- لينصهر في ما هو ذاتي، داخل بوتقته العميقة. تستدرج حركة العالم والحياة والطبيعة لتندمج مع العاطفة/المشاعر، ولتتراكب في صياغة صورة، صعبةٌ جزئياتُها أن ينفصل بعضُها عن بعض. إنَّ نصوصها تشتغل على إبداع عوالمَ يُلبي فيها الإنسان نداء العاطفة الإنسانية، نداؤها القريب في مواجهة اللاإنسانية. ترسم (النصوص) معالمَ يُخشى انقشاعُها، بآلية الحرف، وتَمْتَحُ عنصرَ وجودها من السرد، سرد التفاصيل الدقيقة والكلية معا بشيء من التكثيف، مع كشف ما بالعمق بدفعه إلى أعلى كي يتجلى بِلُغة بسيطة بساطة المشاعر التي ساقتها الكاتبة في نصوصها. مشاعرٌ لا تحتاج تكلفًا ولا تصنعًا، فالتصنع يقتلها ويذرها شيئا مزيفا لا روح فيه. 
    روحُ الإنسان وفطرتُه يغدوان هُما الرّهان على استمرار الحياة، هما الرهان على تجديد البشر إنسانيتهم وتكليلها بتاج المشاعر المتصلة بحبل السماء، فبديهيا، أن السماوي أرفع من الأرضي، والمشاعر النبيلة وإن كانت تنبع من الباطن فهي -مجازا- بناتُ الرّوح الطاهرة الآتية مع هبة السماء. 
« سماء رمادية، أحبّتها زرقاء صافية، لكنّ لونها الرماديّ يُوحي بشيء غريب! يذهب بك لشيء مجهول يُشْعرُكَ أنّك متّصل به كالحنين، لَهِيَ أرواحنا بين الأبيض والأسود ربّما!»(2) 
بغير مشاعر الحب، العطف، والرحمة.. يكون العالمُ أشبهَ برقعة من الدمار، نار مؤصدة، آلة حاصدة للروح والإحساس والمعاني السامقة. وربما « الزمن يجعلنا نستوعب » أن روح الإنسان وفطرته ومشاعره التي فُطِرَ عليها « أينما وجدت يوجدُ » المعنى الحقيقي للإنسان. وبتعبير نزار:

« لماذا أظلُّ هنا؟ حين كلُّ الوسائد ضدِّي..
وكلُّ المقاعد ضدّي..
وكلُّ المرايا.. وكلُّ الزوايا.. وكلُّ الستائرْ..
لماذا أظلُّ هنا بعد موت جميع المشاعرْ؟ ».

    الإنسان بمشاعره النبيلة « كالطّفل الصّغير عليه أن يُصدّق كلّ شيء يأتي (منها) »(3) عليه أن يكون أكثر أمْنًا ليكون أكثر حبا وسماحة، عليه أن يشعر بالاهتمام ليكون أكثر عطاء، وحضارة وارتقاء في سلم الإنسانية.
وفي أغلب النصوص التي بين أيدينا تراتيل سلام تترجم رؤى وأحلامَ البسطاء وأمانيّهم، تُهَدهِدُ اللغة برفق كي تُبْرِز ملامحَ المشاعر الدَّافقة وهي تنشد حبا، حنينا، شوقا، وقلقا، بل وانكسارًا، فانهزاما في زمن الخديعة والخيانة والعنف، بل في زمن أهوج جرَّدَ الإنسانَ من قيمه حين عانق زمن المادة عناقا شديدًا، وعبدَ السلطة وتوسَّل بالتصنع، فضاع المبدأ. 
    أما على مستوى العنوان الذي يُرخي ظلاله الوارفة على نصوص المجموعة، فالكاتبة لم تسمِّ المجموعة كما جرت عادة أغلب القاصّين باسم عنوان إحدى نصوصها، وإنما جاء الاسم مستقلا قائما بذاته وبدلالته الشاعرية ذات صورة ايحائية سيميائية. لكنه يبقى عتبة باب مغلق يحتاج طرقنا له كي ينفتح، مادام هو عتبة النصوص، بل إنه نص قابل للقراءة أيضا متعدد الاحتمالات. إن "تراتيل الغسق" ترسل خيطا رفيعا يمسك بمشترك بين النصوص وينفتح على النفسي المحسوس أكثر مما ينفتح على الواقعي الملموس، لهذا العنوان مدى يمنح سفراً صوفيا عبره، كأن له ظاهر وباطن... زمن الغسق هو تحوّل مألوف في ملامح الطبيعة، (كتحوّل مشاعر الإنسان أيضا) وانتقال من نور النهار إلى ظلام الليل، إنه كبرزخ لا يدوم زمنه طويلا، فتتسارع تراتيل الشوق والحنين والحب، والحزن الإنساني، لتعلن عَبْرَهُ بداية استدراجها من الليل كي يبثها للساهرين والحالمين والعاشقين، ينشدونها في صمت وسكون بين عوالمهم الخاصة. « يورق قلبها مع كل شفق، ويعود لإزرقاقه مع كل غسق »(4)
وبما أن التراتيل شكل من أشكال الأصوات التي تحبها القلوب، كذلك المشاعر فلها محبة خاصة، هي الخيط اللَّامرئي الواصل بين الإنسان وأخيه الإنسان، رغم أن ظلام الليل (الواقع /الاكراهات/جمود العاطفة) يشكل مانعا لها من البلوغ إلى قصدها، وتلألئها، وهذا ما حدث في كل من الأقصوصات: (روتين، خيبة أمل، حلم ضبابي، قوت القلوب) التي كانت شخصياتها تحتاج دهشةَ مشاعر الآخر. 

* * * * * * * *

    وتبرز في المجموعة معاناة الإنسان العربي في كل من النصوص: "مسألة مبدأ"، و"امتحان"، وفي "نشرة إخبارية"، وهي أقصوصة كأنها جاءت وسط ما يحدث في العالم من متغيرات يأسف عليها الضمير كي تبث خبرا -لا يحتاج التأجيل- بوثيرة سريعة على لسان أحد شخصيات القصة، وبهذا الخبر تشكلت القفلة المفاجئة: « لقد انتهت مُدّة صلاحيتنا نحن العرب».
    أما في نص "خلود ومآرب أخرى" فكان الاشتغال على تناول موضوع الحرية والاختيار الفردي. شخصية القصة شاب فلسطيني -يُجسّد معاناة أقرانه- لافتقاده معاني الحرية والاختيار، فهو على أرضه المستعمرة مكبل بقيود الاحتلال وحوائل مانعة دون الاختيار. نقرأ هذه القرينة:
« لم يكن يحق لي دراسة الطيران رغم رغبتي بذلك، حيث لا يمكن لأهل فلسطين دراسة مثل هذه الأمور المتعلقة بالإرهاب على حد قول المحتل ». وبهذا أصبحت قراراته ومصيره يُساقان إلى المجهول... 

ومن جهة ثانية مقيد بعادات وتقاليد الأسر، التي حالت بينه وبين الفتاة التي اختارها للزواج، بل إنه لا يستطيع أن يطبق قراراته ولا أن ينال اختياراته الفردية. الآخرون هم من يحددون فقط ويقررون. إن امتلاك القدرة على الاختيار تجابهها الموانع الحساسة، وتجعلها موقوفة التنفيذ. « هذه القدرة على الاختيار الفعلي هي التي تمنح الإنسان كرامته التي اعتدنا التحدث عنها.(...) وما الإنسان كائن أخلاقي إلا بفضل امتلاكه القدرة على الاختيار. وعندما نعرف الحرية كأمر يتعلق بالاختيار فإنها تصبح فكرة أساسية لا في الحياة الشخصية فحسب، ولكن في الشؤون العامة أيضا، وفي ثقافة الإنسان الأرقى وفي تقريره، وفي مصيره »(5). ومن دون الحرية والقدرة على الاختيار فلا معنى للحياة، إلا إذا كانت رغبة الإنسان أشد قوة وإصرارا وتشبثا بالأرض والحرية، والعاطفة. وذلك دافع الإنسان إلى بقائه حيا... بداية البدايات ونهاية النهايات، وذلك هو الغاية. ترى أيّ معنى يبقى من الإنسان لو سُلبت منه تلك الأشياء؟.

    وإن كانت معاناة شخصية قصة "خلود ومآرب أخرى" هي الحرية وفعل الاختيار، فإن قصة "وظيفة" تأتي كاشفة عن معاناة أخرى تخص الشاب العربي الحاصل على الشهادة الجامعية؛ عزلته القاتلة رغم كفاحه داخل المجتمع من أجل لقمة عيش، وظلم الواقع، حين يكتشف أن الوظائف تُمنح لموظفين بدل المعطلين، (تكرار المأساة) كل هذا يشد خناقه، فيضيع من أفقه المعنى، ويجعل منه نسخة لإنسان ضيَّعوا إنسانيته، عنوانا للحياة، ولا حياة، « فهو يقف وسط الأحياء كشاهد مقبرة يدل على مكان المأساة»(6) معزول يحترق بمشاعر الانهزامية والإحباط أمام إكراهات الواقع، وسلطة أصحاب القرار.

* * * * * * * *

    ولم تنس الكاتبة داخل المجموعة أن تشير إلى نقيض المشاعر النبيلة واللاإنسانية. (فبضدها تتضح الأشياء كما يقولون)، والقلوب الصادقة يحتال عليها -دائما- من يخونها، ويستغل صدقها لتحقيق رغباته الشيطانية، لهذا يكون التسلح بالحذر واجبا كي ينجو الإنسان من شر السيئين، وعبثهم اللئيم بمشاعره. لهذا جاءت حكمة الجدّة في قصة "ثمة نور يتسلل" لتبث ومضة حذر ولو على سبيل الاستئناس. ولكن ما فائدة حكمة العجائز إن تناولناها مبكرًا (الصغر)، ولم نعمل بها مآلا (الشباب).

من الإيجابي أن تؤثر المشاعر الإنسانية على حياة الإنسان، تأثيرا يفضي إلى تطور فيه شيء من التمرد على نمط سابق تنازعته تجربة فاشلة، لكن فشل الإنسان في ساحتها لم يكن ذريعة لإثبات القول أن الحياة عند ذلك الأمر أوقفت دورتها، فقد تلبس زهوا وجمالا مستجدا، وقد يتسلل نور جديد يبغي (ربا) جديدا، وقلبا متجددا مفعما بالصدق. فهل سيحظى باستقبال جديد بعد تجربة سوَّدت حياة هذا الإنسان؟ هذا ما تعالجه قصة "ثمة نور يتسلل"، التي تناولت الكاتبة عبرها إحساس أنثى تستنهض حالها لتنفصل عن تجربة كانت داخلها ضحية شخص ناولها حبا مزيفا، فعاشت لحظة انكسار وحزن، ثم تمردت على حياتها السابقة بتبديل كل تفاصيلها بأخرى أكثر إشراقا، لا يتعكر صفوها بدَخَن الماضي القريب. غير أنها تكتشف بعد ذلك أن قلبها لا انفصال له عن نبضاته نحو من يطرق بابه، فالإنسان مشاعرٌ متجددة ذات استمرار كنهر جار، تستقر فيه الرواسب والأحجار ولا يحملها معه حين يصفو. وبالمشاعر يعيشُ ويحيا المعنى، حتى لو زعم أن التجربة الفاشلة قد تقتل فيه إحساس الإنسان، ولن يلتفت بعدها لطارق جديد. وما يلبث أن يكون ذلك الكلام إلا عارضا. فالقلب هبة الله، إنْ لم يحب، يموت.
    وفي قصة "ليست رواية"، (والتي جاء أسلوب سردها شبيها بتقرير صحفي). تصور لنا الكاتبة جانبا آخر من الجوانب الإنسانية، حين تتحول مشاعر القاتل المأجور فيقع في حب الفتاة التي همَّ بقتلها بعد محاولته التقرب منها (في إطار مخططه)، وبهذا استطاع الحب أن يؤثر عليه، ويغير مسار تخطيطه، في الوقت الذي غلب الحقد والطمع على أصدقاء الضحية، فاستأجروا القاتل لتنفيذ الجريمة ولم يخطر على بالهم أن الإنسان يحتاج الحبَّ كما يحتاج الخبز. والمحبة تَغيِير، أو كما عبر عنها جبران خليل جبران « المحبة والموت وحدهما يغيران كل شيء»(7)
    أما قصة سيد الغياب فهي تراوغ القارئ، حين جعلت الكاتبةُ الأفضلية للغياب لا للحضور، رغم أن الإنسان يُفضل حضور البعيد الغائب على بقائه رهين الغياب. ولعل هذه الأفضلية تتجلى في أن الحضور بما له علاقة وطيدة بالقرب يُولِّد الألفة والاعتياد، فتنتفي الدهشة. (والدهشة عنصر المعنى في القصة)، وبالغياب يحصل الاشتياق، يحصل الانتظار، تتنازع المشاعر الإنسانية لتجعل من رؤية ولقاء البعيد الغائب منتهى الآمال، وبهذا يصير له سلطة مطلقة على الوجدان/تأثير، كما جاء في القصة، « سأسرع في ترتيب كل شيء... »، إذ الغائب -هنا- سيد الغياب، وحضوره الحيني إشراق وتوهج، شرط أن يعود إلى غيابه كالشمس بين الغيوم في أيام ماطرة تظهر هنيهة ثم تختفي. وتلك ميزة سيد الغياب. 
وأيضا، هذا ما تناولته الكاتبة في أقصوصة "وهم" التي كانت شخصيتها تنتظر غائبها الذي تأمل أن يزورها ليُفجِّرا مشاعرهما معا داخل التفاصيل الدقيقة التي يخلقانها عبر مداهما الحالم، هي تصرح حالا لا مقالا: «أريد لحظة انفعال.. لحظة حب.. لحظة دهشة.. لحظة معرفة.. لحظة تجعل لحياتى معنى»(8). ولعل تلك عادتها: «وهي تنتظر كالعادة خلف الجدران والنوافذ»، تمارس فعل الانتظار الرتيب داخل عالمها المحدود، تجهز كل شيء يليق بالزائر، وتصنع حلمها الأزرق الذي استحال وهْما بعد استجابتها بلهفة إلى طرقات الريح على الباب. وعلى رأي الكاتب الروسي أنطوان تشيكوف: «عندما لا تكون لنا حياة حقيقية فإننا نستبدلها بالسراب». وعليه فما كانت الطبيعة لتتدخل في سياق الحدث إلا لتوقظها من وهمها الممتد، إذ لا أحد سيأتي كي يكلل مشاعرها بالتيجان، والعواصف لمّا تهدأ بعد. هكذا لنرى كيف أن الغائب (هنا) آسِرٌ لحسها ووجدانها، حتى إن كان شكلا من أشكال الوهم الذي تمرّد على الخيال وشرد بعيدًا ليبهج الذات على أمل نقطة تحول على شفا -جرف هار- من الحقيقة.
     وتوظيف الوهم والحلم داخل إطار السرد في المجموعة جاء في نص آخر وهو قصة "لقاء"، حيث تحول اللقاء إلى حلم يتنازع مع سلطة الاغتراب في وطن أجنبي، وكأن فعل اللقاء صار مستحيلا، أو ربما أنَّ «كل ما نراه أو يبدو لنا ليس سوى حلم داخل حلم»(9). وبهذا تتكرر عبارة الحلم. نقرأ: « هل هو فعلا متأكد من ذلك أم أنه مجرد حلم ». ونقرأ أيضا داخل نفس النص: « وكان اللقاء أشبه بالحلم ». لكن حتى لا نتسرع، لنترك باب التأويل مفتوحا ببيت شعري، على أمل هزيل:
ربما تجمعنا أقدارنا ذات * يوم بعدما عز اللقاء(10)

* * * * * * * *

    أغلبنا يكتب عن المشاعر بل ونكتب بالمشاعر. نترجم الأحاسيس إلى حروف. ننمقها ونضفي عليها رونقا كي تجد قبولا عند القارئ، لا يهمنا إلا إعجاب القارئ، فهل يا ترى كل ما يُقرأ له أثر في الواقع؟ 
«كل فكرة لا تؤدي إلى فعل فهي ليست فكرة على الإطلاق » وكل إحساس لا تنتج عنه ألفة وتآلف وتسامح فهو مزيف، لا يقبل الوجود كثيرا. هنا يمكننا القول، هل الإنسان ترجم مشاعره النبيلة إلى فعل على الواقع كما يترجمها إلى حروف وكلمات على الورق؟ 
    إن نصوص الكتاب تحفر في عمق، وتطرح تساؤلات وجودية وإن كانت تبدو بسيطة التركيب، هي تنحت -أيضا- علامات إشاراتها لترد للعاطفة الإنسانية المنجرفة نحو المادة هيبتها وقوتها، لتردها من استلابها وتعيد شأن القيم النبيلة التي تلاشت أو يمكن أن تكون تلاشت في خضم هذا الهرج الذي عم العالم اليوم وأمس، وسيعمه غدا إن لم نُعِد إنسانية الإنسان إلى عمقنا، ونُقَدِّر أن الحياة ليست فقط مقابل الموت، بل إنها مشاعر إنسانية تجاه الآخرين، لا يحق خيانتها والاستهتار بها.

    الكاتبة صفاء اللوكي، بإصدارها هذا الذي يعتبر باكورة أعمالها، ضربت على وتر حساس فانبعثت تراتيل المشاعر من القلوب لتَصْدُقَ هذه النصوص الملأى بأفكار تنبه العقل والوجدان، إلى أننا ما نزداد إلا افتقادا لمشاعرنا رغم كل ثرثرتنا التي أثارت الضجيج حول الحب والحرية، والرحمة، والحنين. إنها (أي الكاتبة) بين نصوص المجموعة ترتّل تراتيل الغسق (المشاعر)، وتدعو إنسانية الإنسان إلى هذا السبيل.



أنا أستمتع بالصّمت


أنا أستمتع بالصّمت،

كثيرًا..

كأنـَّــه منكِ

والكلام من عالمٍ آخر

غريب !!

كغربتي بين إلتفاتاتك إلَي..

رشيد أمديون

التدوين النسائي بالمغرب من الإلكتروني إلى الورقي أنطولوجيا نسائية نموذجا

نشر بجريدة المنعطف في ملحقها الثقافي العدد 5131 - الخميس 8 أكتوبر 2015

    لا يمكننا الحديثُ عن التدوين النسائي بالمغرب قبل أن نتحدث أولا عن التدوين الإلكتروني كفعل مشترك يقترفه المدوِّنُ والمُدوِّنةُ معا، باعتباره ممارسة كتابية كانت في السابق غريبة نسبيا في الأوساط العامة، معروفة فقط في أوساط مُحددة إذ في الغالب العام - وقتها- كان مصطلح التدوين أو مُدوِّن، يشكل أمام عيون الناس سحابة استغراب، خاصة من لم يكن لهم دراية كافية بماهية الكتابة الإلكترونية. لهذا كنا نجد من تأخذه الدهشة حين تُطرح أمامه صفة (مُدون)، أو كلمة مُدوَّنة إلكترونية. وهذا طبعا - في اعتقادي- كان راجعا إلى هامشية الفعل على اعتباره ممارسة شخصية لم تتسع لتتطور وترتقي إلى قائمة الاهتمامات الأساسية لكل حاملٍ للقلم، أو ربما لكون التدوين حينها كان مجرد خربشات على جانب حياة كل شخص، يسوق أفكارا لعلها لم تبرح حيز الافتراضي، فحتى القارئ الإلكتروني لم يكن بدوره إلا مُدوِّنا، لهذا ظل هذا المجال مُنغلقا بشكل غريب... ونضيف إلى هذا أيضا أن غالبية المغاربة في فترات سابقة كانت علاقتهم بالانترنت علاقة اكتشاف مهد الطريق أمامهم مباشرة إلى ما يسمى (الشاث) أو الدردشة، ثم إلى المنتديات..، وظل الأمر يتطور ويتجدد بجهود مبذولة من جهة المُدونين (وأخص بالذكر الذين يكتبون بالعربية) كي يفرضوا أنفسهم داخل هذا العالم الافتراضي الواسع، ويساهموا في إغناء المحتوى العربي على الانترنت. إلى أن تصالح التدوين -قليلا- مع الوسيلة الاعلامية وخاصة في فترات ما أصطلح عليه بالثورات العربية، أو قبلها بزمن ليس طويلا، حين استشعر العالم العربي (بالأخص)، أن للمدوِّن دوره في هذه الدائرة الإعلامية والثقافية أيضا، ولم تعد تلك النظرة التقليدية الجافة مقبولة أن كل نشاط إلكتروني ليس إلا تسليةً أو تمضية للوقت. وبهذا استطاع التدوين المغربي بعد ذلك أن يكون له جسدٌ قائم بذاته، ربما لم يكن متماسكا بالقدر الذي كنا نعتقد، لكنه على الأقل حقق أمورا لم تكن متوقعة في بداية تقوقع كل مُدون داخل دائرته الافتراضية، قبل أن يَحملهُم قلق التدوين إلى الحديث عن ماهيته، وأشكاله، وخصوصياته على أرضية الواقع مما حفزهم ذلك على تنظيم لقاءات، وندوات، وورشات.. وطبعا هنا يعود الفضل إلى كل المدونين القدماء الذين ناضلوا من أجل ترسيخ مفهوم التدوين الالكتروني، وتطويره سواء تقنيا، أو حتى فكريا.. كما كان حرصهم دائما على أن يبقى التدوين الالكتروني حرا، بما أنه مساحة شخصية للتعبير عن آراء وأفكار ورؤى الإنسان بعيدا عن التقييد أو ممارسة سلطة الوصاية على الآراء والأفكار، أو تحديد مساحة الكلام وعدد الحروف المسموح بها. ومن الأكيد أنه ليس ثمة وسيلة تتجرد من القيود والوصاية مثله، بهذا فهو منبر من لا منبر له.
    ثم بعد ذلك بدأت في الأوساط التدوينية تطفو فكرة جديدة استطاعت أن تقلب المعادلة التي كان غالبية المدونين يعتقدون بها، أو على الأقل في تقديري لم يكونوا يفكرون في أن التدوين سينتقل من طور إلى آخر. فالكتابة كانت تتم من الواقع إلى الرقمي باحثة عن فسحة أكبر، خاصة وأن مستعملي (النت) كانوا في تزايد دائم، لكن فكرة جمع التدوينات في كتاب ورقي غيَّرت اتجاه المؤشِّر، فصارت الكتابة بعد الرقمي تنتقل إلى الورقي في تدرُّج تام. هذه الفكرة استهوت شريحة من المدونين خاصة من كانت لهم تدوِينات أو مقالات أدبية تستحق أن تزيِّن بياض الأوراق. وفي هذه المرحلة كان العمل يأخذ شكلا فرديا، وفعل النشر التدويني نادر. إلى أن بدأت تظهر مبادرات جماعية على الصعيد العربي فتحت باب المشاركة في الكتب الجماعية بالمجان، وقد ساهمت في المزيد من ترسيخ فكرة النشر الورقي لدى المدوِّنات والمدونين العرب، بل زادتهم تشجيعا، ولقيت المبادراتُ إقبالا كبيرا، وبهذه الطريقة دخل المدونون والمدوٍّناتُ الذين لم يُحالفهم حظ النشر غمار التجربة الورقية أو النشر الورقي، فكانت الكتب تضم مئة مدوِّن ومُدوِّنة تجمعهم لغة مشتركة وهي العربية.
    رغم أن هذه الخطوة سبقنا إليها نشطاء التدوين المصري، وقطعوا بها أشواطا كبيرة لسهولة الطبع والنشر والتوزيع. فإنني أزعم أن الفكرة لم تر الوجود الفعلي في المغرب إلا بعد استقرارها في مصر، ونجاحها أيضا، وأخص بالذكر هنا فكرة النشر الفردي.
وبين هذه الرحلة الطويلة كانت كل المبادرات متنوعة تضم الجنسين معا، بل حتى التدوين كان مجالا متنوعا ما بين الجنسين لم يستقل أحد عن الآخر، حتى ظهرت مبادرة خاصة وأزعم هنا أيضا، أنها مبادرة أولى من نوعها في التجربة التدوينية العربية، وهي أنطولوجيا نسائية، التي استطاعت أن تستقل بخصوصيتها عن الجسد التدويني المغربي، كي يخرج إلى الوجود الثقافي كتاب تميز بالانفراد لكونه يحمل بين دفتيه تدويناتٍ ونصوصٍ أدبية لمجموعة من النساء المغربيات داخل المغرب وخارجه تختلف ميولاتهن، متنوع في مضامينه يحمل أملا بين أوراقه، لأن هذه التجربة أكدت لنا بما لا يدع للشك مكانا، أن التدوين النسائي شهد تطورا ملحوظا، وأنه قادرٌ على الاستقلالية بما استفاده من التجارب السابقة. كما أن هذا العمل وإن كان متأخرا شيئا ما فإنه جاء في وقته المناسب بعدما رأينا فتورا في الفعل التدويني، وكسلا غريبا قد نُرجعُ أسبابه إلى احتمالات كثيرة منها: 

احتمال عام: 

المتغيرات السياسية في العالم العربي والمغربي بالخصوص، والتحولات التي شاهدناها في السنوات الأخيرة، جعلت غالبية المدونين وبالأخص الذين يعلِّقونَ على الأحداث ويطرحون آراءهم تصيبهم خيبةُ أمل، ولَّدت فتورًا في النفوس، لم تعالجه مستجدات أخرى، ولم يستفق الكثيرون من صفعات الصدمات المتوالية.

احتمال إيجاد بديل: 

انتقال غالبية المدونين إلى الشبكات الاجتماعية "وأهمها الفيسبوك" الذي منحهم بالأخص مساحة أوسع وأسرع للنشر والتفاعل والنقاش، بحيث أن هذا الانتقال راجع إلى أن الشبكة الاجتماعية يكسب فيها المدوِّن قراء آخرين من غير المدونين ولا المهتمين به، فهو خروج من مجال ضيق إلى مجال أوسع، وأكثر شعبية. فحدث الانتقال بشكل تدريجي حتى هجر أغلبهم مدوناتهم.
وجود مواقع أخرى انخرط فيها المدونون المدوّنات أتاحت لهم فرصة النشر أيضا وإن كانت بشكل مقيد نسبيا بالمقارنة مع المدوَّنة الشخصية، وهذا ما سمي بالصحافة الالكترونية.

احتمال خاص: 

انغماس أغلب المدونون والمدوِّنات في مشاغل الحياة ودوامتها التي لم تعد تترك لهم فرصا للتدوين، اللهم بعض التغريدات السريعة على التويتر أو الفيسبوك.

    لهذا فإن هذا الكتاب المتمثل في أنطولوجيا نسائية الذي صدر في بداية هذه السنة جاء في وقته المناسب، ولعله يعيد للجسد التدويني نشاطه السابق منذ سنوات ظهوره، أو لعله نبوءة جديدة لفعل تدويني نسائي قد يحقق ما لم يحققه المدونون المغاربة في فترة سابقة حين كانت هناك فكرة انشاء كتاب جماعي تشغل الجميع وتسطو على السطح وتُطرح للنقاش. وقد حاز الكتاب على ثناء الجميع وتم الاحتفاء به بتنظيم حفل توقع له في نشاط ثقافي نظمته مندوبية الثقافة بمدينة آسفي بشراكة مع رابطة كاتبات المغرب في إطار فعاليات الأيام الثقافية وذلك 13 -14- 15 مارس المنصرم. وقدم د. عبد الله اكرامن قراءة شمولية للكتاب والمدوِّنات التسع في ندوة عن التدوين النسائي بالمغرب. كما احتفت الرابطة الفرنسية باسفي بدورها بهذا الكتاب في أمسية قدمتها ونشطتها الأستاذة زهرة رشاد.

    لكننا اليوم نقف لنتساءل بعد كل هذه المراحل والسنوات والتجارب: هل يمكن للنشر الورقي أن يؤثر على التدوين الالكتروني وعلى رأسه التدوين النسائي، هل هذا الزحف أو الانفلات من الرقمي إلى الورقي في صالح التدوين الإلكتروني؟ هل هي هجرة أم عودة من الافتراضي إلى الواقعي؟ 
سابقا حين كان التدوين ملاذَ أغلبِ الذين يطرحون أرآهم وأفكارهم عبر الانترنت ومنتدياته، أحسَّ العديدُ من الكتاب والكاتبات والصِحَفيون بأهميته، لمصلحة الثقافة والإعلام، فكنا ومازلنا نجد لهم مدوَّنات تحمل أسماءهم أو أسماء مستعارة، على اعتبار التدوين أداة تواصل أفضل وطريقة أقرب للقارئ والمتلقي. حتى بثنا وقتئذ نتساءل هل يمكن للكتاب أن ينقرض بعد سنوات معدودة، أو هل يمكن أن يستغني الكاتب عن الطبع الورقي، لمَّا أصيب الجميع بدهشة الإعجاب بهذه الوسائل الإعلامية الجديدة المتاحة، بيدَ أننا صرنا اليوم نعتقد العكس حين رأينا هذه العودة الجديدة إلى أحضان النشر الورقي الذي صار همَّ الكثيرين والكثيرات، مما يؤكد لنا أنه لا استغناء عن الكتاب لأنه هو الأصل، والعودة إليه حتمية، كما أن التجربة التدوينية هي في نظري محطة أساسية للتواصل مع العالم، واكتساب التجارب، والاطلاع من خلاله على الهموم الحقيقية للإنسان العربي دون رتوش، ومعرفة أفكاره ومعاناته في مواجهة الحياة العامة، بعيدا عن مقص الرقيب، أو سلطة الناقد.. أعتقد أن التدوين حقق ما لم يُحققه الإعلام العربي الرسمي، بل صارت وسائل الاعلام العربية تعتمد في فترة على المدونات العربية في الخبر، والصورة، والآراء.

    بهذا فلا يمكن القول أن التدوين قد يموت أو يفنى بسبب النشر الورقي أو بسبب هذا التحول الجديد، بل يمكن القول أن التدوين قد يأخذ اتجاها جديدا، مختلفا بعد هذا الركود، وهو ما جاءت به الشبكات الاجتماعية الحيوية. وهذا -كما نرى- في خدمة هذا، الرقمي في خدمة الورقي. ثم إنه كما ظهرت وسيلة التدوين الالكتروني وتطورت إلى مساحة للتعبير فقد تظهر أيضا وسائلُ أخرى مستقبلا، حتى لو افترضنا أن التدوين انتهى عمره وتجاوزته المرحلة، أو تلاشى مع الأعوام القادمة، فالإنسان طلبا لغايته يبحث عن الوسيلة، ولن يعدمها مادام الانترنت موجودا، ورغبة الاكتشاف والابتكار سائرة.

     وبعيدا عن التفكير في الإشكالية برمَّتها، فمن الجميل أن نرى التدوينات صارت بين دفتي كتب ورقية تزاحم كتب مؤلفات العديد من الأدباء والمفكرين، ويساهم المدوِّن والمدوّنة في فعل الثقافة الورقية وتنوعها في زمن لم يعد حضن الكتابة قاصرا على كُتَّاب معروفين، هم من يستأثرون بالمشهد الثقافي والكتابة، فنحن في عصرِ ترويض الحروف والأقلام، وفي عصر يجب أن يتيح للأغلبية أن يكتبوا ويدوِّنوا، أو بتعبير أستاذنا الحبيب الدائم ربي: "لقد انفرط عقد "المؤسسة الحاضنة " لمعبد الكتابة في فوضى خلاقة اختلطت فيها الحوابل بالنوابل، هو ذا الانفجار الأعظم الذي سيطوح بأوهام الكتاب ويعولم الكتابة" انتهي كلام أستاذنا.
وأقول بدوري: فالزمن وحده كفيل بأن يغربل، فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

الحلم الخيال ولغة الجسد مرتكزات السرد والحكي في مجموعة "قلت لي" لعبد الرحيم التدلاوي


يكون المسعى نحو قراءة النص القصصي قراءة واعية حين يكون الكاتب مؤثثا لغته وحريصا على بنائها وتنميقها وجعلها سهلة التناول، وفي الآن نفسه لا تتخلى عن عنادها وامتناعها وصعوبة استسلامها بسبب ما يميزها من عمق دلالي مؤثر على القارئ - كمتلقي- تأثيرا ينتج منه استجلاب الفكرة وتقريرها، متناولا (أي الكاتب) قالب القص باختزال وتكثيف حتى يحتّم على القارئ عملية الاستفزاز لطرح التساؤلات ووضع علامات التعجب أثناء فعل القراءة بناء على ما يصادفه من عناصر الدهشة المرتكزة في النص بتعمد ومع سبق الإصرار. تلك الدهشة التي تتغذى من عوالم التخيُّل والتي هي بمنزلة منصة مهمة لتشكيل ملامح الفكرة وتوريط القارئ في عملية التفسير والتأويل وتبرير العجائبي والغرائبي كي يوافق المألوف وينسجم مع الواقعي دون نشوز ولا تنافر. هكذا بنفس المسعى يمكن قراءة مجموعة "قلت لي.." للقاص عبد الرحيم التدلاوي. 
تضم المجموعة 22 قصة قصيرة، تتنوع مواضيعها التي تمتاحها من الواقع وتختلف باختلاف ما يُشغل تفكير الإنسان في الحياة، وما يقلقه من متغيرات طارئة على المجتمع وعلى الناس: كفعل الوصاية الفكرية والثقافية مثل ما جاء في قصة "طارق"، وقضية الإرهاب مثل قصة " انحسار"، أو رصد متغيرات المجتمع والحياة الحديثة وما لها من أثر سلبي على الإنسان ونفسيته، ومع محاولة استحضار أمجاد قديمة في ظروف هذا الواقع المنهزم المنبطح، مثل ما تناولته قصة "طيات" التي لعبت على العنصر المكاني وهو مدينة مكناس/ ساحة الهديم / حلقة الحكواتي فكانت هذه الأماكن منصة مجازية لتأسيس فكرة النص العامة، والتي -نسبيا- تؤطر قناعة المغربي - ضمن القصة- بأن الماضي خير من ورطة الحاضر. ثم بعملية مزج بين ما هو واقعي وما هو خيالي جاء النص كأنه يعرض جزءا من تاريخ المدينة وحاضرها بشكل موجز وسريع مع تحديد المفارقات..، وفي شكل إشارة خاطفة ومتخيلة استطاع الكاتب أن يجعل شخصية النص تستحضر السلطان إسماعيل ليورطه في حوار افتراضي، به يربط ما بين الماضي والحاضر، ربطا يُسفر عن أنه ليس كل ما يروى عن شخصيات الماضي قد يكون صحيحا وأنه ليس من المنطق محاكمة أفعالهم بمنطق العصر وبناء حكم على أسس عصرية، ثم إن هذه الشخصية التاريخية أو غيرها لها أيضا ما تنتقد به الواقع المعاصر لو افترضنا حضورها الآني: » إن عظامنا لتتقلب في التراب ألما على ما أنتم عليه«، بيد أن بطل القصة أو السارد لم يتخلص من انهزاميته إذ في النهاية يفضل النوم والأحلام على أن يواجه حاضره بنوع من الشجاعة، اختار النوم في انتظار معجزة ما تغير الواقع وتنشئ الناس نشئا آخر. 
ولنفس الفكرة نجد بين سطور قصة "رمية سحر" ما يوافقها ولو كان على شكل سخرية من واقع مر » فضح الراهن المتشرذم (...) فضح الفرقة والاختلاف وإدانتهما بالقياس إلى ما كان يجب أن يكون، أي بالقياس إلى حقبة زاهرة وضعت الأشياء في نصابها«1 واقع يستدعي الحسرة مادامت الحقيقة لا تستجيب أو لنقل لا تجد من يستجيب لها حالا فتستحيل (على سبيل السخرية كما في القصة) إلى حلم مرعب لا يتوافق مع الواقع الحاضر ولا ينسجم معه، وهذا مادام » لا يقوى النوع البشري كثيراً على تحمل الواقع" كما قال توماس إليوت فيلجأ إلى الأحلام. نقرأ: » استيقظت بهمة ونشاط غير عاديين، نفضت عني حلما مرعبا، رأيت فيه العرب قد اجتمعوا على كلمة واحدة بجيش قوي استعاد لحن الفتوحات«. ومن نفس القصة نستطيع أن نستشف قدرة القاص على تشكيل الرمز كلبنة أساسية للفكرة من دون إبرازها ولا تحديد ملامحها بالمباشر بل هي ضمن النص كله باسطة ذراعيها تدعو القارئ أن ينالها بقدر من النباهة، فلو نظرنا إلى شخصية النص الساردة قد نكتشف أن الكاتب اتخذها رمزا للواقع الذي غالبا ما يتحدث الجميع عنه ما بين من ينتقد ومن يدافع، ومع ذلك لا أحد يعي هذا الواقع وعيا دقيقا أو يلم بكل الحلول لمشاكله، نقرأ هذه القرينة: » توجهت إلى رفاقي، كانوا متحلقين حول طاولتهم المعتادة منكبين على الحدث، يقرؤونه من زوايا مختلفة، كما تعودوا أن يفعلوا كلما داهم زلزال واقعنا الراكد...
ما أثار استغرابي أني سمعتهم يتحدثون عني، بعضهم ينتقدني بشدة، وبعضهم كان إلى جانبي يدافع عني ويبعد كم الاتهامات غير الصادقة في حقي.(...) ولا أحد أعارني لفتة انتباه انصرفت خائبا.. «
كيف يتم معالجة واقع لا يُدرك إدراكا تاما، بل يتم تجاهله وتجاهل مشاكله وتنعدم رؤيته بفعل الاعتياد على نمط لا يتبدل. أفبهذا يحتاج هذا الواقع "رمية سحر" أو معجزة الزمن الأخير، أم أن وَهْم الحل يبقى حبيس سلطة الحلم فقط؟.
رغم أن هذه النصوص تمارس نقدا وتتناول موضوعات ذات نزعة إنسانية واجتماعية إلا أنها لا تقدم حلولا، إذ وظيفة القصة القصيرة هي رصد الحالة وتوظيف الصورة بتقنية حتى يتولّد السؤال الذي هو مبدأ الإشكالية أو تتناسل الأسئلة في ذهن القارئ الذي هو الطرف الثاني في بناء النص... وحتى لو اتفقنا مع تشيخوف أن القصة كذبة يتفق الكاتب والقارئ عليها ضمنيا فإننا نؤمن - على المستوى الأول- أن كذبها صادق إذ إنها تطرح إشكاليات المجتمع وتنتقدها.. فالحدث متخيل وهو ما نسميه كذبة متفق عليها، ولكن المضمون صادق والفكرة صحيحة وحقيقية.

وفي نص "تحليق" يتناول قصة مدرس يتوسل بخياله لتصوير وهم عميق يفصله عن الواقع والمكان الذي هو حجرة درس تشبه زنزانة، فيختلط لديه الحلم باليقظة وبالوهم فيحلق به بعيدا في الوقت الذي ينشغل التلاميذ بملء أوراق امتحانهم. 
وقد اعتمد الكاتب في هذه القصص خاصية مزج السرد بين الخيال والحقيقة، وتداخل هذا في ذاك، فشخوص هذه القصص تبني حقيقتها على الخيال باعتباره فسحة أوسع قادرة على احتواء وتشكيل ملامح الحقيقة أو بتعبير رالف والدو: » يكشف الخيال ما تخفيه الحقيقة «.

كما أن حضور المرأة يلفت انتباه القارئ، فالمرأة كأنثى تستأثر بلب الرجل وتشكل تفاصيل تناقضاته فهي مرآة عاطفته، وهي حلمه كما في قصة "نظرات"، أو في "أنا وهي والغروب". أما في قصة "بلوغ" و"هيت لك" فيُبرز الكاتب ضعف عاطفة الرجل أمام إصرار الأنثى، وفي قصة "شريط" و"انحسار" : حاجة الرجل إلى المرأة كحاجته إلى الحياة. أما قصة "في عشق النساء" فتصور عشقا صوفيا مجردا من كل القواعد والضوابط، تفنى أمامه الماديات، وبهذا العشق النسائي كان هلاك بطل القصة في نهاية تمزج بين روح السخرية والأسلوب الشاعري...
وبهذا فإن محكيات عبد الرحيم التدلاوي في "قلت لي" تتخذ الحلم والخيال مرتكزا لبناء النص والجسد سارية » لحكي مثير يحول ظاهر الأشياء إلى معاني ودلالات مفتوحة على تأويل متعدد يحمل في طياته بشاعة الفقد والتلاشي والفناء «.2
كما لم يركز الكاتب على تحديد أسماء شخوصه، ولا القارئ أيضا قد يُعير لذلك اهتماما لسبب أعتقدُ أنه أساسي وهو أن شخصية كل نص لا تختزل ذاتها ووجودها في اسم تحمله بل في نمط تفكيرها وطرق تصرفها وعمق الفعل الذي تأتيه سواء اقتادها العقل، أو اقتادتها العاطفة، أو الشهوة بإغراءات الجسد، أو دوافع الحلم الملحة. فهذه الأربع هي على شكل تركيبة إنسانية حقيقية، منها تتشكل شخصية الإنسان وتناقضاته مع نفسه ومع مجتمعه ومفارقاته الكثيرة في الحياة، ومنها أسس الكاتب ملامح شخصياته في هذه المجموعة طبقا لطبيعة الإنسان على أرض الواقع فالقاص لم يتكلف في صناعة أو رسم ملامح الشخصية المثالية المزيفة أو التي تدعي التحليق في سماء المثالية، ولعل النص الأول "قلت لي" الذي افتتح به الكاتب المجموعة يشير ضمنيا إلى هذا الطرح: » أول مرة أراني مباشرة، ومن دون رتوشات، أقصد من دون أن تتدخل ريشة التعديلات المحققة للزيف (..) وتركتني عاريا أوجهني بمقت«.

إن هذه المجموعة تنتقد طبيعة الإنسان دون أية رتوش، فهي تنتقد علاقة الرجل بالمرأة كنصف المجتمع، والمرأة كأنثى وعاطفة وجسد، وعلاقة الإنسان العربي بحاضره ومستقبله، علاقة الإنسان بنفسه أولا وبمجتمعه ثانيا، وعلاقته بالسياسة والانتخابات مثل ما حدث في قصة "شقاوة" تارة بشيء من السخرية وتارة بجدية وحزم، ومع أن هذا النقد لا يبرز بشكل واضح غير أنه يسيطر على نصوص المجموعة كلما توغلنا في الولوج إلى عوالم المبدع عبد الرحيم التدلاوي. كما أن الكاتب يلجأ إلى التناص ليضفي على إبداعه بعدا جماليا مبني على قدرة في التوظيف، وتقنية فنية تخرج النص القصصي عن النمطية والتقليد، أو تكرار نفس البناء السردي.

وبعد، هذا ما ألهمته أثناء قراءتي للمجموعة، ولكل قارئ قراءته.

---------------------

1- محمد السرغيني قراءة في ديوان يتيم تحت الصفر لمحمد عزيز الحبابي.
2- حميد ركاطة/ ألم الكتابة وكتابة الألم في ضمير مؤنث لحميد الراتي.

المقالة سبق أن نشرت في المنعطف الثقافي 17/09/2015


شاي وبعض تاريخ


حديثُ الكؤوسِ

بين جلَّاسي،

بَهيٌّ..

أوَ لا تدري؟..

كم كان أروعَ!

شرشرةُ شَاي

صداها

كموالِ أطلس

تغنّى التاريخ به

وإلينا

أو بنا أسرعَ

إلى ذكر بن تاشفين

فأندلس

شتاتا كانت

حين يوسفُ إليها أزمعَ

ثم السقوط..

ذكرنا حقبةً

فبلغ الحديثُ فينا

عمقا وأوجعَ

وشربنا على ذكر الجزيرة

خمرة قصيد

فأرثى الشعر

حتى جفنُه أدمعَ

وكأن "ابن البقاء"* بيننا أنشدَ

كأنه لذا الزمان أسمعَ.

وسبعة رجال*

مناراتٍ

حسبنا التاريخ

لأسمائهم ما ضيَّعَ

بركات علم وولاية،

مراكش..

هذا القلبُ هواكِ ما ودَّعَ

تحلو الطقوس في حضرة الشاربين

حين الساقي لتلك الكؤوس وزَّعَ

فيا جلسة قام فيها الشايُ أميرًا

عليه كلُ مغربيّ أجمعَ.

رشيد أمديون

* ابن البقاء الرندي صاحب قصيدة رثاء الأندلس
* سبعة رجال هم سبعة علماء وأولياء دفنوا بمراكش من بينهم القاضي عياض..

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة