[ مدونة رشيد أمديون

المطر في شوارع المغربي محمد الشايب.. دلالة اللفظ (4)




الجزء: الأول - الثاني - الثالث
نشر في القدس العربي


بقلم: رشيد أمديون
الجزء الرابع والأخير
وبين تحولات الحياة يقول الكاتب حكاية العوالم التي وصل فيها التناقض بين الذات ومحيطها (قصة: شوارع الليل)، وصارت التزامات الحياة كمطارقَ في الرأس لا تُعدُّ ولا تحصى(قصة: كم مطرقة في الرأس؟)، إنه يقول حكايةَ امتلاك الفرح وفقدانه في نفس الآن بين شوارع الضياع والتيه والجنون، وألم ضياع أمجاد الماضي، ضياع إشبيلية/ الأندلس/ اعتماد، غربة المغرب في (شارع غريب) يطل على التاريخ وتناقضاته...

 حكايات نصوص "الشوارع" تشير إلى عزلة الذات بين تناقضات الحياة وضجيج العالم وزيفه، قصص لا تقول الخارج والمادي بل تقول وتعبر عن الحميمي واللامرئي والمغيّب وذلك الوجود في عمقه الإنساني.
إنها نصوص توحي أكثر مما تنص، وتثير أكثر مما تعين، وحافزها الدائم إنسانية لا تستكين.(7)

 إن السير في شوارع محمد الشايب يؤهلك كقارئ أن ترى شخوص قصصه تفكر، تحزن، تتذكر وتحن- عفوا، بل إنك تعيش كل حالاتها- وتبحث عن فرح مؤجل عن أمل غائب، عن حرية لم تمطر سحابتها.. يؤهلك أن ترافق السارد يدا في يد يقودك إلى مشاهده وينقل الصور كما رآها. إن محمد الشايب لا يحكي حدثا بشكل تقريري مباشر تخرج منه العبارة جافة ضامرة، لأن الفكرة لديه لابد أن يحوِّلها إلى احساس وشعور، لهذا وأنت تقرأ له ستبتل بالمطر الذي ابتلت به شخصية النص، وستجري وتركض في طرقات المدينة حتى تتعب من البحث عن أشياء مفقودة، ستسمع نداءات الذات.. والماضي والمستقبل والحاضر والتاريخ، سترى طيف اعتماد الرميكية قد لاح كانبعاث جديد... ستسافر في القطار وتجلس مع الشخصيات، وتزاحم الركاب الصاعدين والنازلين في المحطات، كل ومحطته.. ومحطتك أنت هي نهاية النص وهي العتبة إلى الدخول لنصك المفترض.. ستقف في ساحة الحافلات بالقنيطرة وتشاهد حركة الصراع فيها والنيران التي شبت..، إن محمد الشايب لا يصف لنا المطر أو يحكي لنا شعوره حين بللته قطراته، ليس هذا هو رهان القصة الفنية عند الشايب، بل الرهان أنه يجعلنا نبتل فندرك الشعور ونعيش الحالة بأنفسنا. ثم يجعلنا نحتار في شخوص قصصه، هل هي أنا أم أنت أم هو.. ونندهش للنهايات تارة ولسحر التأويل والغرابة نستسلم تارة أخرى.

 إن الذي يلج شوارع محمد الشايب لن يتوه إن تخلى عن القراءة السطحية وغاص في النصوص كي يستخرج لؤلؤها لتستسلم وترخي مفاتنها التي تواريها عنك.. أيها القارئ.

 الهوامش

1 - الآية 24 من سورة الروم
2 - موطأ مالك- باب ما جاء في الاستسقاء الحديث رقم 515
3 - الآية 13 من سورة غافر.
4- مجمع الأمثال للميداني – ج:2 – المثل 4677
5- د.محمد كراكبي – استثمار اللسانيات في قراءة النص الشعري (تحليل قصيدة السياب المطر)
6- من قصيدة: نشيد للحرية من ديوان "وطن الهجرة"- منشورات المجلس القومي للثقافة العربية/الرباط الطبعة الأولى 1992. ص:135
7- حسن المودن - مغامرة الكتابة في القصة القصيرة المعاصرة. القصة القصيرة بالمغرب أنموذجا. دراسة نقدية - منشورات اتحاد كتاب المغرب - مطبعة عكاظ الجديدة، الرباط 2013- ص: 101

شاط الخير على زعير، شاط الخير على موازين



رشيد أمديون

صدقَ الأوّلون إذ قالوا "شاطْ الخير على زْعير* حتى فرقوه بالبنْدير"، ولو نظرنا إلى عمق هذا المثل الشعبي الذي يختزل صفة من صفات زعير، لوجدنا أن هذه القبيلة في محطاتها التاريخية، كانت مضرب المثل في السّخاء والكرم، واكتسبت هذه السّمة حين أتت على بعض قبائل المغرب المجاورة لها سنة من الضّيق، فأوشكت على الهلاك، فلجأت إلى هذه القبيلة لتمدّها بالحاجيات الضرورية لأنها ذلك العام حصدت الخير الكثير فغنمت إلى درجة أنها وفرت اكتفاء ذاتيا وزادت عليه، فكانت توزّع المعونات على القبائل التي توافدت عليها، بإقامة احتفالات شعبية تُضرب فيها الدفوف (البنادير)، كمظهر من مظاهر السعادة والفرح، والكرم... إلى أن ارتبط الحدث بقبيلة زعير فصار مثلا يُضرب، كناية عن السخاء والفضل، والكرم، خاصة وأن الخير توفر لديها حتى صارت توزعه بضرب الدفوف كناية عن تلك الحفلات التي كانت تقيمها، ولا بأس أن أسوق المثل الآخر المعروف -كتعليق على هذه الحادثة- والذي يقول: "من كتشبع الكرش كتقول للراس غني).*

وإن كان المثل السابق قد فُهم عند المتأخرين بخلاف مقصده، فوجدنا أن من الناس من يسوقه في مقام القدح، حين يصادفون شخصا بخيلا لا يُرتجى كرمُه، فيقولون شاط الخير على زعير... على العموم هذه الإضافة فقط للتوضيح، فليس هذا هو قصدي من إدراج المثل، بل الغاية منه أنني أعتقد أن هذا ما صار يحدث الآن في الآونة الأخيرة، وبالتحديد في السنوات الأخيرة التي بدأ المغرب ينظم فيها مهرجانه السنوي، مهرجان مغرب الثقافات، موازين. فهل (شاط الخير) على هذا الأخير ليوزعه بالبندير (الدّف)؟ 
هل المغرب يرفل في النعيم إلى غاية أنه يوزعه بإيقاعات العالم؟ قياسا على قبيلة زعير قديما، مع أن المهرجان حديثا يقام على أرض من أراضي زعير...
المغرب في عمق أزماته غارق في الخير إلى أنه صار يوزعه بمبالغ خيالية على فنانين العالم. ونعم السخاء يا أهل الكرم والجود، ونعم السخاء. فارقصوا على غير شِبعٍ.

* زعير: قبيلة مغربية كبيرة، وهي الان تضم منطقة الرباط وسلا والخميسات وبعض المدن الآخر المجاورة لها..
*عندما تشبع البطن تقول للرأس غنِ

الوعي بأثر التربية قبل أثر التعليم


(قال هل أتبعك على أن تعلمينِ مما علمت رشدا، قال إنك لن تستطيع معي صبرا)*

في نهاية الأسبوع الماضي لبّيتُ مسرورا دعوة إحدى الجمعيات الناشطة في مجال الأعمال الاجتماعية، التي نظمت مشكورة حفلا فنيا أدبيا لتكريم عدد من الأطر التعليمية من أساتذة ومدراء متقاعدين من أجيال مختلفة سبق لهم أن أدوا مهامهم بمؤسسات المنطقة التي تنتمي إليها الجمعية المنظمة. وقد كانت هذه المبادرة الممتازة عملا قيما يُرسخ مبادئ أخلاقية تهدف إلى تكريس ثقافة الاعتراف بالجميل ونشر المحبة والتآلف والتضامن... وإني أعترف أنه عمل جليل يستحق أن يُكتب عنه وأن يُتحدثَ عنه بافتخار وباعتزاز، أولا لأن الجهة المنظمة اختارت منطقة الهامش، على اعتبار أن هذه المناطق التي تنتمي للعالم القروي، نادرا جدا ما تنبثق منها مثل هذه المبادرات الفاعلة. ثانيا أن هذا الاعتراف بالجميل جاء من مجموعة من قدماء التلاميذ الذين أرادوا أن يكرموا أساتذتهم تكريما يليق بهم اعترافا بفضلهم على ما قدموه من جهود طوال حياتهم المهنية في سبيل إنشاء أجيال واعية متعلمة عارفة ومثقفة... 

هكذا، وقد مر الحفل في جو حميمي رائع، تظلِّله سحابة المحبة والسماحة والأخوة وتحفه هالة من حسن الحفاوة والكرم سواء من طرف أعضاء الجمعية أو من طرف بعض سكان المنطقة الذين لبوا الدعوة بدورهم بكل فرح وسعادة. بيد أن الذي أثار انتباهي ودفعني إلى كتابة هذه التدوينة هو أمر يتعلق بالأخلاق كسلوك حضاري إنساني لا يمكن تجاوزه بأي شكل من الأشكال وإن صار عند الكثيرين أمرا مألوفا، لكن بعض المألوف يصبح غريبا ومستفزا إن جاء في سياقات معينة، ويغدو له دلالة خاصة. 

حسنا، فبينما نحن في غمرة الاحتفاء بالأساتذة الأجلاء الذين لم يعلّمونا الحروف والكلمات فحسب بل علمونا الأخلاق والأدب والاتصاف بالسلوك السوي... في غمرة الاحتفاء بهم نسي البعض أن المحافظة على نظافة المكان أمر ضروري علمه لنا أساتذتنا ونصحونا بفعله، نسي أغلب من تعلموا على يدي هؤلاء الكرام أن النظافة ليست نظافة الملبس فقط... إذ أنه حين وزعت قنينات الماء الصغيرة على الحضور الذي قد يتجاوز المئة (تقديرا)، ثم تم افراغ مائها في جوف البطون لإرواء العطش، لم يكن من اللائق أبدا أن أرى رجالا حين ينتهي الواحد منهم من شرب قنينة الماء يرميها تحت كرسي من كان أمامه ومعتبرا نفسه بذلك أنه تخلص منها. يرميها بكل برودة نفس وسهولة دون خجل ولا اهتمام كأن الأمر سار به العمل ولا يتنافى مع المروءة ومع القيم الحضارية الإنسانية التي ندعي أننا ننتمي إليها أو نريد أن ننتمي إليها، علما أن أي سلوك يعبر عن مستوى الوعي الفردي والجماعي، وإتيانه لا يُفضي في النهاية إلا إلى أنه يكرس مفهوما ثقافيا معينا، فالثقافة لا تقتصر على المعلومات والمفاهيم، والفنون وغيرها، الثقافة هو ما ينتجه الوعي الجماعي من فعل وكلام ومعتقد وأفكار... ويتم ترسيخه في أذهان الناس على أنه الصواب ثم يظهر أثره في المجتمع بعد ذلك. نعم، فالأخلاق هي المطلوبة، وكان الأجدرُ أنه تعلمها الواحدُ من معلمه الذي جاء كي يحتفي به في يوم تكريمه، ألم يكن ذلك المعلم يحرص على أن يربي تلاميذه على عدم رمي الأزبال في قاعة الدرس؟ ألم يكن يربيهم على أن المكان المخصص للنفايات هو القمامة التي توضع جوار باب حجرة الدرس؟ بلى قد كان كذلك، وأنا بدوري كنت تلميذا...
فهل نحتاج إلى إعادة تربية؟
قد يقول قائل، وكيف سيتخلص الحاضر في مثل هذه الاحتفالات من قنينته الفارغة وهو جالس بموضعه وأمامه جمهور من الناس؟ وهذا سؤال منطقي، لكن الاجابة عنه لا تحتاج إلى ذكاء كبير، بل تحتاج إلى وعي كبير وهو ما نحتاجه بكل صراحة، وعي ندرك به أن محيط كل شخص مسؤول منه ومجلسه الذي يجلس فيه مسؤول منه، لهذا فإمساك قنينة الماء الفارغة في يدي أمر ليس صعبا حتى أجد مكانا مخصصا لجمع البقايا والنفايات، أو أقدمها للمنظمين وهم يضعونها بوعي في مكانها المناسب. وهل سيعيب عليّ أحد إن بقيت ممسكا بقنينة فارغة إلى أن أتخلص منها بالشكل اللائق؟ لا أعتقد، لكن قد يعيب علي أصحاب الضمائر والوعي ويستنكرون فعلي إن أنا رميتها بشكل مستفز تحت الكراسي وأرجل الحاضرين، حتى يتحول المكان إلى مشهد محزن مخجل كما حدث في ذلك اليوم حيث صارت تحفنا قناني الماء كأنها أُمطرت من السماء، وقس على ذلك نواة الثمر ووو... ومثل هذا يحدث في أغلب الاحتفاءات التي أحضرها، كل من كان بيده شيء يرميه على الأرض على الزرابي المفروشة، وبعد الانتهاء ترى المكان كأنه معترك أو أن زوبعة قد حلت به...
ومن يتحجج بمبرر أن الكل يفعل هذا فهو يجعل قدوته من دونه لا من فوقه، فليس من المنطق أن يكون الواحد "إمعة".

إن الاعتراف بالجميل ثقافة عالية سامية، وإن المعلم لم يكن معلما للحروف والكلمات والمعاني فحسب بل كان مربيا يقوّم اعوجاج سلوك تلاميذه. أذكر أن استاذة لنا كانت لا تسمح أبدا بحضور حصتها بالسراويل القصيرة (الشورت)، ولا تسمح أن يجلس التلميذ على طاولته بشكل مستفز لا يليق بشخص يتعلم، ولا أن يعض بأسنانه على غطاء قلم الحبر (وهذه العادة كانت قد تحولت إلى سلوك عادي لا إرادي عند أغلبنا) وقد كانت هذه الأمور كلها عادية بسيطة لنا، لكن عمقها الدلالي يوحي بشيء آخر، وهذا أقل شيء. 

خلاصة القول، إن التفاعل مع حفل التكريم من لدن قدماء التلاميذ واسترجاع الذكريات واللحظات السعيدة والحزينة وتقبيل رؤوس المعلمين كل هذا أمر رائع ومستحب وهو قمة الاعتراف والتقدير والمحبة، لكني في المقابل أزعم أن المعلم الذي سيرى تلميذه السابق على سلوك حسن ويتصف بالقيم الأخلاقية سيفتخر به أكثر من كونه قد حصل على شهادة عُليا أو شغل منصبا مهما. لهذا فإني أتساءل أين ما تعلمناه من التربية داخل القسم من طرف نفس الأساتذة الذين نقبّلٌهم اليوم بمحبة وإخلاص احتفاءً بهم أمام الناس؟ أين هو السلوك السوي الذي يعبر عن شخصيتنا الحضارية؟ أين هي التربية التي تسبق التعليم، ألسنا نقول دائما "التربية والتعليم"؟


*من سورة الكهف

المطر في شوارع المغربي محمد الشايب.. دلالة اللفظ (3)




الجزء: الأول  - الجزء الثاني

 القاص محمد الشايب           
                                    
بقلم: رشيد أمديون
 الجزء الثالث

ثم ترِد كلمة مطر بصيغة الجمع في قصة "الساحة"، وحيث يقول السارد عن تلك العينين وهما تتبادلان النظرات في ساحة الحافلات (مسرح الحدث): 
" تظل العينان تتبادلان السهام والورود، وتدخلان في حروب تارة، وتجنحان للسلم تارة، تتبادلان الرسائل، والسحب، وحتى الأمطار.."ص18 
من المؤكد أن تلك (الأمطار) لم يتم توظيفها إلا لترمز إلى لحظة أو لمحة سعادة في زحام ساحة الحافلات واكتظاظها وهرجها - وبحسب النص - العينين عين علال بائع الحلزون، وعين صفية بائعة الرغيف والحرشة، وبحسب السارد أنهما لم يتبادلا مثل هذه النظرات من قبل، ولا انتبها لبعضهما رغم أنهما يشتغلان معا بالساحة منذ مدة.. بهذا نستنتج أن هاتين النظرتين المتبادلتين هي اكتشاف الشخصيتين لبعضهما، اكتشاف (علال لصفية وصفية لعلال)، اكتشاف على مستوى آخر متأخر..، لعله اكتشاف للوحدة والغربة التي يمثلانها في فضاء الساحة، وحيث لاحظ كلَاهما نفسَه في الآخر، فإن بين النظرتين حكاية وحدة/إنفراد/حزن /وتيه..، رغم كل المشاهد والحركات التي تعج بها الساحة هما يمارسان فعل النظر مع سكون تام، لا يبديان موقفا من حركة الساحة وصراعاتها وصراع الناس..، إلا أنه لما شب حريقٌ في المكان وغادر الجميع غادرا معا بل حلّقا معا بجناح واحد يبحثان عن قوتها في مكان اخر.. نلاحظ أنهما حلقا بجناح واحد.. !
وفي هذا النص، ننتبه إلى أن الكاتب استخدم العباراتِ المتضادة في دلالاتها المعنوية: 
  •  " تتبادلان السهام والورود" 
  •  "حروب تارة/ سلم تارة"  
  •  "سحب/ أمطار"، 
لأن السحب غير الممطرة دلالة حزن وقلق، وفي حالة الإمطار، جود وكرم وخير وفرح..
ونفس التوظيف الدلالي جاء في قصة "صوت النعي" حيث قال السارد: 
" ورميت بنفسي في شارع لا يبتسم قط، يكشر عن أنيابه، ولا يفتح أبدا حدوده في وجه المطر"ص69. إنه مُسيج ومحاط بسياج الحزن، "والمطر يئن خلف قضبان الغياب"، هذا الغياب الذي أسِر الفرح كما أسر المطر، وشارع الشخصيات يُخاصمه، ولا يرضى بحضوره. يقول السارد:
"ولما سرت هذا السير الحزين في هذا الشارع الذي يخاصم المطر، ولما حلقت بأجنحة الألم في فضاءات الضياع..".  
إنه يحكي عن تيهه وحزنه الذي تسبب فيه الاحساس بالوحدة والغربة وهو يركب لهيب نعيها.. تلك التي لم يُفصح لنا عن ماهيتها في النص، بل ترك لكل متلق أن يتخيلها بالشكل الذي يناسب خياله، وإن كان السارد يتحدث عنها بما يبعث الراحة في نفس القارئ، أي يقول مخاطبا غيابها كأنه يسترجع لمحات من الماضي: 
" فلاحت صباحتك الندية، وأنت تزرعين الجمال في كل مكان، وتهطلين بالبسمات في كل زمان.. "ص70  
واستخدامُ عبارة تهطلين، دليل على أن الكاتب في نصوصه وَفيٌّ لحركة المطر الملهمة التي تُعرب عن حالة الاطمئنان، كما شأن الشاعر العربي القديم الذي يطمئن لهطول المطر... فهذه الاستعارات ومثلها غالبا ما نصادفها في مجموعة نصوص "الشوارع"، وكلها تأتي في سياق أسلوب شعري/شاعري يبعث الاطمئنان إلى القلب، مثل: 
"هطلت دهشات"ص20 - "يترجى هطول كلماتها"ص31 - "وأمجاد التاريخ تهطل"ص32 - "دعي نظراتي تهطل غزيرة"ص42 - " ثم هطل اسمي غزيرا"ص74
إنها استعارات تخدم النصوص بتأثيث حقول معجم لغة خصبة، كما تدعم ما نحن بصدد تأكيده أن مطر شوارع/نصوص محمد الشايب يعني (أمل/فرح /سعادة) مع وقف التنفيذ -طبعا-، فتصير القلوب معلقة بكل ما له علاقة بالمطر، حتى أن فعل (هطل) الذي هو من خصوصيه المطر له وقع خاص، ومثل ذلك عبارة "غزير"... وهذا لا نجده في نصوص "الشوارع" فحسب بل في بعض نصوص مجموعة "هيهات" للكاتب نفسه، ففي قصة "نرجس" صفحة 16، نقرأ عبارة: "فهطل الذهول غزيرا، وفاضت به الضفاف" وفي قصة "الحب المشتت "من نفس المجموعة: " تتحرك المرأة كسحابة حبلى بالمطر"ص25 
هذا التوظيف الجمالي يجعلك كقارئ تتعلق بأسلوب المبدع محمد الشايب، وتشعر أنك ترافق السارد وترى ما يراه، وتراقص العبارات بدهشة العاشقين، وبعين تستشرف أبعاد الجمال..
وبانتقالنا إلى قصة "وقت متأخر"، يقول السارد: "سرت ليلا في شارع تحت مطر جاء في غير وقته"ص37 
ثم يتساءل:
  • " أي اتجاه أسلكه تحت هذا المطر الغريب؟" 
  • " أتساءل عن سر هذا المطر الذي فاجأ الجميع.."ص38  
إن اصرار الكاتب على ذكر كلمة المطر وتكرارها في هذا النص يجعلنا نبحث عن قصده وما الذي يرغب أن ينبهنا إليه، هل يهيئ جوا رومانسيا للسارد؟ كمثل الأفلام الرومانسية التي يظهر فيها البطل مع حبيبته وهما يعيشان لحظة حب تحت قطرات المطر، هذا احتمال ضعيف! إذن، هل يتعلق الأمر بمطر الذكرى الذي يهطل -مجازا- على رأس السارد، خاصة وأنه زار شارعا يذكره بذكريات ماضية.. إننا لن نفهم منطلقات القصة إلا بعد أن يلتقي بصديقة قديمة -على ما ببدو- كان بينهما حكاية يعرف تفاصيلها شارع الذكرى الذي زاره وزارته هي أيضا دون اتفاق في الميعاد.. صدفة إلتقاها في المحطة فـ" أشرقت ابتسامة طال غروبها"، ركبا نفس القطار في اتجاه نفس المحطة، لكن لقاءهما كان الأخير رغم ما استعرضاه من ذكريات وما شعرا به من حنين في مطاردتهما لخيط الذكرى المنفلت من قبضتهما، ورغم ما قالاه وما لم يقولاه بل أحساه، فالوقت كان متأخرا، تماما كساعة وصولهما إلى محطة الوصول (النهاية) فقد افترقا دون موعد كما إلتقيا صدفة دون موعد، فما عاد تأسيس لقاءات مفترضة يجدي. وبهذا نجد أن المطر دلالة على الحنين الذي حمل السارد إلى شارعه القديم كي يبحث عن بقايا الذكريات ملبيا رغبة الحنين الملحة التي أتت كـ"مطر في غير وقته" لأن الذي مضى قد مضى.
المطر كهطول الذكرى في شارع النفس، كتساقط الحنين في دروب البال، إنه نفس السبب الذي حمل شخصية قصة "نهاية" فزار قريته النائية، حيث بحث عن بعض منه تاه بين دروب الحياة... الذكرى حنين، توقظ خفقات القلب التي توقفت عن النبض للأماكن ولشعرية الأماكن، لهذا فقد وظف الكاتب أيضا عبارة المطر في هذه القصة على شكل صورة جميلة لقرية السارد حيث قال: "وصلت فوجدتها عارية تستحم بمطر دافئ، وضفائرها ترقص على إيقاع رياح تهب من جهة البحر"ص47 
لم يجد السارد إلا الموت والجمود في قريته وحين وصل استقبله "مطر خجول سرعان ما اختفى متقهقرا أمام سطوع حارق لشمس ملتهبة"ص48 
يجمع الكاتب هنا أيضا بين المتضادات مثل:
  • "مطر خجول/شمس ملتهبة" - "الفرح /الحزن" 
  • "هناك تبللت بزخات الفرح واحترقت بلهيب الأحزان"ص49 
فاستعار من المطر زخاته، ومن الشمس حرارتها، لتكتمل الصورة الطبيعة المتعلقة بمحيط الحدث، وتكتمل بدورها الصورة الحسية المتعلقة بنفسية السارد.
هذا الحنين يساق أيضا في قصة "الضريبة" بنفس الدلالة الرمزية (المطر)، يقول السارد عن "لعربي" (شخصية النص): 
" لا يعلمون أنه يؤدي ضريبة نظرة قديمة الى وجه طافح بالمطر"ص63  
هذا الوجه الذي يطفو "على سطح أيامه، ويعود محملا بالسحاب" فيستأنف إسعاد الناس من جديد بخفة روحه قبل أن يستسلم لغيابه الذي يختطفه من حي الفرح وينقله إلى حي الأحزان، هذا الغياب الذي يأتي مع "هطول أولى زخات مطر السنة الجديدة، "دائما تأتي وهطول المطر.."ص64.. إنها الذات الغائبة في النص، المؤثرة في البطل وفي مصيره الإنساني... تركب الحكاية هودج الغرابة فتزداد متعة التأويل، هذا الركوب الغريب لموج المجهول المرتبط ربما بحالة وجدانية نفسية تتعلق بالفصل الماطر عند "لعربي". 
يضع هذا النص والنصوص الأخرى أمامنا حالات إنسانية تحمل ملامح من الشخصية العربية التي تحاول أن تصنع فسحا من الفرح أو تُظهر الفرح رغم أحزانها التي تعيشها داخليا من ضغوط الحياة والسياسات.. ضريبة الفرح حزن دائم ممتد كسرب طيور سوداء من المغرب إلى العراق..
يتابع...

المطر في شوارع المغربي محمد الشايب.. دلالة اللفظ (2)




الجزء الأول  تجده هنا
نشر بالقدس العربي
بقلم: رشيد أمديون
الجزء الثاني
في مجموعة قصص "الشوارع" للقاص محمد الشايب نكاد لا نجد قصة لا تخلو من ذكر المطر/الماء أو تلمح إليه بدلالة صريحة أو مجازية، أو باستعارة حركته الطبيعية التي هي الهطول للتعبير عن فعل أو حركة ما أو حالة وجدانية معينة. تأخذ الدلالة بعدها الرمزي فتفيد الأمل وحينا الفرح والسعادة، وتظل هذه المدلولات عالقة بين سماء الانتظار تترقبها الشخصيات كترقب الفلاح للسحب الحبلى. ففي القصة الأولى نجد السارد مثقلا بهم فيمضي في غربة يطارد صوتا يعلن له عبر الهاتف أنه بشارع الحرية، ذلك الشارع الذي لم يعثر عليه -في النهاية- وبالتالي تنكشف فكرة النص في القفلة المفاجئة، لتفضي إلى أن الحرية عنوان متعلق بخياله ظل يطارده بين الأماكن... وفي هذا البحث المضني يمثل المطر سمة غالبة تدل على فسحة من أمل ضعيف جدا يتوق إليه السارد كما تتوق الأرض العطشانة إلى الغيث وإلى الفرج، نقرأ:
"نعم أنا أواصل السير في دروب غربتي، ولا، لا تملأ فراغاتي سحب ماطرة، ومع ذلك أناشد ذاك المطر المؤجل أن يهطل..، مع ذلك !"ص6
بهذا يضعنا الكاتب خلال هذا النص أمام أسئلة الذات، هل الحرية غائبة عن الإنسان العربي بالخصوص "بكل المعاني والمعاجم واللغات"؟ هل رغم كل إرادة هذا الإنسان وقدرته في التنقل والحضور في أمكنة متعددة والانطلاق -كما شخصية النص- فهو مازال يعيش غربته مقيدا بسلاسل التيه والضياع واستمرار البحث عن شارع الانعتاق...
نفس العبارة تتكرر بنفس الحمولة الدلالية في القصة الأخيرة "محاولة هروب". السارد بضمير المخاطِب يقول أنه:
"بين أسوار العطش.. والسماء ترسم قوافل السحب، والأمطار لا تريد الهطول"ص74
هل هي الأفراح الغائبة يا ترى، ومحاولة استمطارها؟
يقول: "والمطر يطل من شرفة العطش، ثم يبتعد"
ثم بعد انتقال في المكان وتقدم في سياق القصة نحو اللاحق، قال مخاطبا صوتا مجهولا ولعله صوت الأنا أو صوت الذكرى المستصرخة من أعماق الذات:" أين غبت يا شجرتي الظليلة، يا فاكهة الجنون، يا مطر السعادة.."
فهي إذا مناجاة، وبحث عن قيمة ضائعة، عن احساس مفتقد.. عن شعور ضائع في الزحام.. ثم هبت لحظة كرشة المطر الخفيف، قال: "هبت أنغام، وهطلت أمطار.."ص74. ولكنها سرعان ما انقضت كوقت جميل بارق في ظلمة وكهف الاحزان. فقال: "ولبستني البراثين القديمة، وعادت الرياح تكتب هيجانا مزمجرا، والسماء ترسم قوافل السحب، والأمطار لا تريد الهطول، والليل يستعد للهبوط"ص74.
إن دوام الحال من المحال لذلك عاد السارد إلى حالته الأولى مُرغما "على السير في شارع العطش"، العطش إلى المطر ولا مَطر..
وبهذا كان المطر في القصة الأولى كفتح مؤجل أو كأمل عالق بين السماء كسحب لا تُمطر أو كسعادة وقعت في أسر الغياب، والسارد يُناشد هطول مطرها لتملأ فراغاته، لتروي عطش حيرته، لكنها لا تردُّ على سؤاله الوجودي الذي يطرحه من خلال هذه الأشياء. وأما الشخصية في قصة "محاولة هروب"، فهي متعطشة للحظة سعادة مخبأة في كهف الحزن، أمطارُها لا تريد الهطول أيضا، ولما هطلت سرعان ما توقفت أنغامها وعادت رياح الحزن وليله المسود. إنها لعبة الفرح والحزن، فرغم كل تمظهرات الفرح وتأثيث أجوائه يظل غائبا غريبا مجهولا عن شوارع الذات.. تماما كالقصة التي تحمل هذا العنوان "الفرح" والتي تحوَّل فيها العرس إلى شجار وضرب وعنف كأنه انتقام من الحياة لأن الإنسان العربي لم يعد يقدِّر قيمة الفرح ولا يعرف كيف يفرح في تيهه العظيم. قال: "ولسان حال خدوج يقول: كثرت الأعراس وقل الفرح"ص14
يتابع... 

المطر في شوارع القاص محمد الشايب.. دلالة اللفظ (1)


نشرت القراءة على صحيفة القدس العربي
 
بقلم: رشيد أمديون
 
باعتبار الشعر كان - ولا يزال- أعمق تعبير وأسمى خطاب عند العرب في الجاهلية، فإن الشاعر كان يعبر من خلاله عن متطلبات الحياة المادية والمعنوية، وشؤون المجتمع والقبيلة، وبما أن البيئة العربية القديمة لطبيعتها الصحرواية كانت في أمس حاجة إلى القَطْر أكثر من أي بقعة أخرى ولشدة تأثر شعرائها بالماء استعاروا من السحاب والمطر والبرق صورا لبناء أساليب بلاغية، كقول أوس بن حجر وهو يصف بياض السحاب :
يا منْ لبرقٍ أبيتُ اللّيلَ أرقبُهُ * في عارِضٍ كمضيءِ الصُّبحِ لمّاحِ
من شدة هذا التعلق عاش الشاعر حالة القلق التي أرقته وهو ينشد رؤية المطر منهمرا.
ويبقى للماء وللمطر أهميته سواء في الصحراء أو في الأماكن الخصبة، لأنه الحياة وأمل البقاء ووسيلته، على هذا ورد في القرآن في سياق ذكر تعدد آيات الله الكونية ونعمه: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}(1). ومن دعاء طلب الغيث الذي يردده الناس عند الاستسقاء، وهو دعاء مأثور ورد في حديث في الموطأ: {اللهم اسق عبادك وبهيمتك وانشر رحمتك واحيي بلدك الميت} (2). قيمة الماء تعادل قيمة الحياة، وهو الرحمة والفرج والغيث والرزق، {وينزل لكم من السماء رزقا}(3).
كما أن الأمثال العربية القديمة لم تخلُ من ذكره مثل قولهم: "يَحْسَبُ الْمَمْطُوْرُ أن كُلاًّ مُطِرَ"(4). ثم يأتي الشاعر الرومانسي فيراه بدلالات أخرى.. ففي بعض من النصوص الحديثة كالقصيدة المشهورة "أنشودة المطر" لبدر شاكر، تُساق لفظة المطر للتّعبير عن حالة وجدانية وعاطفية –للشاعر- وعن منظوره للأوضاع العامة، فهو خطاب من خلف الدلالات.. وهو الحزن تارة(5) والميلاد المتجدد وهو الثورة والحياة والأمل والتفاؤل تارة أخرى... وكذلك قصيدة "على وقع المطر" لنازك الملائكة التي بدورها تخاطب من خلاله الموجودات وتبث مشاعرها المنهمرة كالمطر.. وكإيقاع موسيقي حين يُصغي إليه شاعر رومانسي مثل أبي القاسم الشابي:
وأطرقتُ أصغي لقصف الرعود * وعزف الرياح ووقع المطر
وهو "مطر ناعم في خريف بعيد" عند محمود درويش، وهو الحنين إلى الأنثى والحبيبة في "عقدة المطر" عند نزار قباني:
"أخاف أن تمطر الدنيا ولست معي/ فمنذ رحلت كانت عندي عقدة المطر".
وله ترسم الطيور بجناحاتها "فوق جبين الريح/وزخ الأمطار/ إسم الحرية !" عند هشام بوقمرة(6)...
 
فالكلمة واحدة وتتعدد الدلالات وفقا للسياقات النصية ووفقا للنسق الثقافي الذي ترد فيه، ووفقا لحالات الشاعر أو الكاتب النفسيه والعاطفية...
 
يتابع...

ثنائية التقابل في ديوان "شامة بيضاء" للفلسطينية إيمان زياد

 
بقلم: رشيد أمديون

أما قبل:


شامة بيضاء كتاب للفلسطينية إيمان زياد، صدر عن دار دجلة بعمان. يقع في 103 صفحة من الحجم المتوسط، يضم 129 نصا ما بين القصير والقصير جدا. 

نصوص الكتاب نثرية أخذت شكل الشعر المنثور، متحررة من الوزن ومن الايقاع الخارجي، ومحتفظة بحقها في خلق أبعاد تخيلية وإرساء العبارة على أرضية الإيحاء متجاوزة اللغة المباشرة والتقريرية... وعوضت الأرقام العناوين، وكأن الكاتبة ربطت كل نصوصها بعنوان موحد وهو ما وُسم به الكتاب، وبقيت الأرقام علامات مؤشرة فقط كنوع من التمييز.

وأما بعد:

أبدًا لا يمكن القفز على العوالم التي أصغت إلى نبضها الفلسطينية إيمان زياد، ولا يمكن تجاوزها إلى التركيز على الملمح الذي اخترتُه كزاوية نظر تخصُّ قراءتي هذه -لا يمكن ذلك- دونَ الإشارة إلى تلك العوالم، لسببين: 
الأول: أنَّ هذه (العوالم بالأساس) هي أثر من آثار الوجود الإنساني، لا يَمحوها إلا الموتُ (بداهة)، وهي بالنسبة للإنسان أشياء جوهرية تُحصِّنُه من الضياع المادي والحسِّي والنَّفسي معا، وتُعيدُهُ الشعورَ بجدوى الحياة واستمرارها. 
والسبب الثاني: أنها المشترك الذي يوحدُ شواغل التفكير والوجدان، فمُحال أن نجد إنسانا عاقلا مدركا لا يغلب على اهتمامه التفكير في مثل هذه الأشياء، ويلج عوالمَها باحثا عن المُفتقد أو مُحاولا تكريس الوعي بها داخل هذه الدوائر التي تُختزل في: الوطن/المرأة/الحرية/الذاكرة/الحنين/الحزن/الفرح..
وبهذا فإنَّ العوالمَ التي أثثت لها الكاتبةُ في مجموعة "شامة بيضاء"، لا تخرج غالبا على هذه الدوائر التي ذَكرتُ بإيجاز، مع العلم بداهة أن كثيرا من الأدباء بل كلهم (على اعتبار أن المشترك واحد) قاربوها سواءً جُملةً واحدة أو مفردة ،كل على حسب رؤيته وخلفيته الفكرية والمعرفية.. لكن إن كان السؤالُ المُلحُّ هو: ما الجديد؟، فسنقول: أن الجديد يكمن في كيفية التناول والتوظيف، لأن كل مبدع يصوغ نفس القضايا بشكل مختلف عن الآخر ويُصغي إليها بالنحو الذي يفرضه عليه وحي الإبداع وقلق الوجود، وهناك يكمن سر الإبداع وحقيقته وماهيته. ولهذا فإنَّ المبدعةَ ضمن مجموعتها "شامة بيضاء" تبدي رؤيتها الشمولية للأشياء، مُمتاحةً بعض الوجع إنْ لم نقل كله من الواقع، ثم مُحوِّلة رؤيتها إلى إبداع مقروء، مسترسل بلغة شائقة بديعة. لغة شعرية تغزو ثخوما أخرى قصدَ إنتاج المعنى، مرتكزة على الانزياح والمجاز وخرق الدلالة، وتطويع العبارة لتوافق الإشارة، واستنطاق الأشياء ومساءلتها بغية تصوير مشاهد من الحياة لا من خارجها ومن الواقع اليومي.. من عمق المأساة لا بعيدا منها. الكاتبة ترسمُ لوحاتها الفنية بآلية الحروف، وتلوِّنها بلون مختلف، قلَّمَا ننتبه إلى أهميته في الحياة، لأنه في عرفنا يُشكل الفراغات... لهذا فهي لم تلون إبداعها باللون الأحمر الدال على الدم، أو الثورة، ولا على الأسود الدال على الحزن والألم، وإنما بالأبيض الذي هو سمياء الفرح والأمل والمحبة.. رغم محيط يُنبث ألما وأوجاعا... 
ثم لعل أول خرق دلالي يقابل القارئ في هذه الإضمامة يتمركز في بنية العنوان الذي رُكِّب من كلمتين: (شامة بيضاء)، مما يُرغم القارئَ أن يعيد ترتيب مفاهيمه للأشياء بناء على هذا المعطى، وهذه العملية لن تتأتى إلا بقراءة مضمون الكتاب حتى تستسلم له العبارة ويُفسرها تفسيرًا مرتكزٍ على وظيفة الخيال كي يتسنى إدراك ما وراء لغة العنوان، وإدراك ماهية المَقولِ عند الكاتبة إيمان زياد. 
ومن المعلوم بمقتضى إدراكنا القبلي، أنَّ لون الشامة أسود وأن محلها الوجه، وهذا يحيلنا على تلك العلاقة ما بين السواد والبياض كلونين متناقضين، بيدَ أنَّ تناقضهما لا يمنع من تشَكُّيل الإنسجام بينهما، بحيث أن وجود الأول مرتبط بوجود الثاني، فالأسود (مثلا) لا يمكن أن يبرز ظهوره للرؤية إلا بوجود الأبيض، والعكس أيضا، بمعنى أن الشامة السوداءَ قد يتجلى وضوحها إن كانت على وجه مُبيض، لكن أن تُعكَس الصورة فهذا ما قد يوقفنا على عتبة التأويل، خاصة وكما قلنا أن عبارة شامة بيضاء تُربك كل معرفتنا بالأشياء، وبالتالي وجب خلقُ تصور جديد مبني على عملية إنتاج معنى جديد له دلالة أخرى مستوحاة من انعكاس الصورة الحقيقية على مرآة المجاز، واستخلاص المغزى من الدلالة الغريبة إلى ساحة المألوف، بمعنى رفع ستار الغرابة عن القول كي يتجلى مألوفا حين تتضح حمولته المَقصدية، فالشامة البيضاء فرحٌ وسط سواد الحزن والألم الممتد والمتسع كلَيلٍ أرخى سدوله.. هي فرح وتفاؤل وأمل في عالم ينزع إلى السواد والعتمة ويتلون بلونه. تقول: 
"سأبسط كفّي.. حديقة/تتأهب بين شقوقها المراجيح/ وتدوّي في سمائها/فتنة التحليق/فينشغلُ بها الموتُ/ عن أطفالنا/ولو برهة"ص11 
وإنه نوع من استراق الفرح الضئيل وسط عوالم مزعجة ومقلقة: " يُحدثُ السّريسُ/حياة في شق مهجور"، أو كما صورت لنا الكاتبة في النص (51) من صفحة: (40/41)
وبهذا يكون هذا الفرح بقدر وحجم الشامة التي هي جزء ضئيل جدا مقارنة مع المساحة الأخرى. لكن في المقابل لا يمكن أنْ يبرز هذا الفرح في غياب الحزن أو في انعدامه! فنقطة بيضاءَ واحدة تكفي أن تَظهر في ثوب أسود، بل قد لا تكون نشازا حين تأتي في موضعها المناسب، فتُجمِّل ما استقبحَهُ الذوق واستنكرته الفطرة سالفا، كما أنها تُجمِّل حياةَ الإنسان ببعض لمسات الفرح والسرور وسط سواد الحال.
ثم، وبناءً على القرينة التي تم الاستدلال بها سابقا يتضح أن المبدعةَ الفلسطينية تدعو الإنسان إلى إنتاج سبل الفرح ضمن واقع مليء بالمنغصات، ورغم الحزن والألم الغالب على سيرورة الحياة ورغم الواقع الموجع اجتماعيا وسياسيا، خاصة وأنه لا يمكن تَجاهل الإشارات التي جاءت في سياق كثير من النصوص تومئ إلى حال أطفال غزة الصامدة تحت قصف الاحتلال الصهيوني والجرح الفلسطيني.. فإنه على الأقل يفتح الإنسانُ من الحياة نافذةَ أمل وبسمة حتى إن كانت بقدر كوة صغيرة. وكما قال المتنبي: لا تحسبوا رقصي بينكم طربا / فالطير يرقص مذبوحا من الألم.

وفي تصور آخر: البياض ليس حيز الفراغ بل هو موطن الفرح..

وكما يحيلنا هذا المفهومُ على ثنائية التقابل بين الأبيض المتمثل في الشامة كالفرح، والأسود الذي يمثل أحزان الحياة ومعيقاتها وجراحاتها، فإنه يحيلنا أيضا على مفهوم الحضور والغياب كثنائية أخرى خاضعة لمنطق التقابل، فإن كان الأبيض لا يَبرز إلا على السواد، (كالبدر في سماء الليل) والأسود لا يبرز إلا على البياض، فالغياب لا يتحقق معناه الأصلي إن لم يكن هناك حضور سابق، وبالتالي فالحضور لا يَستشعر أهميتَهُ الإنسانُ إن لم يكن هناك غياب يتربص بلحظة الحضور، ويبعثر مشاعر الإنسان، ويُربك احتمالاته، تقول: "علِّمها... وأنت تهشّم بالفأس/ وجودا معطوبا مسه الغياب"ص40

وبهذا فمن خلال قراءتي للإضمامة أبصرتُ ملمحَ الغياب، سواء جاء في الكتاب تصريحا أو تعريضا أو ذُكر نقيضه الذي هو الحضور..

وبما أن تيمة الغياب شغلت نصوصا كثيرة في الكتاب فهذا يدل على أنه يعتبر من شواغل الذات عند الكاتبة عقلا ووجدانا - ومع ذلك لا يمكن تقزيم مفهوم الغياب داخل الإضمامة، فهو مفهوم فضفاض، لأن أي شيءٍ مفتقد قد يتبنَّاه هذا المفهومُ، كغياب الكرامة، الحرية، الفرح، النخوة، غياب الأحباب باستشهادهم في مقاومة الاحتلال، غياب حق المرأة في إثبات ذاتها، كينونتها كما ألمحت الكاتبة في أكثر من نص...- ولنقل أيضا أن الكاتبة تحاول أن تؤسس الوعي به وبما يُخلِّفه من أثر نفسي على الإنسان عموما في ظل متغيرات الحياة، أو أنه محرك ديناميكي يزج بالاحساس في دائرة الحزن العميقة: "يحزن لخطوي الخالي منك (...) /ليتها تشفق الطرقات أيضا عليَّ... /تضع في كفي أنفاسك..."ص17 

كما تصور لنا الكاتبة بلغتها الشعرية المغسولة بالجمال تلك الحالة العميقة التي تستحوذ على الذات الشاعرة بشعور بالافتقاد والحنين إلى الغائب، بعد الرحيل، فهي تقول في نص (30): "مذ رحلتَ/وأنا أجرب/فضّ علاقتي/بمقبض الباب"ص28، على ما يدل أن الكاتبة تشير إلى الذات التي تعيش لحظة انتظار وترقب وحالة من التوهم بعودة الغائب من نفس الباب الذي رحل منه، لكن شيئا بداخلها يوَجّهُها نحو حقيقة مفادُها أنه لن يعود، (لأن الراحل بخلاف المسافر) لهذا فهي في حالة من الصراع ما بين أمرين، الأول ارتباطها وجدانيا وعاطفيا بأمل العودة: "وما زال الهواء مشحونا بالأمنيات"36، والثاني محاولة الاقتناع عقليا بأن باب عودته لن يُفتح من جديد، لهذا فإن تجربة فضّ علاقتها بمقبض الباب تُسقطها في حالة التجاذب بين العقل والعاطفة، على اعتبار أن مقبض الباب جزء من الكل الذي هو باب الحضور المحتمل والمفترض، كما أنه في المقابل باب الرحيل الذي ترك أثر الغياب في ساحة النص على قصره. ومع ذلك فالنص يوحي باستمرارية الفعل...
وفي ظل معنى الغياب قالت في نص آخر: "..لو أن يده تعرج/ نحو الهاتف /لينفذ بريقي/ نحو النصف الاخر/ من الكرة/ الأرضية"36
وفي هذه الحالة التي تتخللها مشاعر الإفتقاد والاحساس بالحاجة إلى الغائب الذي أسره الغياب ومنعه من تحققه في عالم الحضور، فهي تصرِّح: "وأنت تنقر قلبي بالغياب"79 
الغياب الذي يضيِّق ما رَحُبَ من الحياة ويُجمِّد حركتها وحيويتها ويعرقل مسار الفرح المتجدد في عمق الذات، فتشبه (الكاتبة) هذا الحال بـالاختناق فتقول: "الاختناق، توقف الوقت تماما عند غيابك"83 

بهذا نلمح أن الغيابَ منتج للحنين والحزن: "وتغمض جرح الغياب"11، والحضور منتج للفرح: "صدري فجرٌ يمزق العتمة"37، فمُبتدأ الغياب هو الفراق: "ومشينا إلى الفراق كل يجر المسافة نحوه"30، ومبتدأ الحضور هو اللقاء: "ها أنا حييت لأرى روحي تمشي على الشوك ...ثم نمضي رفيقين مسهما الفراق"10. بيد أن حالة الحضور زهيدة مقارنة مع حالة الغياب المستأثرة بالمشهد، لهذا كان الألمُ والحزنُ عميقين ومتسعين لا تظهر وسطهما بقعة الحضور إلا بحجم شامة بيضاء، تشع بالأمل والفرح وسط سواد عريض.

نشر المقال أيضا على جريدة الأيام الفلسطينية

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة