[ مدونة رشيد أمديون

يعقوب المنصور والمالكية


(من سلسلة لمحات تاريخية التي نشرتها على صفحتي بالفيسبوك في شهر رمضان)

لما جاء يعقوب المنصور إلى خلافة دولة الموحدين، حملَ الفقهاءَ والعلماءَ على المذهب الظاهري ومنع العمل بالمذهب المالكي الذي كانت تعتمده دولة المرابطين قبلهم - بل وبنيت عليه - لأن الفقيه المالكي عبد الله بن ياسين هو أول من أرسى دعائم دولة المرابطين بقيادة يحيى بن ابراهيم الجدالي وقد سبق أن تحدثت عن ذلك في لمحة سابقة... 

أمر المنصور الموحدي ولاته في كل من المغرب والأندلس بجمع أمهات كتب فقه المالكية وإحراقها بعد تجريدها من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وكما ذكر عبد الواحد المراكشي الذي عاصر هذه الفترة حيث "كان قصده في الجملة محو مذهب مالك وإزالته من المغرب مرة واحدة، وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث، وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده (يقصد أبو يعقوب يوسف وعبد المومن الكومي) وإلا أنهما لم يظهراه وأظهره يعقوب هذا"(1) وأمر كل الفقهاء بالعمل بظاهر الكتاب والحديث وأن لا يدرّسوا شيئا من فقه المالكية.
لكن على ما يبدو أن فقه المالكية لم يمت ولم يفارق وجدان فقهاء المغرب، فقد عاد العمل به بعد ذلك، رغم أن المنع كان بسلطة السيف.
عاصر هذه الحقبة الشيخ الفقيه الصوفي أبو مدين شعيب بن الحسن المشهور بسيدي بومدين، المدفون بتلمسان، وقد توفي وهو في طريقه إلى الخليفة المنصور الذي أرسل إليه ليَنظر في أمره بسبب وشاية بعض الفقهاء... وأيضا القاضي والطبيب والفيلسوف أبو الوليد ابن رشد الذي أحرقت كتبه في هذه الفترة، والصوفي محيي الدين بن عربي...

__________________________________
(1) المعجب في تلخيص أخبار المغرب تأليف عبد الواحد المراكشي. تحقيق محمد سعيد العريان. ص:354/356

عقبة بن نافع وكسيلة

(من سلسلة لمحات تاريخية التي نشرتها على صفحتي بالفيسبوك في شهر رمضان)

أبو مهاجر دينار، كان قد ولاه مسلمة بن مخلد الأنصاري في خلافة معاوية بن أبي سفيان على إفريقية(تونس)، فأساء (أبو مهاجر) بعزل عقبة واستخفَّ به لشيء كان بينهما - كما يذكر ذلك الناصري في الاستقصا- ثم توغل أبو مهاجر في ديار المغرب حتى وصل إلى تلمسان بعد أن هزم جيش الزعيم الأمازيغي كسيلة الأوربي من المغرب الأقصى وأظهر كسيلة الإسلام هو وكثير من قومه، واستبقاه أبو مهاجر واستخلصه. 
لما وصل عقبة بن نافع إلى المشرق شكا إلى معاوية معاملة أبي مهاجر له، فوعده بإعادته... 
ثم ولاه بعد ذلك يزيد بن معاوية على المغرب سنة 62 هـ، وبهذا وجدها عقبةُ فرصة للنَّيل من أبي مهاجر، فاعتقله وحمله معه موثقا بالحديد، وخرب مدينته وعمَّر القيروان، وتوغل في المغرب الأقصى، إلى أن وصل إلى البحر المحيط. 
كره عقبة كسيلة لصحبته أبا مهاجر، فكان يحتقره أمام قومه، وقد نهاه أبو مهاجر (المقيد) عن ذلك ولكن لم يحفل به. ولما بعث عقبة معظم جيشه إلى القيروان واحتفظ بالقليل معه، وجدها كسيلة فرصة فصار هو وقومه يتعقبونه، حتى بلغوا منطقة تسمى الزاب (بالجزائر حاليا) فقضى على جيش عقبة الصغير وقتله. ولتبدأ بذلك مرحلة أخرى صعبة في مواجهة ثورة كسيلة التي كان مرجعها إلى سوء معاملة عقبة بن نافع الفهري رحمه الله.


المراجع:
المغرب عبر التاريخ – ابراهيم حركات- دار الرشاد الحديثة- ج:1 صفحة 77/78
الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى – الناصري – دار الكتاب - ج:1 صفحة:136/137

ديهيا

(من سلسلة لمحات تاريخية التي نشرتها على صفحتي بالفيسبوك في شهر رمضان)
.
كان للملكة الأمازيغية "ديهيا" (585 م - 712 م) أو كما أطلق عليها العرب "الكاهنة" أولاد بالتبني من بينهم ولد عربي اسمه خالد بن يزيد القيسي والذي أسرته لما هزمت جيوش القائد حسان بن النعمان بواد مسكيانة (بالجزائر حاليا) وأبعدتهم عن معظم أراضيها إلى أن أخرجتهم من منطقة تونس (الحالية).وورد في كتاب الروض المعطار (ص 66) أن ديهيا قالت لأبنائها حين تيقنت أنها مهزومة: "إني مقتولة وإن رأسي موضوعا بين يدي ملك العرب الذي بعث إلينا بهذا الرجل (تقصد حسان بن النعمان)، فقال لها خالد بن يزيد وولداها: فإذا كان الأمر هكذا عندك فارحلي وخلي البلاد، قالت: وكيف أفر وأنا ملكة والملوك لا تفر من الموت فأقلِّد قومي عارا إلى آخر الدهر، قالوا لها: أفلا تخافين على قومك؟ قالت: إذا مت فلا أبقى الله منهم أحدا في الدنيا، قال لها خالد بن يزيد وولداها: فما نحن صانعون؟ فقالت: أما أنت يا خالد بن يزيد فستنال ملكا عظيما عند الملك الأعظم وأما أولادي فسيدركون بإفريقية ملكا عظيما مع الملك الذي يقتلني، ثم قالت لهم: اركبوا فاستأمنوا إليه فركب خالد بن يزيد وولداها بالليل إلى حسان بن النعمان..." 

ويذكر ابن خلدون أنه كان للكاهنة ابنان لحقا بحسان وحسن إسلامهما واستقامت طاعتهما، وعقد لهما على قومهما "جراوة" بجبال الأوراس (بالجزائر). 

وكانت الكاهنة "ملكة جميع من بإقريقية من الروم منها خائفون وجميع البربر لها مطيعون" كما أنها حكمت شمال إفريقيا لمدة 35 سنة وكانت عاصمة مملكتها "خنشلة" بالأوراس.



المراجع:
- الروض المعطار في خبر الأقطار- محمد بن عبد المنعم الحميري- مكتبة لبنان- تحقيق إحسان عباس.
- البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب - ابن عذاري المراكشي.
- ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر - عبد الرحمان بن خلدون - دار الفكر للطباعة والنشر.

انتفاضة السؤال في ديوان "هل تمطر السماء نسيانا؟"

تقديم                                                                                            بقلم: رشيد أمديون

“هل تمطر السماء نسيانا؟” دوان شعر لأمل بوخريصا. يقع في 83 صفحة من الحجم المتوسط، بغلاف أنيق من تصميم رشيد أمديون وتتوسطه لوحة فنية للفنان التشكيلي عبد الحق الغيلاق.

تطرح الشاعرة سؤالا وجوديا اتخذ موقعَ عنوانٍ وَاسِم، يتوسط غلاف ديوانها الأول، صاغته بلغة أدبية شعرية لا تخلو من خيال مرسل يفتح بابه لتصورات شتى، للتأويلات وللفهم المتعدد، لا حجر على العقول ولا وصاية.. لعلها بهذا تريد أن تشركنا في عوالمها المتخيلة، وليس هذا فقط بل أن توصل إحساسها المنجذب نحو البوح، أو لعلها -وهذا افتراض- تريد أن تتوسل بالنسيان، كحالة خاصة تنتشل الإنسان من ضغوط الحياة، ومن تراكمات الماضي في عمقه فتتخيل لنا نحن الذين نقف موقف المتلقي أن النسيان رحمة قبل أن يكون آفة بالمفهوم المتعارف عليه، لهذا قد يصبح كالمطر نحتاجه لنحيا كما كل الكائنات، النسيان نحتاجه لتمتد بنا الحياة ولا تتوقف في نقطة امتلاء أو انفجار.

الامتلاء من ماذا؟ نعم هذا هو السؤال..
الامتلاء من الإحباط، من القهر، من جراح وكدمات التجارب التي نصاب بها، من اخفاقات التاريخ وانكساراته.. إن النسيان علاج، تفريغ، “فرمطة” بالمعنى الإلكتروني للكلمة. نعم، لهذا حُقَّ للشاعرة أن تتساءل.. إنها تتساءل فقط، فلماذا لا نشاركها السؤال؟.

يُعتبر العنوان هنا، وبالنسبة لنا واحدا من عتبات القراءة التي تنضاف إلى العتبات الأخرى، كاللوحة الفنية، وشكل ولون الغلاف، ونوع الخط الذي كُتب به اسم صاحبة الديوان، وخط العنوان وغيره.. ثم العبارات المقتبسة، كعبارة أحمد شوقي، ومحمود درويش، وأحلام مستنغامي، ثم الاستهلال الذي خصصته صاحبة الكتاب تتحدث فيه عن الشعر… وصولا إلى الاهداء الذي جاء تعبيرا عن اصرار على فعل الكتابة وتحدٍ صارخ في وجه اليأس والمحبطات…

تطرح الشاعرة عنوانها المتسائل وهي تدرك جيدا أن الجواب عنه لا يُتعبر أحد المطالب التي تطالب بها القارئ، فالجواب عنه غير ملزم، لكنها في المقابل تلفت انتباهه إلى أحقية الاهتمام بقراءة المضمون، الذي هو نصوص بلغ عددها 29 نصا يتشكل فيها المعنى تشكلا بلاغيا، يمرر حينا خطابا نقديا يتناول واقعنا العربي والإنساني (والإنساني هنا بمعنى العلاقات العاطفية والحسية)، وحينا تتوسل الشاعرة بلغتها لتكسبها شفافية ومرونة تقبل التشكيل والتعبير ولكي تنظر من خلالها إلى الداخل أو بتعبير شيخ القصة المغربية أستاذنا أحمد بوزفور، “النظر إلى بحيرة القلب”، أو كما عنون به مجموعته القصصية السابقة “نافذة على الداخل”، على اعتبار أن الرؤية وخاصة رؤية الشاعر قد تكون إلى الداخل، أي إلى داخل الذات والخاطر حيث تنعكس صور الأكوان والأشياء، وبتأثيرها على بحيرة القلب التي إن ارتمى بها شيء أو سقط فيها أحدثت تموجات، هذا ما نجد أمال بوخريصا تحاول أن تعبر عنه حين نظرت إلى بحيرة قلبها، فرأت الأثر الذي أحدثه جبن العرب وصمتهم بقسوة أمام ما تعانيه فلسطين.. جرح فلسطين الذي جعل النخوة العربية انتهت صلاحيتها منذ قرن (نص: صمت) . وتأثرت بأحداث سوريا، والتي أشارت إليها بـ”بلاد الخصيب”، وتأثرت بالشهداء وضحايا الظلم الذين نشدوا الحرية (نص: اغتيال)، ورأت وضع المرأة العربية فاستجابت حروفها لتنتصر لبنات جنسها مستلهمة قصة شهرزاد مع شهريار.. ثم أرْجعتِ البصر مرتين، وعادت لتنبئنا أن الحب قيمة إنسانية أخلاقية، وما أحب من خان، ولا أحب من لعب بمشاعر من أهداه قلبه..

“هل تمطر السماء نسيانا؟” ديوان يحمل عنوان القصيدة الرابعة في الترتيب الذي اعتمدته أمال في اخراج هذا العمل الأدبي الذي هو باكورة أعمالها، تنطلق من خلاله كي تعلن لكل من يلج عوالمها أن الشعر انصات وتذوق وإحساس.

فاقرؤا إن شئتم، واستعينوا بالخيال لإطعام المعنى وملئ الفراغات، فما سُكت عنه أكثر مما قيل، وما قيل لا يتصل دون ملئ الفراغات.

محنة القاضي عياض السبتي


(من سلسلة لمحات تاريخية التي نشرتها على صفحتي بالفيسبوك في شهر رمضان)

القاضي أبو الفضل عياض السبتي (1083م – 1149م)، أحد فقهاء المغرب وأحد رجالات مراكش السبعة المعروفين. وقف هذا الرجل في وجه الموحدين حين رأى أنهم أكثروا القتل في المسلمين من أجل توحيد المغرب تحت رايتهم بعدما قضوا على المرابطين وسقطت في يديهم عاصمة الدولة المرابطية مراكش. وكان قد أمر عبد المومن الكومي (أول حكام الموحدين) القاضي عياضَ بأن يؤلف كتابا يقرُّ فيه ويعترف بدعوة ابن تومرت الذي ادعى أنه المهدي المنتظر وأنه الإمام المعصوم، وسمى أتباعه الموحدين، كما ادعى أن عقيدة المرابطين فاسدة وأنه يحق قتالهم، فأرغم الموحدون الناسَ على بيعتهم، حتى قضوا على دولة المرابطين. 

رفض القاضي عياض الاعتراف بمهدوية محمد بن تومرت وبعصمته ، وأعلن أنه لا عصمة له وأنه مدع دجال، فقتل بالرماح وقطع جسده إربا، وجمعت أشلاؤه ودفن بمكان غير معروف بمراكش دون أن يغسل ولا أن يصلى عليه، وجعلوا تلك المنطقة التي دفن فيها للنصارى حتى عثر على قبره في عهد الدولة المرينية التي جاءت بعد ذلك وقامت على سقوط الموحدين.

رشيد أمديون

المطر في شوارع المغربي محمد الشايب.. دلالة اللفظ (4)




الجزء: الأول - الثاني - الثالث
نشر في القدس العربي


بقلم: رشيد أمديون
الجزء الرابع والأخير
وبين تحولات الحياة يقول الكاتب حكاية العوالم التي وصل فيها التناقض بين الذات ومحيطها (قصة: شوارع الليل)، وصارت التزامات الحياة كمطارقَ في الرأس لا تُعدُّ ولا تحصى(قصة: كم مطرقة في الرأس؟)، إنه يقول حكايةَ امتلاك الفرح وفقدانه في نفس الآن بين شوارع الضياع والتيه والجنون، وألم ضياع أمجاد الماضي، ضياع إشبيلية/ الأندلس/ اعتماد، غربة المغرب في (شارع غريب) يطل على التاريخ وتناقضاته...

 حكايات نصوص "الشوارع" تشير إلى عزلة الذات بين تناقضات الحياة وضجيج العالم وزيفه، قصص لا تقول الخارج والمادي بل تقول وتعبر عن الحميمي واللامرئي والمغيّب وذلك الوجود في عمقه الإنساني.
إنها نصوص توحي أكثر مما تنص، وتثير أكثر مما تعين، وحافزها الدائم إنسانية لا تستكين.(7)

 إن السير في شوارع محمد الشايب يؤهلك كقارئ أن ترى شخوص قصصه تفكر، تحزن، تتذكر وتحن- عفوا، بل إنك تعيش كل حالاتها- وتبحث عن فرح مؤجل عن أمل غائب، عن حرية لم تمطر سحابتها.. يؤهلك أن ترافق السارد يدا في يد يقودك إلى مشاهده وينقل الصور كما رآها. إن محمد الشايب لا يحكي حدثا بشكل تقريري مباشر تخرج منه العبارة جافة ضامرة، لأن الفكرة لديه لابد أن يحوِّلها إلى احساس وشعور، لهذا وأنت تقرأ له ستبتل بالمطر الذي ابتلت به شخصية النص، وستجري وتركض في طرقات المدينة حتى تتعب من البحث عن أشياء مفقودة، ستسمع نداءات الذات.. والماضي والمستقبل والحاضر والتاريخ، سترى طيف اعتماد الرميكية قد لاح كانبعاث جديد... ستسافر في القطار وتجلس مع الشخصيات، وتزاحم الركاب الصاعدين والنازلين في المحطات، كل ومحطته.. ومحطتك أنت هي نهاية النص وهي العتبة إلى الدخول لنصك المفترض.. ستقف في ساحة الحافلات بالقنيطرة وتشاهد حركة الصراع فيها والنيران التي شبت..، إن محمد الشايب لا يصف لنا المطر أو يحكي لنا شعوره حين بللته قطراته، ليس هذا هو رهان القصة الفنية عند الشايب، بل الرهان أنه يجعلنا نبتل فندرك الشعور ونعيش الحالة بأنفسنا. ثم يجعلنا نحتار في شخوص قصصه، هل هي أنا أم أنت أم هو.. ونندهش للنهايات تارة ولسحر التأويل والغرابة نستسلم تارة أخرى.

 إن الذي يلج شوارع محمد الشايب لن يتوه إن تخلى عن القراءة السطحية وغاص في النصوص كي يستخرج لؤلؤها لتستسلم وترخي مفاتنها التي تواريها عنك.. أيها القارئ.

 الهوامش

1 - الآية 24 من سورة الروم
2 - موطأ مالك- باب ما جاء في الاستسقاء الحديث رقم 515
3 - الآية 13 من سورة غافر.
4- مجمع الأمثال للميداني – ج:2 – المثل 4677
5- د.محمد كراكبي – استثمار اللسانيات في قراءة النص الشعري (تحليل قصيدة السياب المطر)
6- من قصيدة: نشيد للحرية من ديوان "وطن الهجرة"- منشورات المجلس القومي للثقافة العربية/الرباط الطبعة الأولى 1992. ص:135
7- حسن المودن - مغامرة الكتابة في القصة القصيرة المعاصرة. القصة القصيرة بالمغرب أنموذجا. دراسة نقدية - منشورات اتحاد كتاب المغرب - مطبعة عكاظ الجديدة، الرباط 2013- ص: 101

شاط الخير على زعير، شاط الخير على موازين



رشيد أمديون

صدقَ الأوّلون إذ قالوا "شاطْ الخير على زْعير* حتى فرقوه بالبنْدير"، ولو نظرنا إلى عمق هذا المثل الشعبي الذي يختزل صفة من صفات زعير، لوجدنا أن هذه القبيلة في محطاتها التاريخية، كانت مضرب المثل في السّخاء والكرم، واكتسبت هذه السّمة حين أتت على بعض قبائل المغرب المجاورة لها سنة من الضّيق، فأوشكت على الهلاك، فلجأت إلى هذه القبيلة لتمدّها بالحاجيات الضرورية لأنها ذلك العام حصدت الخير الكثير فغنمت إلى درجة أنها وفرت اكتفاء ذاتيا وزادت عليه، فكانت توزّع المعونات على القبائل التي توافدت عليها، بإقامة احتفالات شعبية تُضرب فيها الدفوف (البنادير)، كمظهر من مظاهر السعادة والفرح، والكرم... إلى أن ارتبط الحدث بقبيلة زعير فصار مثلا يُضرب، كناية عن السخاء والفضل، والكرم، خاصة وأن الخير توفر لديها حتى صارت توزعه بضرب الدفوف كناية عن تلك الحفلات التي كانت تقيمها، ولا بأس أن أسوق المثل الآخر المعروف -كتعليق على هذه الحادثة- والذي يقول: "من كتشبع الكرش كتقول للراس غني).*

وإن كان المثل السابق قد فُهم عند المتأخرين بخلاف مقصده، فوجدنا أن من الناس من يسوقه في مقام القدح، حين يصادفون شخصا بخيلا لا يُرتجى كرمُه، فيقولون شاط الخير على زعير... على العموم هذه الإضافة فقط للتوضيح، فليس هذا هو قصدي من إدراج المثل، بل الغاية منه أنني أعتقد أن هذا ما صار يحدث الآن في الآونة الأخيرة، وبالتحديد في السنوات الأخيرة التي بدأ المغرب ينظم فيها مهرجانه السنوي، مهرجان مغرب الثقافات، موازين. فهل (شاط الخير) على هذا الأخير ليوزعه بالبندير (الدّف)؟ 
هل المغرب يرفل في النعيم إلى غاية أنه يوزعه بإيقاعات العالم؟ قياسا على قبيلة زعير قديما، مع أن المهرجان حديثا يقام على أرض من أراضي زعير...
المغرب في عمق أزماته غارق في الخير إلى أنه صار يوزعه بمبالغ خيالية على فنانين العالم. ونعم السخاء يا أهل الكرم والجود، ونعم السخاء. فارقصوا على غير شِبعٍ.

* زعير: قبيلة مغربية كبيرة، وهي الان تضم منطقة الرباط وسلا والخميسات وبعض المدن الآخر المجاورة لها..
*عندما تشبع البطن تقول للرأس غنِ

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة