[ مدونة رشيد أمديون

لمحة تاريخية (1)

1- بين الغزّالي ويوسف بن تاشفين


...وكانت هناك مراسلات بين حجة الإسلام أبي حامد الغزّالي وأمير المسلمين في عصره الملك المجاهد يوسف بن تاشفين اللمتوني أمير دولة المرابطين التي ساهم في تأسيسها الفقيه المالكي عبد الله بن ياسين الجزولي تلميذ الفقيه وجاج بن زلو اللمطي تلميذ العلامة أبي عمران الفاسي المالكي، والأمير يحيى بن ابراهيم الجدالي، ومن بين هذه المراسلات أن ابنَ تاشفين أرسل رسوله إلى المشرق ليطلب من الغزَّالي فتوى غزو الأندلس بعدما أفتاه فقهاء الأندلس بجواز ذلك لتوحيدها والقضاء على ملوك الطوائف الذين قسموا البلاد وتجبروا وحارب بعضهم بعضا... فأجاز الغزالي له ذلك. 
كما أن ابن تاشفين بعد ذلك بعث إليه يطلبُ منه أن ينتقل إلى المغرب، فلبى دعوته وخرج مسافرا، ولكن ابن تاشفين توفي فبلغ الخبرُ الغزالي فعاد من الطريق إلى بلده. وهكذا حرم المغرب من دخول فقيه وصوفي وفيلسوف إلى أرضه، بيد أن علمه بلغه...

السخرية كمرتكز نقدي


السخرية كمرتكز نقدي

في المجموعة القصصية "رحلة الصيف والشتاء"

للقاص محمد إدارغة

بقلم: رشيد أمديون

رحلة الصيف والشتاء.. رحلة الانتقال في الزمن والمكان. رحلة بين المتحول والمتغير النفسي /الاجتماعي/الثقافي.
أتوقف عند هذه المجموعة قارئا عاشقا لنصوصها، أُوقِد شموعَ النباهة علِّي أبصِر المغزى وأغوص في عمقها لأستجلب دُررَ المعاني من نصوص ذات نمط مختلف في الحكي حافلة بالغرائبي، والخيال، والحلم كوسيلة للإنطلاق إلى الشساعة والحرية قصدَ الانفلات من الضيق والـمُقَيّد... والحلم والخيال ملجأ خصب لقول الواقع وتفكيكه وإعادة دمجه بالشكل الذي يفرضُه الوعي واللَّاوعي : " قلت: وأجمل منه أن نبني حلما على أرض الواقع.."1
إن هذا الحكي يَشعُ بتقنية الوصف التي أضفت على السرد رونقا وبهاءً، يشد القارئ إليه بنشوة ماتعة تُغريه ليزيد توغُّلا في القراءة، بداية بالنص الأول "هل للفراغ محل من الإعراب؟" ثم قصة "العجين" إلى نصوص أخرى يتعاضد فيها الوصف بالسرد أو كما سماه الناقد ادريس زايدي: "سردية الوصف بحيث يصبح التوصيف الدقيق تقنية شاملة للعمل القصصي".
القاص والناقد محمد إدارغة يوقد جذوة الجمال من نار السرد، ويُطَوِّعُ بنية اللغة بمهارة فنية لبناء هيكل النص الشامخ، ويُشيِّد صومعة المعنى بتؤدة ورويّة، ويعطي عناية كافية للفظ وللعبارة وما بينهما من إشارات دالة وذات بُعد إيحائي قائمة على التأويل أو على اشراك القارئ ومُصراحته "لأن الكتابة هي فعل مشترك بين المرسل والمرسل إليه" كما أشار إلى ذلك الناقد إدريس زايدي في مقدمة الكتاب. وهذا الإشراك يكون ضمن عملية السرد -أيضا - بُغيَةَ احتواء القارئ داخل لعبة البحث – حتى  ولو بعد الانتهاء من قراءة النص- هذا البحث الذي يلح على إيجاد المخرج للإشكالية أو الكشف عن الجواب للسؤال أو الأسئلة التي يمكن أن يقوم النص بإيجادها أو بإحيائها عبر ما يمارسه الكاتب من عملية تأجيج القلق المفترض لدى المتلقي سواء عبر سياق وصف المكان أو سرد الحدث أو حركة ونمط تفكير الشخصيات التي برزت بدورها -هنا- بتركيبة نفسية متناقضة بناءً على ما تعيشه من حالة انفصام أو ما تعانيه من مجابهات في صراع دائري تشكله ثلاثة أشياء:  الواقع /الثقافة /الموروث.

*********
إن تجربة القاص محمد إدارغة القصصية في مجموعة "رحلة الصيف والشتاء" تتخذ الكتابة مساحة شاسعة لتأسيس لبنات النقد الاجتماعي والسياسي والأخلاقي، هذا النقد الذي لا يخلو كثيره (في نصوص المجموعة) من عنصر السخرية سواء كانت سخرية ظاهرة أو مضمرة تمَّ التعبير عنها بالتعريض أو بشكل غير مباشر فإنها أتت غالبة على طبيعة النصوص، وكأنها تؤطر رؤية السارد للواقع والمجتمع الذي تفككت وتباعدت علاقة أفراده بالقيم والمفاهيم الجادة، وحلّت السلبية التي أثرت على نسيج المجتمع ثقافيا ونفسيًا وسياسيًا.
والسخرية تقنية تقبلُها القصة القصيرة كوظيفة نقدية يُرتجَى من ورائها طرح المفارقات لإبراز الخلل الذي يعتلي الممارسات الفردية أو المجتمعية، وفضح الظوهر المستترة والسلوكيات السلبية، فهي لا تفرض قوتها في المجموعة قصد الاضحاك أو الإستهزاء  بل هي تترك بصمتها الخاصة، كـ" أسلوب يتخذه الكاتب ليتبنى موقفه من الواقع والعالم من حوله، وهي طريق سهل للنقد، والوصول بالقارئ"2، كقصة "لحوم في المزاد العلني" التي تناولت لفظتي الشيوخ والشيخات بشكل ساخر يفضي إلى تأويلات شتى تبني أفقا ساخرا في الواقع على أساس موروث شعبي أُريدَ له الانحراف...
ويلجأ الكاتب – غالبا- إلى السخرية لأنها وبتعبير  فولفغانغ: " ذرة الملح التي تجعل ما يقدم إلينا مستساغا"، خاصة "عندما يواجه (الكاتب) واقعا متصلبا، لا يسمع ولا يفهم  ولا يبالي، فيكون مضطرا إلى مواجهته بأساليب مختلفة، ...، فهي أفضل أسلوب لانتقاد الواقع"3 ، وكشف مساوئه، ومثل هذا نجده في قصة "رحلة الصيف والشتاء" التي تكشف معاناة رجل التعليم في رحلة أداء الوظيفة داخل بيئة وعرة التضاريس شديدة القسوة... وقصة "زغرودة في كأس" الذي كان بطلها يحاكم واقعه المقهور إلى قواعد الإعراب إنطلاقا مما يراه من تعامل نادل المقهى معه بسبب ظروفه الاجتماعية المهمشة في الوقت الذي يحاكم فيه الأخرون الأشخاص إلى شكلهم ومظهرهم الخارجي ومستواهم الإجتماعي: "ولما يجهدك الفكر ويستعصي الرد تستغيث كعادتك بسيبويه، وأنت المولع بإعراب الأشياء فليأتيك من محفوظ الذاكرة جواب جاهز: ضمير مشتهر في محل رفع فاعل، وتبقى أنت المفعول به على الدوام.." (ص 48).
وللإشارة فعنوان "زغرودة في كأس" يحيلنا على فهمين، الأول: إما أنه استوحاه الكاتب من المثل الدارج "الماء والزّغاريد" الذي يطلق على القهوة أو الشاي السيء، على اعتبار أن نادل المقهى المستفز أحضر له في المرة الأولى ما يشبه البن فقال: " قد يكون مزيج رواسب كأس بماء ساخن ليس إلا". والمعنى الثاني أنه قد يكون نوعا من الانتصار الذي حققه بطل القصة في نهايتها حين أحضر له النادل في المرة الثانية بعد اهتمامه بهيئته وهندامه، البن - ماركة مسجلة- وبهذا يُفهم من أن الزغرودة  تابعة لموقف مفرح حقق فيه بطل القصة انتصاره النفسي الموهوم ونوعا من التعالي على النادل الذي أشعره قبل بالاحتقار باعتبار أنه يعامل الزبائن بهيئتهم وبنوع من العنصرية الطبقية.
وفي قصة جنون فوق العادة تبرز ملامح السخرية بشكل جد مختلف تتمحور حول الكتابة والمرأة وصفة الجنون التي قد ينعثُ بها الآخرون من اختارَ الكتابة والتعبير عن هواجسه الكامنة وتسطير ما يختلج في صدره، ولو على سبيل الخيال لا الحقيقة.
كما يشتغل نص "حكاية قصة لا تأتي" على هاجس الكتابة أيضا. فبطلها يطارد خيط البداية لقصة شاردة هاربة: " قلت: القصة القصيرة كميدان سباق الخيل، أهم ما فيها بدايتها. والبداية لا تريد أن تأتي".

والسخرية هي محاولة إعادة الحياة المستحقة، الجديرة بأن تعاش إلى سياقها الصحيح. وعلى رأي الأديب الألماني ريلكه "أبذل قصارى جهدك لاستعمال السخرية كأداة إضافية لتملك الحياة"، وأن تملك الحياة يعني أن ترها ذات معنى، لأن حياة بلا معنى لا قيمة لها.
************
كما تتنوع فضاءات نصوص هذه المجموعة القصصية:
المدينة، البادية، الحي (حي الوفاق)، المنزل، فلسطين، السطح...
لكن القاص ركز أكثر على فضاء المقهى في أغلب قصص المجموعة كمكان شاسع لتأسيس الرؤية، ويتسع لعوالم الذات الساردة ولعوالم اللآخرين من الذين يشتركون مع السارد هذه الحياة.
المقهى هو فضاء ممتد فيه تنكشف أحلام الشخصية المحورية وتتجلى هواجسها وما يؤرق بالها، وعليه فهو يعتبر (أي المقهى) في قصص المجموعة ملجأ خصبا خدم العمل الإبداعي على مستوى الحالة الإجتماعية والنفسية وساهم في تفعيل حركة الصراع البادي ما بين الذات/ الشخصية ومحيطها.

أما القضايا التي عالجها القاص، فمن بينها:
- الصحافة - القضية الفلسطينية وتعلقها بالوجدان العربي...
- الفقر والحاجة - الجهل والتخلف – والتهميش - الجنس - والبكارة والدم بمفهوم اثبات الطهارة أو الدناسة...
- اللغة العربية والتهميش (قصة: الضاد في غرفة الإنعاش) و(قصة: حكاية لا تأتي): " فالغيرة تخنقني كلما قرأت أو رأيت أو سمعت انتهاكا لحرمة لساننا الجميل"4
- التعليم، ومعاناة المعلم " إذ طوحت به أقلام التعيين حيث لا محل للإعراب"5، ...
- التلفاز وما أحدثه من استيلاب لدى المتلقي فتخلخلت نظم كثيرة واستأثر من الوقت بالنصيب الأوفر..

 ومما لا شك فيه أن كل نص خلق رؤية خاصة للحياة بناء على دعامات أساسية ومعطيات متحها القاص من الثقافة الشعبية والدينية ومن الموروث الأدبي، وبهذا أسس الكاتب نصوصا تنفتح على قراءات متنوعة ومتعددة... كما تتخذ الكتابة عند مبدعنا فضاء يمزج فيه بين الواقع والخيال بين الحلم والحقيقة، بين الكلام واللاكلام، أي المسكوت عنه، وبعبارة أخرى فهو يدفع بالمسكوت عنه ليطفو إلى السطح فيعاد فيه النظر دون حرج ولا خجل، لأن القضايا المسكوت عنها في المجتمع كثيرة، لكننا نتعامل معها بمنطق النعامة.
كما أن قارئ هذه المجموعة سيتذكر ما تشترك فيه نصوصها مع فن المقامة التي تعرف بأسلوبها الخاص بما تعتمد عليه من الطباق والجناس، وثنائية اللفظ... وهذا ما نجده عند محمد إدراغة وميز أسلوبه الجذاب، الذي يحدث إيقاعا موسيقيا متموجا،  فحقق بهذا عنصر المتعة والإمتاع اللغوي، وجمالية اللفظ وسحر البيان، بالتوازي مع إيصال الفكرة والرسالة الإنسانية الحقيقية عبر الإرتكاز على السخرية كنقد وانتقاد بَنَّاء، وهكذ أزعم أن هذا التوازي حقق شرط الكتابة الأدبية عامة والقصصية خاصة.

تقع المجموعة في 108 صفحة من القطع المتوسط، وتتضمن 21 قصة قصيرة. من تقديم الشاعر والناقد ادريس زايدي. منشورات اتحاد كتاب المغرب. لكاتبها محمد إدارغة عضو اتحاد كتاب المغرب.

الهوامش

1- قصة حلم ص:18.
2- عبد اللطيف خروبة مقالة بعنوان: وظيفة الحلم والسخرية في القصة العربية القصيرة
3- السابق
4- حكاية قصة لا تأت ص77
5- رحلة الصيف والشتاء ص 60


على جريدة المنعطف 

أصالةُ الذَّاكرة، والإنتصار للقيَّمِ الإنسانية

أصالةُ الذَّاكرة، والإنتصار للقيَّمِ الإنسانية

في "نبضات من الذاكرة" للقاص هشام فنكَاشي
بقلم: رشيد أمديون

ربما لا يحق لنا أن نعود إلى الجدل القديم حول علاقة الأدب بالأخلاق، كيف يجب أن تكون، أو على أي أساس ستنبني... ذلك لأن التجارب والدراسات الأدبية والنقدية أثبتت أن الأدب لا تقبلُ بنيتُهُ الوعظ والإرشاد - وخاصة الشعر والقصة القصيرة- وفي المقابل، لا يعني هذا أبدا أنه يُحتم على أي نص أدبي أن يخلو من موضوع له قيمة أخلاقية، كما لا يعني أنه لا يجدر به أن يلتمس له سُبل التأثير في وجدان المتلقي، وفي نفوس البشر عامة، بل تلك الغاية الأساس التي يَسعى إليها الأديب. غير أن الأثرَ كلَّما كان القصدُ إلى احداثه غير مباشر يكون أعمقَ وأهم، وقد يُفضي إلى نتيجة إنْ وُفِّق الكاتب في ذلك. وبهذا فإن مهمة الأدب «هو فهم النفس البشرية وتحليلها، وخلق الجمال وتهذيب النفوس بفضله»1.
والقصة القصيرة من الأجناس الأدبية التي لها قدرة احتواء الرسائل الأخلاقية، وتطهير النفس البشرية دون الانسياق في مسار التوجيه الذي لا مَحالة يُحيل النص إلى شكل من الخطاب المباشر المغسول من أيّ جمالية فنية والخالي من أي تقنية إبداعية.

وأما بعدُ:
فيمكننا أن ننفتح بعد القراءة على المجموعة القصصية "نبضات من الذاكرة" للقاص هشام فنكَاشي، كي نتأمل في نصوصها الأربعة عشر، التي تنبسط أمام قارئها وتبسط له يدَ المصافحة والمصالحة، قصد القيام بانتفاضة معنوية ضد الانحطاط الأخلاقي وضد برود علاقة الإنسان اتجاه أخيه الإنسان، واتجاه الطبيعةِ والوطن.. تلك الانتفاضة التي من شأنها أن تنتصر للقيَّم الإنسانية في تغريبتها، داخل مدن هذا العصر الجامدة...
في المجامع القصصية يكون أول ما تتلقفه القراءة هو العنوان الذي غالبا ما يقابل القارئ بالدهشة أو يشكل لديه قلق السؤال، أو يشوش على تفكيره، أو يفتح أمامه باب التأويل...
وعنوان هذه المجموعة القصصية قابل للقراءة كما أي نص من نصوصها، إذ هو من العناوين التي تتسم بخرق دلالي، لكونه يتضمن استعارة بلاغية، كآلية ضرورية لبناء المعنى وإنتاجه.
ومن حسنات مخيلة الإنسان أنها قادرة على تخزين الأحداث، والاحتفاظ بها، فالذاكرة الفردية تاريخ الإنسان، تضم وقائعَه، ومحطاتِه، وتجاربَه،.. شأنها شأن الذاكرة الجماعية المشتركة أيضا، ولكل منهما سواء فردية أو جماعية لحظات تبرق في سمائها صور الماضي وتُساهم في عملية الاسترجاع، هذه العملية التي نستطيع أن نسميها -مجازا- النبض. والنبض يخص كل ما يتصف بالحركة التفاعلية. وكما قال ابن منظور في لسان العرب: (نَبَضَ العِرْقُ يَنْبِضُ نَبْضاً ونَبَاضاً: تحرّك وضرَب.. والنَّبْضُ الحركةُ. وما به نَبَضٌ، أَي حرَكةٌ). ونقول (نبضات القلب) لأنَّ حركته حيوية تتفاعل مع حركة الانفعال الحسي لدى الإنسان (خوف/فرح...)، وتتفاعل مع حركة جسده، ومجهوه البدني. فنبضات القلب مصدر حياة واستمرار، لو سكن القلب لمات الإنسان، ولتوقفت حركة باقي أعضائه، وانتهت صلاحيته في الحياة. النبض باعث الحياة وفاعلها. ومادامت الذاكرة التي هي خزينة أحداثِ وصورِ الماضي وأفكاره... تبعث بنبضات فهي ذاكرة حيَّة، قادرة قدرة فعلية على اشعار الكائن بوجوده وبانتمائه، وتُحسِّسُه بكون الماضي لا ينفصل عن حياته أو حياة مجتمعه وأحداثه وقيّمِه المتشبث بها، فكل نبض من الذاكرة الفردية أو الجماعية هو تذكير وإشعار وإحياء ومقاومة لسلطة النسيان، وصد للغفلة المتربصة بعقل الإنسان ووجدانه. ولا بأس أن نقول أيضا، أنه استشراف للمستقبل، لأن الضياع والتوهان لا يَبعدان كثيرا عن كيان الإنسان إذا غابت ذاكرته أو غيَّبها وتخلى عن ماضيه بكل حمولته الثقافية وأصالته الفكرية وقيمه المطلقة، وارتمى في أحضان ثقافات الاستهلاك والانسلاخ والتنكر للماضي برمته.
فهي نبضات من (...) / ومادام أن هناك (من) فافتراضا هناك (إلى)...
بمعنى أنها كالرسائل.
فأن تنبض الذاكرة نبضات، أشبه بأن تبث وتعيد إنتاج الصور في الوجدان وتغلِّفها بالحنين إلى القيم الإنسانية والأخلاق والطهر كما في قصة "سبحة جدي"، وهو  في حد ذاته انتصار لكل هذه المفاهيم المجملة دون التفصيل، لأن القيم الحقيقية تُدَرك بالفطرة قبل أن تدرك بالتوجيه.
وثم بعد، كي نسعى إلى فهم المعزى أكثر، ننتقل إلى قصة "انهزام بطعم الانتصار" التي تقابلنا بدورها بنموذج لحياة الفطرة، كأنها لوحة فنية، رسمت من قرون، فنقرأ: «دخلته (يقصد السارد الوجدان) فوجدت الجدة تغزل صوفها... وتحت شجرة عجوز هناك شيخ يصلي بخشوع... وفوق الشجرة بلبل يرثي حاله، وعند عتبته تجلس العذارى، ينسجن من الهواء لفافا لقلوبهن...».
لا تعجزنا محاولة الاقتراب من هذه اللوحة الفنية، لننفتح على خلفيتها المركبة، فننظر إلى رمزية الصوف، إذ له علاقة قوية في التراث العربي والإسلامي بالزهد والتصوف، ثم لقابلتنا صورة الشيخ الذي يصلي تحت الشجرة العجوز، وصلاته بخشوع تدل دلالة قوية أن النفس تطهَرت، وبعد تخلية وتحلية - كما يُصطلح عليه في اللغة الصوفية - تفرغت للعبادة، طالبة المقام الأعلى، وما يغيِّرُ صفاءَها دَرَنُ الأغيار. كما نلمح آثار الحب الوارفةِ ظلالُه من خلال الصورة الثالثة/العذارى اللواتي ينسجن الهواء لفافا لقلوبهن...
مقام الرضا ومقام المحبة في الصورة مشعان من مجتمع كان قانعا، ومتصالحا مع نفسه لم تتجمد عواطفه متأثرة ببريق المادة وسلطتها.
إن هذه الصور المختبئة في وجدان سارد القصة ذات نبضات حية، جاءت من الذاكرة لتندمج في هذا الحاضر «وسط غابات الإنسان الإسمنتية»2.
ومن هذا المنطلق فإن في كل نص من نصوص المجموعة تستقبل القارئَ دعوةٌ غير مباشرة أو رسالة مضمرة تشير إلى أهمية العودة إلى أصالة الإنسان وقيمه النبيلة سواء عبر السرد باعتماد المتاسرد، أو عبر حديث الشخصيات المتنوعة، أو عن طريق تشكيل الصورة الايحائية التي غالبا ما تُعير للجماد حركة وإحساسا وشعورا حيا، ونجد هذا متمركزا أكثر في قصة "رحم تحتضر"، ونقرأ:
- «الباب لم يعد يذكر المفتاح.. فأبى أن يفتح »، استعارَ الكاتبُ للباب ذاكرة وإرادة.
- «وجد صورة والدته المعلقة التي أبت أن تتوارى وراء الغبار، كتواري صاحبته تحت التراب»، وأسنِدَت الإرادة للصورة، وهي بمنطق الرائي شيء جامد.
- كما أسنِد إليها فعل البكاء: « بكت الصورة قبل أن تبكي عيناه»،
- وأسندت إليها القيمة الأخلاقية المتمثلة في الوفاء: « وجد صورة والده ملقاة فوق سرير والدته الطاهر، وكأنها تبادله الوفاء..».
- وأسنِدَت للجدار قدرة النطق والحكي، وإحساس العطف والحنان: «فيمسح الجدار دموعه ويحضنه بحنان وحرارة».
- وفي قصة "سبحة جدي" أسنِدَ إليه فعل الصراخ: « صرَخ جدارُ غرفته» ص12.
فهل يا ترى للجماد إرادة؟ هل له شعور وإحساس؟ وهل هذا يعتبر حقيقة أم مجازا لغويا؟ أم كذبة متفق عليها بين الكاتب والقارئ، كما يقول بذلك تشيخوف الذي يعتبر القصة «كذبة متفق عليها ضمنيا بين الكاتب والقارئ».
والفن في الحقيقة لا يقبل الكذب !
حين نقرأ قصة الخضر مع موسى في سورة الكهف، تقابلنا الاية 77، (فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا). الجدار في القصة القرآنية يريد أن يسقط وأن يقع. فهل هذه الإرادة كانت حقيقية أم مجازية؟
طبعا لا يسعنا المجال كي ندخل في الخلاف الذي قام حول هذه المسألة،  بين من اعتبر الإرادة في الآية حقيقية ومن اعتبرها مجازية واستعارية، فالرأي الأول ينزه القرآن عن قول غير الحقيقة، والثاني يعتمد على تقنيات اللغة العربية وما تمنحه من أساليب بلاغية. لكننا هنا سنأخذ قول القرطبي في تفسيره، حيث قال: (وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحي الناطق متى أسندت إلى جماد أو بهيمة فإنما هي استعارة ، أي لو كان مكانهما إنسان لكان متمثلا لذلك الفعل)، وسنقتصر على هذا الرأي الذي يقول بالمجاز وهو رأي الجمهور أيضا، وكما يوحي به المعنى اللغوي للعبارة، وخاصة أن العرب تسند للجمادات الإرادة والحركة والفعل، كمثل قول الشاعر:
يريد الرمح صدر أبي براء  *  ويرغب عن دماء بني عقيل
وقوله تعالى في سورة يونس، في سياق الإخبار عن نهاية فرعون: (حتى إذا أدركَهُ الغرقُ) (الآية 90).
والاستعارة في رأي امبرتو إيكو دائما هي المهيمن على الصور البيانية، حيث قال: « إن الحديث عن الاستعارة يعني الحديث عن النشاط البلاغي بكل ما فيه من تعقيد».
لكن جدار القرية التي حل بها الخضر وموسى كانت تميلُ إرادتُه إلى السقوط فحسب، أما جدار قصة "رحم تحتضر" فهو يشعر ويحس ويحتضن بحرارة، أي أنه حي لا بالإرادة وحدها بل بدفء الإحساس المُشع منه، والذي اكتسبه من زمن مضى، حتى أنه اعتُمِدَ من شخصيات القصة مثله مثل صورة والدة ووالد شخصية السارد، « فالمجاز هنا تعويض نفسي عن المفتقد في الواقع، هو احتفاء بالرمقة الأولى الطويلة، التي تتأمل فتدرك الشبه الجميل القائم احتفاء بالأصل المحفور في الذاكرة»3. من هنا نخلص إلى السؤال التالي: أتكون هذه الأشياء الجامدة (الجدار/ الصورة/ الباب )والمكان على اعتباره الحاضن للحدث) أوفى وأحنّ من الإنسان نفسه، أتكون ذوات مشاعر وأحاسيس؟
ربما...
الكاتب يطوِّع البنية الدلالية للغة بغية تشكيل ايحاء يبلِّغ رسالته. «فالانزياحات والتوظيفات الاستعارية، كلها تهدف إلى إقناع المتلقي بمضامين نصوصه القصصية... ومعانيها التي تحملها... والإقناع وتقبل الصناعة اللغوية التي مارسها في هذه النصوص لخلق نوع من الجمالية، والإغراء الأسلوبي لشد هذا المتلقي ودفعه على متابعة القراءة...»4.
هذا ما تعالجه قصة "رحم تحتضر" أو ما يقودُنا إليه معناها. ولعل الكاتب وفق بشيء من الخيال حين أعار الحياة للجمادات كإشارة إلى التقصير في قيمة الوفاء للمكان وللزمن (كمعنى معنوي): «كل جدار يقف شاهدا على أناس كانوا يوما هنا، قبل أن يتيهوا وسط الزحام»، وإشارة إلى التقصير في صلة الرحم والتهاون في ربط القطائع، وأداء واجب التزاور بين الأهل والإخوة، وهذا حتى لا تحتضر الأرحام أو تموت العلائق بإبعاد قيمة أخلاقية تتجلى في التراحم بين الأبناء والآباء والأقارب، مثل ما جاء في قصة "غار العجزة" التي ركزت بدورها على صلة الرحم والبر..، من خلال إبراز حزن المسنين العميق من جراء سوء التصرف من أبنائهم، وكأن هذه القصة تلحق العار بمن تخلى ويتخلى عن والديه بعدما تعبا في تربيته، ولما اشتد عوده، أودع واحدا منهما أو كلاهما في دار المسنين التي وصفها الكاتب بغار العجزة كناية عن أنه مكان تنقطع فيه عنهم أواصر البر والإحسان الواجبة على الأبناء.
في قصة "سبحة جدي" تنبض من ذاكرة السارد صورة الجد -الوقور- بسبحته التي تمثل –في القصة- رمز الطهر والصفاء الروحي، والوشيجة التي تمسك بحبات القيم الدينية الخالصة والفضائل. ضاعت السبحة من الحفيد (شخصية النص الساردة)، بعد وفاة جده وبعد بلوغه سن الرجال، فافتقدها وانبرى في البحث عنها إلى أن أوقفته رؤية جده في المنام ليعرّفه أن السبحة رحلت لأن الأشياء الطاهرة لا تقبل مخالطة ومجانسة الرذائل وأنها لم تضع، فأيقظه من غفلته وغفوته فاهتدى إلى أن يبدأ البحث عن سبحة القيم والفضيلة مزيلا ركام الغفلة، منطلقا من نفسه أولا فاهمًا المغزى والمقصد. وبتعبير جبران خليل جبران: « الفردوس قائم هناك، وراء ذلك الباب، في الغرفة المجاورة، ولكني أضعت مفتاح الباب. ولعلِّي لم أضعه بل وضعته في غير موضعه»5 وبهذا فإن حكمة الجد كانت دليله في البحث.

ولا تبتعد كثيرا قصة "للشهوة سلطان" عن نفس المحور الأخلاقي فهي تنتصر للفضيلة بالنظر في المآلات، لأن كل فعل سلبي لا أخلاقي يُنتج مآلا سلبيا يؤثر على الفرد والمجتمع.
واستطاع الكاتب أن يرسم ملامح قصة "الشرير" التي يغلب على بنائها الغرابة والخيال وخرق المألوف. أما زمنها فغير محدد إلا أنها تعود أحداثها إلى زمن قديم بحسب القصة، ومفتتحة بالعبارة التقليدية "كان يا مكان" على عادة السرد والحكي القديم. أما المكان، فقرية تحت سفح جبل ما. تلك القرية التي عانى سكانها من فساد وبطش الشرير الذي ينغص حياتهم بكل أنواع الشرور(كذب ونفاق وخيانة..)، فاتفقوا كلهم أن ينالوا منه بمساعدة قوى خارقة (الجنية) التي تسكن الجبل، ليستأصلوه من قريتهم، فلما تمكنت منه الجنية مُسخ كل سكان القرية وصاروا على هيئة حيوانات متنافرة تفرقت في الغابات وتاهت، فارتاحت القرية في عيش آمن تسكنها العصافير وتزورها الفراشات...
إن محور الفكرة الأساس على بساطتها تفضي بنا إلى فهم وهو أن الإنسان حقيقة مبعث الشر، وهذا كلما استسلم للأخلاق الرديئة، واستوطن في قلبه النفاق والمكر والخيانة... والمجتمع -بديهيا- لا يحتاج قوى خارقة كي يُستأصل منه الشر، بل يحتاج إصلاحا فعليا بدءا بإصلاح النفس وتزكيتها أولا، «والتغيير باب يفتح من الداخل والإرادة مفتاحه»(ص 65)، كما أنه لا يحتاج بركات الوالي الصالح كي يكون مجتمعا صالحا، أو ببركته الخارقة تُقضى كل حوائج أناسه حتى لو تعلق الأمر بالقضايا والمشاكل الاجتماعية كتعسر الزواج والعقم وغيرها..، كما في قصة "أنوثة مع وقف التفيذ" وقصة "سيدي عبد العاطي"، وأيضا في قصة "العرافة". إن هذه القصص الثلاث تُضمر انتقادا لسلوكيات –بعض- أفراد المجتمع الذين يرتبطون عاطفيا بالأضرحة أو مخابئ العرافات معتقدين في هذه الأشياء – في حالة من الضعف والانكسار- أنها وسائل تحقق آمالهم وأحلامهم أو تحل مشاكلهم العالقة، فقط بالنية، نقرأ: «قبل أن تطأ قدماك ساحة الضريح عليك بطلب التسليم من أصحاب المكان، واستحضار "النية" فبالنية تكون كل أغراضك مقضية. بالنية تتسلق الجبال... وتكسر الأغلال... وتحقق كل الآمال...(...) بالنية... تنعم بأحلى نومة في حضن الحية»6.
وفي العرف الشعبي المغربي ينتشر هذا المفهوم الشائع الذي يركز على أن الشخص الذي له مطلب وغاية ترجى من العراف أو الضريح ما عليه إلا أن يسلم له أمره تسليما مطلقا، ويُخلص النية، بمعنى أن لا يرتاب ولا يأخذه أدنى شك. هكذا بتعطيل العقل وتجميد التفكير، فاعتقاد كهذا خالص لا مجال فيه للمنطق ولا للتفسير، إلا إن كان تفسيرا له بنية خرافية، أو ميتافيزيقية، تستمد قوتها من الأساطير والمحكيات الشعبية أو الرؤى التي يدعيها زورا المغرضون، لتكوِّن سلسلة من الأفكار المشوشة غالبا ما تتحايل لتستمد الشرعية الدينية، لكون الرؤيا لها بعد قوي في التراث والفكر الإسلامي.
إن هذه المعتقدات السائدة يغذي قوتها وتجذرها في المجتمع - أولا الضعف الإنساني أمام الابتلاءات - وثانيا يساهم في استمرارها الجهل والتخلف والاستسلام لوهم الخرافات..، واعتناق هذه المفاهيم المغلوطة اعتناقا عاطفيا دون التفكير في البحث عن السبل الناجحة والمادية لحل المشاكل والعقد، حلا مبنيا على المنطق والعقل والوسائل العلمية الحديثة. وحين تنعدم الرغبة في ترك هذه السلوكيات يستغل الدّجالون فرصهم لبث أوهامهم، بل من اعتقاد الآخرين بهم يكتسبون القوة، ومثل هذا المعنى هو ما جرى في حوار خاص بين شخصية قصة "العرافة" والعرافة التي قالت له: «أن الخروف دائما يتبع القطيع منصاعا لأوامر سيده، هل سمعت يوما بخروف له عرينه الخاص؟».
* * * * * * *
لم يعالج الكاتب بين النصوص قضايا الأخلاق بين الإنسان وأخيه الإنسان فحسب، بل تجاوز الأمر إلى واجب الأخلاق نحو الطبيعة، فالأخلاق لا تتجزأ والمبادئ والقيم موحدة، وكأنه مع الشاعر "بول كلوديل" الذي يقول: «إني أعرف هذه الطبيعة وتعرفني، ولم يبق لديّ فيها شيء خفي، فهي تخفق في كل نبضة من نبضات قلبي».
ولما جعل القاص في نص "وتستمر الإبادة" شخصيات على شكل شجرة وحفيدتها والحيوانات.. فكأنه يؤسس للمعنى الذي أشار إليه بودلير«إن الأشياء تفكر من خلالي كما أفكر من خلالها». وقد قاد الفهم من خلال حوار الشجرة وحفيدتها نحو أن المسؤول الأول عن الدمار الذي يصيب الطبيعة هو الإنسان، وأن الأشجار محكوم عليها بالإبادة أمام زحفه نحو المساحات الخضراء وتكاثره ونموه الديموغرافي المهول. إن منطق الأشجار والطبيعة منطق يقبله الإنسان إن جعل نفسه مكانها، وفكر من خلالها، لكنه يبقى كلاما ضعيفا بالنسبة له إن قيس بمنطقه الإنساني، لأن الطبيعة مسخرة له، بيد أن القيم والمبادئ تقول أن الأخذ يكون بقدر الحاجة والنفع، والمحافظة على الطبيعة واجب أخلاقي، توجبه الفطرة قبل أن توجبه القيم الدينية والقوانين الوضعية، وهذا ما ختم به القاص قصته على لسان المدرس، يقول لتلاميذته: «هيا بنا يا أطفال لقد وجدنا وسيلة بيداغوجية، لدرسنا المقبل المحافظة على البيئة»، مؤكدا بشكل غير مباشر أن التربية هي الحل.
ثم اختتم القاص هشام فنكَاشي مجموعته بنص "انتحار قصة" متناولا مأساة القصة بشكل درامي وعلاقتها الأدبية بالقارئ المفترض، تلك العلاقة التي تنمو بالمطالعة وتمد روح الحياة لفن القصة التي أضحت أسيرة الكتب والمكتبات الخشبية كأنها في ثوابت الموت.
* * * * * *
وإضافة إلى ما سلف، فلغة المجموعة رصينة، مكثفة، مشبعة بالأسلوب الشعري، تمتاح قوتها من الدلالة والرمزية، تبتعد عن الخطاب المباشر، تتجمل للقارئ وتترك له فسحة التخيُّل ومساحة التأويل، حتى يكون قارئا مشتركا في بنية النص، فلا قيمة للنص من دون الطرفين معا، الكاتب والقارئ.

وفي النهاية لا أدعي كقارئٍ عادي أني بلغت مبلغ التوفيق في هذه القراءة -وإن كنت أظن- ولا أني أحطت بكل جوانبها، بل هناك زوايا أخرى تختزن الكثير للقارئ، والقصة لن تموت ولن تنتحر مادام قارئها يقض  الإحساس يدرك ما يرقد تحت الكتابة واللفظ.


نبضات من الذاكرة مجموعة قصصية لكاتبها هشام فنكَاشي، تقع في 67 صفحة من الحجم المتوسط، صدرت طبعتها الثانية في 2015، من تقديم الشاعرة زينب الطهيري، وتصميم الغلاف مروان نافع.   

الهوامش:

1 - د.محمد مندور – في الأدب والنقد. ص: 35
2- رحم تحتضر.ص:8
3 - عبد الرزاق المصباحي / النقد الثقافي من النسق الثقافي  إلى الرؤيا الثقافية. مؤسسة الرحاب الحديثة. بيروت. ص: 120
4 - محمد داني / جمالية القصة القصيرة جدا دراسة نقدية. مطبعة البوغاز مكناس. ص: 38
5- خليل جبران/رمل وزبد المكتبة الأدبية بيروت. ص: 12
6- قصة: سيدي عبد العاطي. ص: 26/27

إيهام القارئ في البحث عن فريد الأطرش

بقلم: رشيد أمديون

قرأت للروائي والناقد محمد أنقار هذه الأيام.
وكنتُ تعمدتُ في معرض الكتاب بالدار البيضاء -هذه السنة- أن أشتري مجموعته القصصية الموسومة بـ "البحث عن فريد الأطرش"... طبعا، لن أخبركم عن الدافع لاختيار هذه المجموعة من بين مجموعات أخرى لنفس الكاتب، والتي كانت معروضة ومن بينها مثلا: "الأخرس"، لن أخبركم لأن العنوان مُخبرٌ عن الدافع الأساس، فهو في حد ذاته مُغرٍ كالثمرة الأولى، ويحتالُ على قارئه، بما يشبه تأجيج قلق السؤال عن ماهية البحث وجدواه.. ولماذا البحث عن فريد بالذات من دون غيره؟
لكننا حين نقرأ المجموعة ندرك أن الدلالة تنكشف، وما العنوانُ إلا أصبع الإشارة إلى مفهوم مختلف، وكذلك تكون طبيعة الأدب كما قال الأمريكي ميشيل ريفاتير: "عندما يقول لنا الأدب شيئاً فإنه يقول لنا شيئاً آخر" وبهذا يكون المفهوم منحصرا في البحث عن قيمة ضائعة أو عن مفتقد كان بالأمْسِ مُزهرا.
ثم، لعل شخصيات هذه القصص التي تضمها المجموعة تجمعها وشيجة مشتركة هي البحث، بداية بالقصة الأولى "بلغ سلامي لعايدة"، وعايدة (داخل النص) هي رمز الثقافة والفكر، وهي "المطلق الأصيل الذي لا حدود له" كما قال بطل القصة..
أما عملية الإيهام التي اعتمدها الكاتب فهي جد بارعة، إذ في الوقت الذي يُوهم المتلقي أن البحث مازال مستمرًا عن قامة فنية مثل فريد الأطرش، (مع اتفاق ضمني أنه لن يعثر عليه)، يتفاجأ نفس القارئ كلما تدرج في القراءة أنه يشعر بمطاردة اسم فريد الأطرش، أو أنه داخل لعبة البحث كما نُبئ بذلك من أول قراءة للعنوان، فيظل أثناء قراته مسكونا بهم البحث ودواعيه، حتى يصل إلى النص الأخير "بالمناسبة.. أين اختفى فريد الأطرش"، ولكن حتى هذا النص بدوره، جاء فيه اسم فريد الأطرش مرة واحدة، قبيل خاتمته، فأومض سريعا كأنه قفز من فكر شخصية النص، مثل سهم مفاجئ اخترق ستار النسيان والغفلة، أو كأنه استيقاظ متأخر جدا، فقال: بالمناسبة... أين اختفى فريد الأطرش؟
وهذا السؤال القائم على الاستغراب، والافتقاد، والشعور بنقص ذاتي واجتماعي وثقافي، هو نفسه سؤال غريب في زمن صارت القيم الفنية أمرا لا تبالي به الأذواق الجديدة...
فالمجموعة يجد القارئ فيها نفسه شخصية ممتلئة بهمِّ البحث... شخصية في محور نصٍ مفترض... نص لم يُكتب...

23/03/2016

مفترق طرق - اصدار جديد للقاص عبد الرحيم التدلاوي

بقلم: رشيد أمديون

كلما تقلّصت مساحة النص أو اختُزلَ في أقلِّ العبارات، إلا واتَّسَع المعنى وتشعبَ وامتدَّ كيانُه إلى عوالمَ خاصة بالرؤية والرؤيا والتأويل... 
والقصّ القصيرُ جدًا فنُ الاختزال والتكثيفِ يَتركُ متعة خاصة في نفسِ القارئ، يُدهشهُ، يُبهِرهُ، ويُحزنه، أو يُفرحه فُينهِي القراءةَ ببسمة ساطعة على ثغره، بَيدَ أنَّ (الققج) تُحَمِّلُ هذا الأخير المسؤولية، إنَّها مسؤولية الفهم والاندماج والغَوص... للبحث عن مِفتاح المعنى. لهذا فهو شريكٌ في تأسيس النّص.
القاصُ المبدع عبد الرحيم التدلاوي يُهيِّئُ لغتَهُ، ويملأ بياضَ الأوراق، ويؤثِثُ النص بتقنيات مختلفة ومتنوعة، ويُتقنُ عملية التصوير والالتقاط، ويُسرِّح المعنى في ميدان النصوص كي تُطاردَهُ القراءةُ الجادة وتركضُ خلفه.. أو كأنَّ بنا في عوالمِ المبدع التدلاوي يحدثُ لنا ما حدثَ لشخصية نص "غرابة"، فالقارئُ بما لا شك فيه "يستيقظ على المفارقة العجيبة فيضحك، وكلما استوى الفهم قائما ينطح برأسه حافة نافذة المعنى فيسقط في قفلة النهاية باكيا". 
وإننا بين هذه المجموعة نحتاجُ نفسًا طويلا نُعيره للقراءةِ لتأتينا بالمعنى كلما دخلنا عالم نص من نصوصها. 
إنها مجموعة حافلة بالقضايا الإنسانية والإجتماعية والسياسية والفكرية والمفاهيم المستثرة والبارزة، المفاهيم التي تَحُوم حولها الآراء المتضاربة..، حافلة بالنفسي وما يبثه من مشاعرَ وقلق، ومن أحلام وأوهام وسراب يتلاشى في أفقِ الواقع المندسِّ بما يُشبه التَكبر في وحل الصراعات والعنف سواءً العنف الذي تجدد في الواقع أو ما بُعث من قبر التاريخ.. 
نصوصها مُتَمنعة في كثير من الأحيان، ولا تستسلمُ بسهولة، بَيدَ أنها تفيضُ إبداعًا، وتُشير في أنساقٍ مُضمرة إلى ما يَرومُ المبدع عبد الرحيم التدلاوي إلى قَوله. وقطعًا إنهُ يقول عبرها الكثير، يرسله باللامباشر، ويدخر في باطنه الكثير ويستعين بالمجاز لتحقيق العبارة وإرسائها، فالمعنى المُضمر قد لا تُسعفه العبارة المباشرة، قد لا تستجيب له، لذا فكل انزياحٍ أوتشبيه أو تناص، أو كل خروج عن المألوف أو كل ما يأتي مندرجا تحت لحاف الخيال فهو ضرورة تقتضيها طبيعة الأدب والفنون بصفة عامة.

وبعد؛ أيها القارئ، هذا اصدار جديد للمبدع عبد الرحيم التدلاوي يأتي بعد اصدارات أخرى في نفس الجنس الأدبي (القصة القصيرة جدا)، نوع جديد، حداثي يأسر ألباب القصاصين.. وفي المقابل يُقلق بال الكثيرين، ويبهر أمة من القراء وعشاق هذا القص المختزل..

مفترق طرق عوالم إبداعية تؤسس المعنى من منطلق حكمة كاتب يدرك من أين يبدأ وإلى أين يرسل الحكي، واثق الخطوة يمشي ملكا.

أرجو لكم قراءة ممتعة...

------------------

تقع المجموعة في 76 صفحة من الحجم المتوسط، تتوسط غلافها لوحة للفنان لحسن الملواني.


شرفة القصيدة


من شرفة القصيدة


امرأة تطل على العالم


عيناها تفتحُ مباهج الحياة


تسرح شَعرًا طويلا


كامتداد الخيال..


المشط في يدها


كترنح درويش


في متاهات الشوق


وأنا المسحور بالرؤية


أسمعُ تسبيحا


كخفوت الهمس..
رشيد أمديون

لعنة التذكر والانعزال ونزعة الهروب والتشظي


لعنة التذكر والانعزال 
ونزعة الهروب والتشظي 
في قصص توازيات للقاص المغربي محمد الشايب
بقلم: رشيد أمديون

الإنسانُ، قِيلَ عنهُ خُلق في كبد1. يُكابدُ عناءَ الواقِعِ ويُصارع أمواجَ بحرهِ العالية. الحياةُ وجعٌ حَتميّ، بها فترات متراخية تبرقُ قليلا.. فتختفي.
تَشتدُّ الرغبةُ إلى الحَكي والسَّرد، قصدَ بناءِ قصِّ يُوازي مَضمُونُهُ الواقعَ في كل تجلياتِه واحتلالاتِه وانتصاراتِه، فتَستقلُّ النصوصُ ببنائِها الدرامي؛ وبِخصوصياتِ شُخوصِها؛ ونَمَطِ تفكيرهم؛ وتَضَارُبِ مشاعرهِم.. وتتناسَلُ الأحداثُ باختلافِها؛ وتَتَعَدّدُ الأماكن بكل أسمائِها ودلالاتِها. ولكن، بين كل هذا وذاك يتأسَّسُ المشترك ويتوحد في مفهوم وَرُؤية مُعينة، مُؤطِّرة، تُلخِّص عناءَ الإنسان وغُربتَه داخل فضاءات التيه، وفي دهاليزِ عَوالمِ الإخفاق والسّقوط، والإرغام على الانجرافِ نحو أفقٍ ضبابي غامضَةٌ تفاصيلُه، كـ «شارع يؤدي إلى السحاب»2 .
نعم، أجمعت قصص توازيات على أن تتوحدَ في دائرة مشتركها، وهو معاناة الإنسان وعناؤُه وتغريبته في مدن الشقاء، وتعبه في الركض خلف مصير بين تبدّلات وتحولات مَعَاشية - اجتماعية قاهرة. شخوصٌ اختارها القاص محمد الشايب لقصصه تطابقًا مع الواقع وحركته وتناقضاته، تُطاردُها (لعنة التذكر) واسترجاع الماضي بحمولتِه المُثقلة، وبإخفاقات وانكسارات وتحولات رغم أنها ماضوية إلا أن الحاضر نتيجتها وجزء تولَّد عنها وانسلَّ من رحمها... 
و«الذاكرة لعنة الإنسان المشتهاة ولعبته الخطرة، إذ بمقدار ما تتيح له سفرا دائما نحو الحرية، فإنها تصبح سجنه. وفي هذا السفر الدائم يعيد تشكيل العالم والرغبات والأوهام»3.
شخصياتُ هذه القصص تركت شيئا في الهُناك وجاءت حاضرها لتبحث عنه في الهُنا، كمثل "مرْبيل" في قصة "مطر الوصل" فهي عادت لتبحث عن "أحمد الحوات" في مكانه أو في مكان لقائهما الأول بعد سنوات الإبعاد والبعاد. أو كشخصية قصة "العين في العين" الذي أقسم أن لا يعود.. ثم عاد من حيث انطلق: « مدينة تتحالف ضده وشارع لم يبتسم قط في وجهه» 4، عاد ليسأل: « لماذا يغتال الزمن كل وردة زرعناها في وجه الليل !؟ ». وكأن هذه الشخصيات تتحسس ملامحها المتعبة عبر السَّعي إلى سَفر في الزمن، أي إلى الماضي المُشْعِل لَحَنين مُتلبد، تمامًا، كشخصية عثمان في قصة "كبريت أحمر" حين يقف أمام المرآة، فتفيض عينه بالدمع كأنَّه يُبصر ما فات عبر مرآة متشظية، أو يبصر ذاته الحاضرة وذاته الماضية في نَفس الآن.. إنَّها نصوص تُسافر « في اتجاهات شتى، (فنرى) كيف أن الحكاية بارعة في الكر والفر، كيف أنها تنط هنا وهناك، وتزاوج بين الماضي والحاضر.. »5 
ومما يبدو أن للماضي سلطة وقوة تأثير على مصير حياة هذه الشخوص عن طريق الاستلاب، فهم يعيشون الحاضر بألم الماضي بوجعه وانكساراته، ويجرون «أطنانا من الجراح والذكريات »6. وبهذا الشكل الناجح في الصياغة اعتمد الكاتب على استخدام تقنية الاسترجاع والارتداد والفلاش باك دون الخضوع لسلطة المتابعة والتوالي في الأحداث (فالسابق هنا يجاور اللاحق) ويتمازج حينا، ليكون دور المتلقي/القارئ مهما، وهو ترتيب التفاصيل وتنظيمها، كي يزيد اقترابا من هموم الشخصيات ويتوغل حتى يفهم نفسيتها، ويدرك حجم المعاناة وقوتها، وشكل الأنين المستحوذ على هذه النصوص الضاربة في عمق الألم الإنساني.

* * * * * *

وبين طيات القصة الأولى المعنونة بـ "كبريت أحمر"، نجد الكاتب يورطنا في محاولة فهم شخصية عثمان، ذلك الرجل الأربعيني، رغم بساطته إلا أن غموضه يوحي بأنه شخص شديد التعقيد، وإذ يعتقد أهل حيه أنهم يعرفونه، ولا يعرفونه في الآن نفسه، فهو مجهول الأصل، كتوم لا يبوح بشيء ولا يشتكي من أمر. كما يدرك الجميع أنه يحمل سرا ما بسبب ما يظهر عليه من الانعزال، وهذا بعضُ غموضه. واعتمد الكاتب على سرد الرواة حتى يُقحم القارئ في عملية الربط بين تفاصيل ما يقولون بغية فهم هذه الشخصية الغريبة التي تركت في عمق الرواة أنفسهم كل علامات الاستفهام والتعجب – وبالأخص- لما أقبل على «جمع حقائب أسراره التي لم يفتحها قط ورحل دون إخبار أحد». ومهما يكن، فجميعهم ظلت تأكلهم الدهشة، لأن رغم إحساسهم بما يحمله من هموم لم يؤثر على ابتسامته العريضة التي لا تغرب أبدا عن وجهه أمام أنظار الناس، إلى أن استقال من الحياة فاختار الهروب/ الانتحار محتميا بالموت المجهول من قبح الواقع وجبروته. 
فهل تُفضي الذاكرة بالإنسان إلى الموت؟
ربما، وعلى رأي جُونْ لانْكَستر سْبَّالْدِنْغ: » بإمكان الذاكرة أن تكون جنة لا يستطيع أحد إخراجنا منها، كما أن بإمكانها أيضا أن تكون جحيماً لا نستطيع الهروب منها «.
لكن عثمان هرب منها إلى الموت.
وفي قصة الكتاب، يضعنا القاص أمام تواز بين ما (يقرأُه الرجل السبعيني) - الشخصية المحورية- داخل كتابه، و(حياته الخاصة). ولا يتركنا ننزاح بالتأويل بعيدا، إذ يُعتبر الكتاب جزءًا من حياة هذا الشخص باعتباره هدية له من زوجته قبل وفاتها وكما أنه أثرٌ من ماضيها وسر من أسرار المؤانسة التي ورَّتَتها له بعد رحيلها. هذا التوازي يربط فهمنا بخيط واصل مع تلك العلاقة ما بين الكتاب المقروء (داخل القصة) و(حياة هذه الشخصية) التي تشعر بالانهزام، فتمتد مساحة التأويل وتتسع بعد ذلك ...
كما نستنبط من القصة إشارتين: 
- العلاقة ما بين الرجل والمرأة، والأهمية التي تحتلها المرأة في حياة الرجل، إذ أن حياته - أبدا- لا تكتمل من دونها (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)7
- الحياة بما تحمل من أسرار وتعب..، على الإنسان أن يعيشها بروح بطولية، مهما تسرب إليها الفشل وتربَّص بها الانهزام، عليه أن يؤثث عالما قادرا على منحه قوة المواصلة، وذلك بأن يشعر بمن حوله من محبين يحَسِّسونه بكينونته دون اللجوء إلى الهروب من الواقع لأن الهروب يُفضي إلى الانعزال أو إلى الموت، والحياة أحق أن تُعاش بالمواجهة، وكيف ما كانت مرارتها فهي بطولة، أو كما عبّر عنها عبد الرحمن منيف: «الحياة.. مجرد الحياة يا صاحبي بطولة»!8.
ويشغل الحنين إلى المرأة حيزا لا بأس به داخل المجموعة بدءا من قصة "الكتاب" إلى أن ننتقل إلى قصتي: "سحنة الخريف" و"سحابة هاربة". هذا الحنين الذي تطور في النصين إلى شكل من أشكال الهروب من حاضر يفرض أثرا من الماضي - حتى إن تمثل هذا الأثر في أشخاص عادوا للقاء صدفة بعد بعاد طويل امتد به الزمن- مهما كان، فهذا الأثر (الماضوي) هو مجرد ذكرى كسحابة هاربة يُحنُّ إليها، لكن لا يُرجى توقفها كي لا تعيد نفس تجربة الإمطار في حاضر «لا يساوي غير الرماد »9. وشخصيات القصتين يُغالبها هاجس الهروب أو الاستسلام لواقع فرض نفسه بعد تجارب حب ماضية لم تكتمل أمام قوة أمواج الحياة المجابهة، وعراقيل اجتماعية، وأعراف وتقاليد.. فكان الهروب وسيلة للابتعاد مخافة المواجهة التي حتما تحتاج شجاعة الإجابة والتبرير والإقناع.. كما وقع – تحديدا- في قصة سحنة الخريف. 
ولعل الهروب يتضح أثره – أيضا، وبشكل آخر- في قصة اعويشة التي هربت من قبح واقعها إلى شعاع الحلم البعيد، هناك خلف البحر في الضفة الأخرى.. هذا الانتقال حدد مسارا آخر لحياتها التعيسة.. وعادت بعده بشكل مختلف، وبشخصية غير التي ذهبت بها، لتبهر تلك الألسن التي نالت منها بالقيل والقال.. وتتحدى بيئة تميل إلى التملق والنفاق. 
وقطعا، إن كانت اعويشة لاذت بالفرار من ظلم الواقع إلى البحث عن النعيم في ما وراء البحر الأبيض فإن شخصية قصة "العودة" فر من هذا الظلم أيضا، هاربا من ظروف اقتصادية خانقة، ومن حال يُرثى له، مبتغيا حالا أفضل وأقل تعاسة وبؤسا. بيد أنه ليس كـ "اعويشة" التي لم تترك وعدها لأحد بالرجوع. أما هو، فقد ترك خلفه وعدا بالعودة إلى التي قالت له بعد أن أَزْمَعَ على الهجرة: « لماذا قصفتني بهذه القنبلة؟ وكيف أواجه غدي وقد وأدت آخر أحلامي؟».
العودة تجديد، ولعلها مفتاح حياة جديدة لا تشبه التي قبلها، لكن هذا التجديد أو هذا الطور من الحياة يُشكل مصدر قلق وانزعاج للبنت التي أحبته وتناغمت أحاسيسهما معا، فالزمن كلما تراخى إلا وجرف معه تغيرات شتى على مستوى التفكير وعلى مستوى الوجدان.. ومجريات الحياة المعاندة (تجري الرياح بما لا تشتهي السفن). ومع هذا فقد بقيت تتحسس ملامح الأمل: 
»أتمنى أن يبقى في صباغته فالجسد جف والحنايا عطشت».
بعد سنوات عنائها وشقائها وصهد الانتظار: « لم تغلق نوافذ الانتظار، تركتها مشرعة في وجه كل الأيام... »10 ثم علمت بعودته فسارعت أمواجَ الشوق، التي تكسرت في لحظة خاطفة على صخور صلدة.. هكذا، تتحطم كل تصوراتها حين تلقي النظر فيرتد إليها بمشهد غير متوقع، فترى من انتظرته بأمل محتضر يعود ومعه شقراء في سن أمه.
هنا تحديدا يتورط القارئ بين الشخصيتين: هل يتعاطف مع فتاة ضيعت زمنا من عمرها في الانتظار؟ أم يلتمس العذر لشاب أقدم على قبول فرصة زواج لا شيء فيه غير مصلحة الحصول على وثائقه القانونية داخل بلاد الغربة (الأوراق)؟
أم نعلق الأمر على الظروف الإقتصادية والاجتماعية والواقع.. فلو وفرت فرص الشغل للشباب ما أقدم على الهجرة.
وإن قرأنا في قصتي "اعويشة" و"العودة" ما يدل على اعتبار الهجرة إلى أوروبا هي الخلاص من قبضة الظروف العقيمة، فتصورنا أن هذه الهجرة هروب من واقع قبيح إلى واقع يلبي آمال الشباب، فإننا في قصص "العين في العين" "ولكنها لم تعرف شيئا" "لعنة التذكر" سنتوقف أمام هموم الهجرة والرحيل والغربة ومعاناتها.. وحريق الوداع وزفرات التذكر: « وفتحت الذكريات حقيبتها، وخرجت الوجوه تتشظى داخل قطار الغربة، وتتعثر في وحل الأيام... »11

* * * * * *

إننا أمام مجموعة تصفع بالدهشة بما تلمه نصُوصُها من أدوات تقنية وبناء متكامل وإيقاع جمالي رائع تؤثثه اللغة التي تختزل تارة ذاتها وتجود أخرى بمَدَدِها الشعري ونَفسِها الذي يُحيل –حينا- على التأويل عن طريق الإشارة التي تختزل المعنى في ذهن المتلقي، إذ النص «معطى غير تام معطى ينقصه الكثير لتضمنه بياضات، ولاحتوائه على مناطق غير محددة تنتظر القارئ المناسب لملئها وتوجيهها وجهة تأويلية»12 وبهذا واستنادا لنظرية القراءة كما يذهب إلى ذلك أمثال فولفغانغ إيزر: «أن النصوص الأدبية تحتوي دائما على فراغات لا يملؤها إلا القارئ» فإن المعنى هنا كثيرا ما يسير في نسق مُضمر، لتُظهر القراءة المتجددة والمستمرة أبعاده الرؤيوية التي تقوم على التنبيه إلى قيمة الإنسان ككائن وجودي يحتاج أن يستعيد كرامته وثقته بزمنه ومكانه وببلده وتاريخه، دون أن يلجأ إلى الاحتماء بوهم الهروب، أو إلى عزلة نفسية تصيّره غريبا داخل حدود وطنه، وتبعده عن استعادة عزة فُقِدت في دوامة الزمن الطاحن. ومما يدل على هذا في النصوص: الأندلس/ الفاتح/ طارق.. أسماء ومسميات تشير وتضمر عمقا تاريخيا تفتت الارتباط به وحلَّ محله الهجرة والهروب والغربة والألم من تعاسة الحال وبؤسه.
هكذا، وتظل القراءة عتبة التأويل...


صدرت توازيات للقاص محمد الشايب عن مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب سنة 2005. في اثنين وسبعين صفحة من الحجم المتوسط ، تحتوي على العناوين الآتية : كبريت أحمر، الكتاب ، سحنة الخريف ، سحابة هاربة ، اعويشة ، العين في العين ، مطر الوصل ، ولكنها لم تعرف شيئا ، العودة ، لعنة التذكر.

نشرت هذه الورقة في كتاب (تلاوين 2)، الذي أصدرته جمعية التواصل للثقافة والإبداع في المهرجان العربي للقصة القصيرة دورة القاص محمد الشايب.


الهوامش
----------------------------------------------------------------------------------

1 لقد خلقنا الإنسان في كبد ) الآية 4 من سورة البلد
2 توازيات - ص:43
3 عبد الرحمن منيف
4 توازيات - ص:44
5 السابق - ص 37
6 السابق - ص: 47
7 الآية 21 من سورة الروم
8 رواية الأشجار واغتيال مرزوق
9 توازيات - ص: 26
10 السابق - ص: 65
11 قصة "ولكنها لم تعرف شيئا" ص: 53
12    محمد ملياني - المنهج الأدبي.. مقالة: منهج جمالية تلقي النص الأدبي الواقع والمأمول

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة