[ همسات الروح والخاطر

أيُّهذا القادم



أيُّهذا القادم

من بين برزخ ليل وفجر

من خلف باب الغيب الموارب



أيهذا القادم

بعد طقوس الارتقاب

جَلَدتْ كلّ احساس

بعد استهلاك الحالمين نشوةَ الرؤى

بعد انغماس الألم في لهيب الغياب


أيهذا القادم تجلَّ

أشْرِقْ

تتلقَّفُ نورَك عيونُ البؤساء


أيُّهذا القادم...

لِتكُ نبيّا

رشيد أمديون

همسات الروح والخاطر - انسيابات


بعد زمن من الانتظار، والتسويف أيضا، أيقنت أن مصير ما أقترفه من حروف هو كتاب، يولد من رحم الغيب، ويرى الوجود، ناظرا إلى الحياة وملامسا لها..
هكذا ولد "همسات الروح والخاطر"
انسيابات أوجدت حضور الكلمات.
المقدمة كتبها: الأستاذ سعيد بكور/ المغرب
الدراسة: دكتورة هداية مرزق/ جامعة سطيف 2. الجزائر
لوحة الغلاف: الفنان مصطفى الأزرق/ المغرب
أشرف على الطبع:
مشروع خطوة (مثال الزيادي/سناء البركي)
نشر دراسة الناقدة د.هداية مرزق، الصديق خالد أبجيك، بجريدة العاصمة بوست في عدد أمس الإثنين.



شكرا لكم جميعا، وأرجو لي ولكم التوفيق

حلول


هذا الذي 

أذابتْ مُقلتاكِ

في قلبه الهوى

هو الذي

شاهدك يقظة

ورآك مناما

وتجليت له

حتى صاح:

"أنا من أهوى

ومن أهوى أنا

نحن روحان

حللنا بدنا"

رشيد أمديون
25/05/2014

فاقد الذات..

قصة قصيرة

الأحلام تطير من رأسي هاربة منسحبة إلى قدر مجهول. الأوهام والوساوس تسكن هذا الجسد المعتلّ، تستوطنني، تقيم عاصمتها بإكراهٍ وبإصرار... 
قلبي الآن فارغ من أيّ إحساس قد يمدُّني بالأمل في الحياة. 
الحياة!! لها وجهان، ونحن من يختار الوجه الذي يُلائمنا منذ البداية.
وكل الوجوه المقابلة لي متشابهة، سوداءٌ ترشقني عيونها بنظرات مذمومة، مستوية على أسُوق الكبرياء. 
وسحابة الندم تغشاني... 
اه اه.. كيف أمضيت عمرا في وادي العبث واللامبالاة، أُطعِم نفسي من مزابل الحياة المَلأى بالرذيلة والخسَّة والنفاق. كنت أسبح في مستنقع المتع الرخيصة، وائدًا كلَّ القيم. وأتباهى بانتصارات وهمية حققتها في لياليّ الحمراء متحديا خصومي بعدد الكؤوس التي أفرغتها في جوفي دون أن أستجيب لسلطة السُّكر الحقيرة...
يقولون أن الإنسان يستيقظ من غفلته متأخرا، عندما تفترسه أنياب الخطر المتربص، وتحاصره خطوب الزمن، فيتحسر... لكنه قد يبدأ حياته من جديد، سالكا سبيلا آخر، مستغفرا على تبذيره للأوقات... أما أنا، فلم استيقظت من غفلتي اللعينة، ولم أتب من غوايتي إلا حين صفعتني كفّ القدر بشدة. دارت بي الأرض وترنّحتُ في التِّيه، ثم نظرتُ حولي وإلى انعكاس طيفي على لوح المرآة لأجدني فقدت إنسانيتي وآدميتي، وربما إلى الأبد... كم أحتاج من عقل ومن براهين المنطق كي أصدِّق شكلي الجديد حينئذ. هذا الشكل الذي سوّد حياتي، وحال بيني وبين الرجوع إلى أصلي. 
خسرت نفسي، خسرانا مبينا، فكيف لي أن أعود إنسانا كما كنت، كيف؟.
كيف لي أن أرفع عني لعنة المسخ هذه التي حولتني إلى مخلوقٍ آخرَ أقتات على مزابل القمامات، وأعيش بين أرصفة الشوارع، وأخالط الكلاب، والقطط المتشردة، زاحفا إلى دوامة المجهول وليس بمقدوري غير المواء كلما آلمني جوعٌ، أو لحقت أنفي رائحة السمك اللذيذة المنبعثة من مطابخ هذه البيوت. إن قدري قاسٍ جدا، وحتى الموت يرفضني.

رشيد أمديون

قراءة مريد، لسِفر التغريد


هذه قراءة لكتاب الصديقة سناء البركي. نشرتها لي صحيفة العاصمة بوست في العدد 117 بتاريخ 23 أبريل 2014

لا أعلم مدى قدرتي على ولوج عالم "سناء البركي" من خلال كتابها الذي صَدر حديثا. وها أنا ذا هنا أجهزّ مركبي الصغير في محاولة الإبحار إلى عالمها الموسوم بـ"سِفر التغريد"، بكسر السين، لا بفتحها، إذ السِفرُ مفرد أسفار/ الكتب. وفي التنزيل: (كمثل الحمار يحمل أسفارا). كما سميت أجزاء التوراة بالأسفار... ولكن عنوان هذا الكتاب الذي يتكون من 99 صفحة من الحجم المتوسط، يوحي بأشياء، ويشدنا بخيط خفي لننجذب بفضول إلى معرفة ما بين دفتيه، ويثير في عمقنا السؤال التالي: هل صار للتغريد سِفرا؟. 
وحين نعود لمعنى التغريد بمفهومه المعاصر بين أوساط مستخدمي توتير، هذه الشبكة الاجتماعية التي تسمي ما يُنشر بها "تغريدات" لعدم قدرتنا على تجاوز 140 حرفا، ندرك -حينها- جيدا مقصد العنوان، وخاصة لو أضفنا ما قرأناه في المقدمة الصريحة التي تقول فيها سناء أنها تنتمي لجسد التدوين العربي، الذي انبثقت منه تغريدات تويتر ومنشورات الفيسبوك أيضا...
لكني -هنا- أرى سِفر التغريد برؤية أخرى، بعيدا -قليلا أو كثرا- عن شبكة التواصل الاجتماعي، فالعنوان -في فهمي- يوسع ضيقا، ويمد المدى أمامنا أفقا شاسعا، فإن كان التغريد لحنا من ألحان الحياة الجملية، الذي تختص به الطيور، فإن الكاتبة هنا -مجازا- طير حر مهاجر، يغرد بلُحونٍ شتى حسب الموقف والموقع، فتارة لحنها شوق محب ملتاع، وتارة يأتي كتغريدة حزن من البعيد المغترب، وأخرى تأتي كالآه، على واقع مهيض نتألم بألمه... أو تساق كعتاب ضِمني يستشفه من ألقى الفهم وهو نبيه. وبهذا يغترف القارئ من تغاريدها معانيا ودلالات توحي بعتاب من يتقاسمون معها أرض وطن وهوية، ويشاركونها عرفا وثقافة، وجذورا تاريخية متعددة الروافد... 

"يكفي أن أرى أمي العربية عاشقة لأغاني رويشة..
لأعرف أننا ولدنا منفتحين..
يكفي أن أرى أبي الأمازيغي يبكي فلسطين..
لأعرف أنني متصالحة مع قضيتي.." (أسمى درجات الحب.. حب الوطن، صفحة: 93)

ورغم ما يغلب على لغة الكتاب البسيطة من إشارات صريحة أحيانا، ومُضْمَرة أخرى، وما يركبها من المجاز في الغالب العام، فقد أدت المعنى في نظري، لهذا فإني أقول أن نصوص الكتاب لا تغرد خارج السرب، بل إنها ضمنه وداخل دائرته، ومهما أحست الكاتبة بغربة في طريقها، واعترى نفسها شيئا من القنوط فهي أوصلت صوتها مُغردا، وبلغنا، وكل له سعة فهم وله قراءته. نقرأ في صفحة:30 
"أحس بالغربة
في هذه الطريق..
ولا زلت أسير فيها..
أخاف فقط أن أتركها
فيقال عني "خارجة على الطريق"
وكيف لا أكون خارجة
وأنا..
في طريق
ليس فيها أحد؟!"

إن النصوص تأتي على قدر مقدرٍ، تغرد للسرب من داخله ومن خارجه أيضا، تغرد لعواطف الجماعة، لقلوبها، لعقولها، أو تستنهض همما، وتبث هما، تنتقد بمحبة، وتتألم في صمت حين تتفجر الحروف من عصارة تجربة حياتيه، وتمتاح هذه النصوص قدرة البوح من الواقع ومجرياته، ومن عوائقه وعواصفه العابثة. تحملنا سناء عبرها إلى عالمها الحسي فندرك متى تدمع بصدق، ومتى تبتسم، ومتى تنكسر وتضجر إن وهنت، ومتى تثور وتنتفض... هذه النصوص القصيرة جدا، أو هذه الشذرات والتغريدات، للسابق منها علاقة باللاحق، في مضمار واحد، تصطف، تطرح تأملات وتساؤلات، قد لا تحتاج إجابات بل إلى بعض التفكير في الفعل والنهوض، بدل ردود الأفعال... وبين كل شذرة كلام وأفكار، ومواقف وتحديات... أزعم أنه لو أفلحنا في دمجها لكان لنا نص طويل تذوب فيه التجربة الشخصية وتنصهر مع الرؤى والمواقف والأفكار..

للكتاب سبعة فصول، وكل فصل يلُم إضمامات، وكل إضمامة تتشذر لتستوي نصوصا قصيرة جدا تتشابه حينا في العزف على وثر واحد مؤلم، وتندرج في سياق زمكاني أنتج مراحلا انتقالية تتطور بالسَّفريات ما بين المغرب وفرنسا ونيويورك، كأنه كرٌّ وفر في معارك افتراضية من أجل إثبات الذات، وبناء الشخصية السويّة في غربة مظلمة تكاد تخنق النفس العزيزة (والعزيزة هنا بمعنى العزة).

تبوح الكاتبة بحبها لوطنها في أكثر من نص، بوحها ثارة تلفُّه نغمة حنين وانجذاب نحو وطن الذكرى، كأنه المعشوق الأول، فنقرأ في صفحة 14 ، صورة للحنين الذي يجعل المغترب يحيا على أمل عناق الوطن:
"جاءني الوطن ليلا يبكي
فحضنته..
وأخذنا صورة..
وفي الصباح
سحبت الصورة لأتمعن فيها..
فوجدت نفسي 
أحضن نفسي
وكل الدموع 
كانت تنزل من عينيّ!!"
ولعل إسناد المجيء والبكاء للوطن وتجسيده كشخص يشعر ويتحرك ويحضن هو نوع من إضفاء الحياة عليه، لكن السؤال الذي يقفز من بين الأسئلة: ما الذي يُبكي هذا الوطن؟.
وفي صورة أخرى امتزجت فيها الذكرى إذ تحيلنا على مشهد فتاة صغيرة مولعة بأكل التراب إلى حد الإدمان، نقرأ في صفحة 16:
"كنت أتسلل إلى الحديقة
وأقصد الشجرة الكبيرة
أختبئ وراءها 
وأقطف من الأرض شيئا من الطين
ثم أجلس أستلذ مذاقه
أكلت التراب حتى ملأ جوفي حبه!"
ثم تقول:
"كنت أجده حلوا.. حلوا بقدر ما أجده الآن مرا"
لا يمكن أن تكون هذه العلاقة بين تراب الأرض وإدمان الحب له، اعتباطا، فمن نبت من تراب وطنه من الصعب أن يتخلص من حبه، كالنبتة... فهو يحمل تلك العناصر الترابية التي نشأ منها، يحملها حتى الكبر، وإن استحال ذوقها مرارة، فمرارتها نشوة حب، وقد قال الشاعر:
بلادي وإن جارت علي عزيزة * وأهلي وإن ضنوا علي كرام
إن الكاتبة كما قالت عن نفسها، كالنخلة: "كلما اشتد عطشها، اشتد تشبث جذورها بأرضها".

ومفهوم الوطن عند سناء يتخذ أشكالا ومسميات كثيرة، فهو مرة التراب، ومرة الصويرة، تقول: "أيّ هدية أهدي الصويرة". وهو بحرها وجزيرة موكادور التي تتربع قريبا من المدينة على المحيط الأطلنتي، وكأنها تشير إلى الجزء (المدينة) ليعبر عن الكل (الوطن)، فنقرأ في صفحة 22:
"تلك الجزيرة تندب حظها 
منذ أن سميت رأس فرعون
والأخرى بجانبها متكبرة
لأنها سميت جزيرة موكادور
لكما في القلب نفس المساحة
فلماذا تختصمان؟!"

فلماذا التخاصم داخل وطن مادمنا نتشارك حبه؟

دائما ما يكون دافع الإنسان إلى الكتابة عن الوطن راجع إلى ما يحسه في دار الغربة من ألم: "جمعت غربة الأهل والوطن... وخرجت أطوي المسافات ساعات طوال، أطفئ عطشي هنا وهناك...". يهتز الكيان، ويضني الشعور، حتى تتفجر الحروف ألما يؤنسها المعنى. فتقول: " أواسي نفسي وأقول: مهما تمددت المسافات بيننا... فمصير العصفور عودة إلى عشه" ص:68. 
وفي عمق الغربة تغرد قائلة: " حينها تفهم ما معنى أن تعيش كعضو بلا جسد، تمرض وحيدا.. وتنهض وحيدا" ص: 12 

وتشغل الأم حيزا من هذا البوح أيضا، لما تمثله من أيقونة حنان، فإن كان للوطن حضن واسع، فإن حضن الأم أوسع بل أأمَن. تقول سناء في سِفرها: "أكابر البعد يا أمي.. كي لا تعيشين الألم مرتين". 
"...مهما ابتعدت، أطير بعيدا فأنزف المسافة حبا".
هذا العطش إلى الارتواء من نبع الحنان، يوَلِّد اشتياقا إلى تصرفات الأم التي تبدو عادة روتينية للرائي، أفلم يقل محمود درويش: "أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي، ولمسة أمي". فهي عادات فطرية لا يقدّرها إلا من ذاق مرارة الفقد، أو علقم الغربة، ففي نص أقتطف هذه النهاية التي تبوح بعمق الفجوة التي يُخلّفها غياب الأم حين انطراح الجسد واستسلامه للمرض أو الوهن، نقرأ في صفحة17:
"كانت النافذة مفتوحة
فرأيت أمي تدخل منها وبيديها غطاء
تقترب مني..
وتغطيني
دبت الحياة في جسدي فجأة،
فتلاشى خيالي..
بين الحقيقة والأحلام"
فحضور طيف الأم لا يقتصر على لحظة تذكر، بل حتى في حالة النقص التي تعتري الإنسان ويخلو إلى ذاته، ويشتاق إلى أنس الأهل..

واحتل حب الأب مساحة أخرى بين نصوص الكتاب، ففي نص يسوق مفارقة جميلة بين طلب الدفء لرد برد الشتاء عن الجسد، ودفء حضن الأب الذي هو مطلب القلب المشتاق إلى الأهل، نقرأ في صفحة 19:
"شعرت بالبرد فشغلت المسخن
ثم لبست ملابس شتوية
لكنني لم أجد دفئا..
فهمت أن هذا البرد
يأتي من الداخل
القلب مشتاق 
ويحتاج لدفء حضنك يا أبي..."

وكأنها تنشد مع نزار قوله:
"وعينا أبي.. ملجأٌ للنجوم 
فهل يذكر الشرق عيني أبي؟". 

وفي نص آخر تصور لنا لحظة اللقاء المتوَّج، حين تشبه الأمَّ بالشمس والأبَ بالقمر، وهي تتوسطهما، بقلبيهما المعطاء حبا، نقرأ في صفحة 18:
"أتوسط قلبين شاخا في حبي
شمس على يميني
وقمر على شمالي
في كل لحظة كهذه 
أجدني أملك الدنيا وما فيها".

لا يمكن أن نتصور أن النصوص التي غردت للوطن وللأم والأب تنفصل عن شخصية الكاتبة، فهي استخدمت أسلوب المخاطِب في جلها، هذا لأنها تحمل معها هذه الأشياء حلا وترحالا، بين بحر الصويرة ونهر السين، فمِثل هذا الحب حريّ أن نهبه لهذا الثالوث، ومهما ترنحنا في الدنيا فإليه الرجعى...

- مخالطة الناس

مخالطة الناس تبهج النفس، (كطائر شريد أحمل في قلبي من أحبهم مهما ابتعدت...) وبقدر ما تبتهج تتألم منهم، خاصة من أحبهم القلب وسوَّى لهم عرشا في سويدائه، نقرأ في صفحة 10:
"ولدت بخط متصل يشق كفي
فحذرتني أمي من فتحهما..
ومخالطة الغرباء، 
الآن تغربت... أفتح كفي وأقول:
كان الأجدر أن تحذرينني 
من فتح قلبي يا أمي...!"
وفي هذا النص استعانت الكاتبة في بنائه بالفكرة المتعارف عليها في الثقافة الشعبية، الخط المتصل في باطن الكف وما ترسخ في الذاكرة الجماعية من مخاطره على للأطفال (الزوهريين) أمام الغرباء، وتحذير الآباء لفذات أكبادهم من الثقة في أي غريب، مخافة اختطافهم. 

- من الشك إلى اليقين
نقرأ في غنائم حروبي صفحة 15: "...أدركت اليوم أن ما كان ينقصني لأرى الكون مشرقا هو نور الداخل.. نور القلب."
هذا اليقين يؤسس ثقة بالنفس وبالله -أولا- كما في قولها: "أصل الأمل ثقة بالرحمان، وأنا لازلت أثق فيك ربي"ص 27
ومن ملك هذا الأمر كأنه ملك الدنيا، فيسير واثق الخطوة يمشي ملكا، ينشد المعالي ويخف من أدران القلب، نقرأ : 
"..وأسير بفخر كأني ملكت الأرض
أرى عيوبي تسقط عني
وأرى مكارم الأخلاق .. تتسلق إليّ
ذلك لأني على مقام مبارك.."
إن هذا الافتخار مبعثه الطمأنينة، والصدق، نقرأ في صفحة 71:
اسألوا الموج عني.. 
سيحكي لكم
أن الشمس تحترق دهرا
وتغيب في لحظة.."

هكذا هو سفر التغريد، بامتداده الزماني والمكاني. هذا ما أنتجه قلم سناء ما بين بحر موكادور ونهر السين. وأنا هنا لم أتطرق إلى كل ما صورته الكاتبة، وطرحته من تأملات جميلة لأن المقام لا يتسع لذلك، وتبقى للقارئ هذه المهمة.

رشيد أمديون


اللعبة


لو ركض بصندله القديم المخروم، لَلَحِق به الأعداء. لينزعها خلفه وليحث الخطى على الإسراع، باحثا عن مخبأٍ...
الساحة ملأى بظلالهم، إنهم مسلَّحون. 
شعر بأحدهم يقترب من مكانه بحذر يخفق له القلب خوفا. حكم قبضته على سلاحه ليضمن وجوده واستعداده. 
قال في نفسه "المقاوم لا يستسلم، مازلت الأرض مسروقة".
أرسل من فمه طلاقته: "طق، طق... أصبتك، أسقط.."
يرد عليه الأخر كرجع الصدى.
ويهبُّ من مخبئه. يحتجُّ بغيظ، ملوحا بقصبته: 
أصبتك أولا، يجب أن تموت، مُتْ...

رشيد أمديون. أبو حسام  الدين
27/03/2014

صمود امرأة


اللقاءات ما عادت مزهرة، ولم يعد لطلعها الباسق نضارة تستجلبُ الإغراء. جُرم أن تفقد الأشياء بريقها بسبب سوء التصرف وضعفه. اللقاءات، إننا نفتعلها رغم أنف الظروف المعاندة، كمن ينحت الوهم على الصخر، أو يرسم الهراء على الماء مكرها. إن المكره على شيء دليل على ثقله. لهذا -فقط- فنحن نلتقي كي نثبت لغرورنا أننا مازلنا على وعهد بالترابط، وكي لا ننكسر أمام المجتمع الذي سيحاسبنا يوما إن افترقنا، بل حفظا لماء الوجه، واتقاء شر الشامتين، وما أكثرهم! 
بقينا على نفس الوثيرة زاعمين أن التيار لا قدرة له على جرف الجبال. صدقتك حين قلت لي أننا جبلين راسخين... 
والآن، كم بي رغبة للضحك على هرائك.. 
كنت غبية حين لم أفنِّد ادعاءك بردٍّ جيولوجي، إذ أن من الجبال ما لا يصمد أمام عوامل التعرية، الطبيعة أيضا لها قوتها الجبارة، تقسم الحجر ولا تكترث. فما بالنا نحن، هل لنا قدرة الصمود أمام كل الكوارث والزلازل؟ إن الأرض كذلك حين ترتج، الكل يقول نفسي نفسي. وأنت في أول رجة خفيفة ولَّيت وجهك عني، وتنكّرت لوعودك، وذبت ذوبان الملح في الماء. كيف تعود بعدها حاملا ورودا لا أجد لها لونا، لتقدم أعذارا، ولتسوق مبررات لا تقبل الترابط ولا التناسق بينها فضلا عن أن تكون قابلة للتصديق، أنت نفسك لا تصدقها، أنت تكذب على نفسك، محاولا أن تعيد الماء لمجراه، كيف تقبل هذا، بل كيف تصدقه، وأنت على علم أن النبع إن فقد صفوه، إن صار كدرا، لن يعود ماؤه إلى صفائه المعهود. ومع ذلك قبِلتُ، وأنصت لك، وجعلت نفسي أستقبلك من جديد، ولكن بشكل آخر مختلف جدا لا وجود في فصوله للربيع، وبوجه لم تبقَ له ملامحه الأصلية حتى أستطيع أن أقول أنك أقنعتني. إني في كل لقاء أؤدي الواجب الذي اتفقنا عليه فحسب، لا أقل ولا أكثر.

لم أستطع أن أقتنع بالوضع الجديد، ومن الصعب جدا أن أقتنع بشيء دخيل على علاقة كانت تسير كنهر رقراق، يجري جريانا لا ينقطع على طول الأيام، بل كانت علاقتنا أشبه بهذا النهر العذب حين كان يرتوي منها آخرون، النهر أيضا يسقي الزرع، يسقي كل الأحياء، كله خير، فهكذا كانت علاقتنا من قبل، فكيف استحالت جافة؟ 
هذا الذي لا أرضى أن تسألني عنه، لأنك أنت من قطعت عنها الغيث، وأنت من خرج عن أصول اللعبة إن صح قولا أن نسمي ما كان بيننا لعبة. ولعله كان لعبا من طرفك، وكان جدا وميثاقا مقدسا من طرفي، إذ أني بقيت صامدة ولم أنهزم، لم أستسلم لعصف لا يأخذ إلا الضعفاء. أعتقد أني الوحيدة التي ينطبق عليها اسم الجبل، أما أنت فقد نُسفتَ مع أول رجة، ومصداقيتك ذهبت بها الريح، إنها كعصفٍ منثور، لم تبقِ لها حسناتٍ ولم تَذَرْ. 
آلا بئس الرجال إن كانوا من طينتك.

رشيد أمديون. ابو حسام الدين

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة