[ مدونة رشيد أمديون

التصوير والمآسي





لا نصور إلا مآسينا، حرائق، جرائم، قتل، صراع، غرق، انقلاب، اغتصاب، دم... 
وحتى حين نلتقط صورة في منظر ما أو لمنظر جميل، فما هو إلا تعبير ضمني عن المآساة الإنسانية.. مأساة الروح التي تتطلع إلى التحرر من القمع والتجبر وإلى تعميم الرؤية الجمالية للوجود، ورفع مستوى الوعي، التطلع إلى رؤية نظافة المجتمع وأخلاق أهله، وإلى العدالة وكل القيم الإنسانية التي يشترك فيها الجميع على اختلاف الملل والعقائد والأجناس.
تصوير ينتقم من الواقع والمجتمع والحياة بعرض أقبح ما فيه لعل الوضع يتغير، وتصوير يبحث عن أجمل ما في الحياة لعل أشياء تتقدم وأمورا ترتقي جُملة أو أقساطا.

رشيد أمديون













"العباسية" ومذهب الجود في الثقافة الشعبية المغربية



بقلم: رشيد أمديون 

ليس في المغاربة من لا يعرف "العباسية"! أو من لا يعرف دلالتها التي ترتبط بتقليد عرفي يتبعه كل من فتح محلا للمأكولات أو المشروبات أو غير ذلك.. فيستفتح باب الرزق بالمبادرة إلى البذل والعطاء. 
إن هذه الممارسة تُضمر قيمة الجود كمفهوم كان -وما زال- المجتمع المغربي التقليدي حريصا على تكريسه. أو قد يعبر (في الزمن الحاضر) عن فتح باب الرزق لتعم البركة. أو هو دعاية تجارية قصد استدراج الزبناء بإظهار الكرم والعطاء والسخاء... لأن كل تقليد قد يفقد مع مرور الزمن بعض خصوصياته ودلالاته. هذا لا شك فيه! 
لكن السؤال هو: من أين جاءت كلمة "العباسية" إلى الثقافة الشعبية المغربية؟ تذكرنا هذه التسمية بشخصية صوفية تسمى أبو العباس السبتي. عاش هذا الرجل في عهد الدولة الموحدية، فعاصر السلطان يعقوب المنصور الموحدي. 
انتقل من بلده سبتة إلى مراكش حيث استقر بها، ثم دفن بأرضها بباب تاغزوت1. ويعتبر أحد رجالات مراكش السبعة، ويعرف بسيدي بلعباس، ولقبه "مول السحابة" أي صاحب السحاية. 
فما هي العلاقة بين العباسية كممارسة تقليدية، واسم أبو العباس السبتي كأحد أعلام التصوف في المغرب؟ 
يخبرنا ابن الزيات التادلي في كتابه «التشوف إلى رجال التصوف»، أن أبا القاسم عبد الرحمان بن إبراهيم الخزرجي، قال: «بعثني أبو الوليد بن رشد من قرطبة، وقال لي: إذا رأيت أبا العباس السبتي بمراكش فانظر مذهبه وأعلمني به». ابن رشد الفيلسوف الأندلسي أشغله أمر فقيه صوفي مغربي!! ومن المرجح أنه سمع عنه، فأراد أن يعرف سر طريقته. وسيتضح ذلك بعد عودة مبعوثه. هذه العودة التي لم تتم بسرعة، لأن معرفة الرجل وسر مذهبه، يحتاج إلى صحبة. لهذا جلس مع السبتي كثيرا إلى أن فهم مذهبه، فعاد إلى ابن رشد بقرطبة، فأعلمه بمذهبه. فقال له ابن رشد حسب ما جاء في "التشوف": «هذا رجل مذهبه أن الوجود ينفعل بالجود، وهو مذهب فلان من قدماء الفلاسفة»2. 
لماذا أرجعَ ابن رشد أصل مذهب السبتي إلى فيلسوف قديم –مجهول- لم يذكر اسمه؟ أو لعله ذكر اسمه ولكن لم ينقله إلينا ابن الزيات. رغم أن أصل مذهبه قائم على مرجعية التصوف الإسلامي الذي يعتبر التوكل أحد أسس العبادة الخالصة لله وحده، وقد أورد له ابن الزيات قوله: «كان ابتداء أمري أني كنت صغيرا فسمعت أقوال الناس في التوكل، فتفكرت في حقيقته إلى أن رأيت أن التوكل لا يصح إلا بترك كل شيء». 
ربما هذا راجع إلى أن ما كان يُشغل فكر ابن رشد هو قضية السببية، كمسألة فلسفية، وهو غير ما يشغل السبتي الذي سلك طريق الصوفية المتجردين من الدنيا عبر التوكل واليقين الصوفي. 
لنتوقف عند قوله: "هذا رجل مذهبه أن الوجود ينفعل بالجود"، لنعرف حقيقة العبارة الجامعة التي خلص إليها الفيلسوف لتعبر عن مذهب السبتي. 
نقرأ ما كتبه ابن الزيات وهو يتحدث عن أبي العباس: «حضرت مجلسه مرات فرأيت مذهبه يدور على الصدقة، وكان يرد سائر أصول الشرع إليها [...] وكان يقول: سرُّ الصوم أن تجوع، فإذا جعت تذكرت الجائع وقد علمت قدر ما يقاسيه من نار الجوع فتتصدق عليه، فإذا صمت ولم تتعطف على الجياع ولا أحدث عندك الصوم هذا المعنى ما صمت ولا فهمت المعنى المراد بالصوم[...] وكان إذا أتاه أحد يطلب منه شيئا، يأمره بالصدقة ويقول له: تصدق ويتفق لك كل ما تريد»3. إن مذهب السبتي لم يكن مذهب جدل فكري أو فلسفي، إنما مذهبَ علم وعمل ويقين وتوكل. وعنده أن الجود يؤثر في المجتمع وفي الناس، بإرشادهم إلى ما فيه صلاحهم وصلاح علاقاتهم الاجتماعية اعتمادا على مبدأ التضامن والتكافل وتجسيد مفهوم الجسد الواحد. بذلك أثَّر الرجل في عصره باعتماده على العطاء والبذل والإيثار، فرد جميع أمور الشرع إلى الصدقة. وكان «الغرباء الواردون على مراكش من طلبة العلم يأوون إليه فينفق عليهم جميع ما يكون عنده»4. 
يرتبط الجود والعطاء عند السبتي بالغيب، فكان يقول: «أصل الخير في الدنيا والآخرة الإحسان، وأصل الشر في الدنيا والآخرة البخل»5، وعلى هذا كان ينفق ويتوكل على الله. وكأن المقولة المشهورة «أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب» تنطبق على مفهومه للإنفاق، لهذا فلا غرابة أن تكثر حكاياته، وكلها تتفق على هذا الأمر. فمثلا يحكي ابن الزيات أن يتيما جاء إلى رجل فسأله شيئا فأعطاه نصف درهم، فقال له أبو العباس: اعطه درهما كاملا، فأخذ منه الرجل نصف الدرهم ودفع له درهما كاملا، «فقال أبو العباس: رد إليه نصف الدرهم يفتح الله عليك في أربعة دراهم ونصف درهم»6. 
فهل تردد الرجل؟ 
لعله كان واثقا مما قاله الشيخ. وهذا يبين مكانة السبتي في قلوب عامة الناس في عصره. 
فماذا حدث بعد أن استجاب الرجل لكلام الشيخ؟ 
يقول ابن الزيات: لم يبرحا مكانهما حتى وقفت على الرجل «امرأة من الخدماء، فقالت له: أتعرفني؟ فقال لها: لا أعرفك، فمن أنت؟ فقالت له: كنت قد اشتريت منك نطعا ببلد داي بأربعة دراهم ونصف درهم ثم طرأ على أهل داي ما طرأ من الجلاء عن بلدهم وافتراقهم في البلاد عام تسعة وخمسين وخمسمائة، فافترقنا وبقي لك عندي ثمن النطع إلى الآن فخذه، فأخذ منها تلك الدراهم». إن الأمر لا يتعلق بقضية علم الغيب، أو الاطلاع على اللوح المحفوظ كما هو عند الصوفية، بل الأمر متعلق باليقين والتوكل على الله، مؤمنا أن كل شيء ينفعل بالعمل. لهذا حين سأله شخص قائلا: بم تنفعل لك الأشياء، أجاب: «هذا لا يُعرف إلا بالعمل»7. أما يقينه فيتجلى في جوابه عن سؤال طرحه أحدهم عليه: لماذا يكرهك العلماء ويعادونك، قال: «لأني موقن بخير الله تعالى حيث قال: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين)..». 
كما ينطلق من تفسير نظام الطبيعة على مبدأ العطاء والجود. «فالسماوات أعطت ما عندها من الماء وهو المطر، والأرض ما عندها من النبات، وغير ذلك مما فيها والجبال أعطت ما عندها من المياه فأنبتت الأرض وأبرزت تمارها وما فيها من الأرزاق وأبت من إمساكها فصار الإنسان خازنا لما يجتمع عنده فيمنع منه المساكين، إنه كان ظلوما جهولا»8. وهذا كما يقول الناصري في الاستقصا: «مبْنَى أمره على انفعال العالم عن الجود، وكونه حكمة في تأثر الوجود»9. 
بهذا نرى أن أبا العباس السبتي استطاع التأثير في مجتمعه عبر سلوكه التضامني ومذهبه الأخلاقي، فتمظهر في سيرته حرص شديد على فعل الخير وتكريس مفهوم العطاء داخل النظام الاجتماعي، بل الأبعد من ذلك هو التأصيل له من الناحية الشرعية، ومن الناحية السلوكية/الصوفية (لأنه مجاهدة النفس). فتمثلت شخصيته كمصلح اجتماعي لا يقتصر على اسداء النصح والدعوة إلى فعل الخير والعمل الصالح، وإنما على المبادرة إلى تكريس هذه القيم في المجتمع، حتى صار عنده الاحسان خلقا وسلوكا طبيعيا يجانس وجدانه وحواسه وأفكاره، بل وفراسته. 
هذا ما دفع ابن رشد بقرطبة إلى إرسال من يأتيه بالخبر اليقين عن سر مذهب السبتي. وربما توجس منه أو أقلقه أمره، خصوصا وأن الخليفة يعقوب المنصور خصّ أبا العباس بمعاملة حسنة (وأنزله من جبل كيليز وأدخله المدينة وحبس عليه مدرسة للعلم والتدريس..)11، وقد عُرف عن المنصور تعظيم الصالحين وأهل العلم10، وكان يميل إلى الزهد، إضافة إلى أن ابن رشد كانت لديه نزعة إلى معرفة أخبار رجال التصوف، والتيار الصوفي الذي عرف نشاطا في بداية تلك المرحلة من تاريخ المنطقة، إضافة إلى دوره الروحي الذي غلب على البيئة الاجتماعية والثقافية في الغرب الإسلامي. ويتضح هذا حين بادر ابن رشد (الشيخ) إلى لقاء ابن عربي (الشاب)، وكان لقاء تاريخيا، توقف عنده الباحثون كثيرا لاعتبار دلالاته. فهو لقاء التصوف بالفلسفة كحقلين معرفيين مختلفين. لم يكن لقاءً عاديا، لما يُضمره من رؤية عميقة إلى مسائل مُختلفٍ عليها بين التيارين. ومن المفارقات الغريبة أن قبر ابن رشد بمراكش ظل مفتوحا ستة أعوام بعد ترحيل جثمانه إلى قرطبة، حتى دفن به أبو العباس السبتي12. 

إن تأثير أبو العباس في المجتمع كان قويا انطلاقا من تكريسه لمفهوم الجود والعطاء وترجمته إلى فعل وعمل، فساهم في وعي وجودي، إذ يرى الجود هو الأمانة التي حمَّلها الله للإنسان. بهذا فلا غرابة أن نجد هذا التأثير مازالت آثاره بارزة في الثقافة الشعبية المغربية من خلال ممارسة التقليد المعروف بـ"العباسية"، (نسبة إلى أبو العباس). والممارسة تكرست في المجتمع على شكل الاستفتاح بالعطاء في بداية العمل، كي يبارك الله الرزق ويزكيه. استجلابا للخير وابعادا للشر. وفي هذا أثر من اتباع سيرة الرجل ومذهبه في البذل والإنفاق والعطاء.

------------------------------------------------------

  • 1 العباس بن إبراهيم السملالي: الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، المطبعة الملكية-الرباط، ط2، 1993م، ج1، ص: 236.
  • 2 أبو يعقوب يوسف بن يحيى التادلي: التشوف إلى رجال التصوف وأخبار أبي العباس السبتي، منشورات كلية الآداب بالرباط، تح.أحمد التوفيق، ط2، 1997، ص: 454/453.
  • 3 نفس المصدر، ص: 453.
  • 4 نفس المصدر، ص: 455.
  • 5 نفس المصدر، ص: 470.
  • 6 نفس المصدر، ص: 465.
  • 7 نفس المصدر، ص: 459.
  • 8 نفص المصدر، ص: 472.
  • 9 أبو العباس أحمد الناصري: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، دار الكتاب-الدار البيضاء، تحق. جعفر الناصري ومحمد الناصري، ج2، 1997، ص: 261.
  • 10 عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقـ.محمد سعيد العربان، 1963 القاهرة، ص: 354.
  • 11 العباس بن إبراهيم السملالي: الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، المطبعة الملكية-الرباط، ط2، 1993م، ج1، ص: 262
  • 12 أحمد التادلي الصومعي: المعزى في مناقب الشيخ أبي يعزى، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية-أكادير، تحق. على الجاوي، 1996، ص: 233.

كتاب سحر الموضوع (عن النقد الموضوعاتي في الرواية والشعر)




كتاب سحر الموضوع (عن النقد الموضوعاتي في الرواية والشعر)
المؤلف: د.حميد لحمداني
الطبعة الثانية: 2014
مطبعة أنفو-برانت/فاس
عدد الصفحات 174

ثورة الريسوني


بحث وإعداد: رشيد أمديون

في ظل الأحداث التي عرفها المغرب والتي عُرفت بفترة "السيبة" وفي الوقت الذي ثار فيه الثائر "الجيلالي بوحمارة"(الذي سبق الحديث عنه في لمحة سابقة) وقام ضد السلطة المركزية المخزنية في حكم السلطان عبد العزيز، كان هناك ثائر آخر ابن مدشر "الزينات" جنوب شرق طنجة (47 كلم)، يسمى أحمد بن محمد بن عبد الله الريسوني، الذي يعرف عند مؤيديه وأتباعه بالشريف الريسوني.
تلقى علومه الأولى وحفظ القرآن بمسقط رأسه... ويصفه بعض المؤرخين، أنه كان يهجم على القبائل وأوكار اللصوص، وأن أعماله لم تكن إلا نهبا واعتداء، وآخرون، يصفونه بكون أعماله خيرة، وكان "الغرض منها تطهير المنطقة من اللصوص، وحماية المظلومين وانصاف المستجيرين"... واعتبره آخرون أحد الابطال والزعماء الثوريين الذين ثاروا ضد سياسة الحكم....
سجن خمس سنوات (1895 إلى 1900) مكنه هذا السجن من الاتصال بالمعارضين من علماء فاس ومراكش. أُخلِي سبيله سنة 1900 بعد وساطة من أبناء عمومته، ثم بعد فترة انقطع فيها إلى الدراسة والتحصيل عاد بعدها إلى حمل السلاح، بسبب المعاملة التي عاملته بها السلطة المحلية بعد عودته من السجن. كما أن "بوحمارة" كان على اتصال به، وقد عينه عاملا على قبائل الشمال الغربي...
كان الريسوني - مع عصابته - "يخطف الرجال ذوي الوجاهة واليسر ويحفظهم رهائن إلى أن يدفع أهلهم الفدية المعينة من المال". واختطف الأجانب حيث اختطف سنة 1903 مراسل جريدة التايمز اللندنية هاريس وكان من المستشارين المقربين للسلطان عبد العزيز.
وسنة 1904 اختطف القنصل الأمريكي بطنجة أيون بردكاس.
ثم اختطف سنة 1907 "ماكلين" وهو ضابط بريطاني كان مستشارا للسلطان وقائد حرسه... ولم يكن يطلق سراح من اختطفهم إلا بعد أن يحصل على فدية مالية كبيرة.
استفادت ثورة الريسوني من ضعف قوة السلطة المخزنية بسبب أنها كانت تواجه ثورة بوحمارة القوية. لهذا فقد عينه السلطان عبد العزيز بعد عجز عن القضاء عليه، عينه حاكما سنة 1904 على أحواز طنجة بعد أن اشترط عليه ذلك مقابل الافراج عن القنصل الأمريكي. وفي 1908 سارع إلى فاس لبيعة السلطان عبد الحفيظ فولاه عاملا على قبائل جبالة والهبط وغمارة، وباشا على مدينة أصيلا، ولم يتوقف توسعه في القبائل إلا بعد أن اسره محمد بن عبد الكريم الخطابي سنة 1925.
--------
المراجع:
- ثورة بوحمارة – كريدة ابراهيم - صفحة 63
- الموسوعة الحرة

مَلَكة الحفظ لدى المغاربة


بحث وإعداد: رشيد أمديون

قد نتساءل كيف للكتب التي أُعدمت حرقاً، سواء في عصر دولة المرابطين ككتاب احياء علوم الدين للغزَّالي الذي أمر علي بن يوسف بن تاشفين بإحراقه، أو كتب الفقة المالكي التي أحرقت أيضا في العهد الموحدي... كيف عادت هذه الكتب وانتشرت في الساحة الثقافية والعلمية في زمن بعدي ليس بالطويل من تلك المرحلة، وكيف تم احياؤها من جديد وترويجها، خاصة لو علمنا أن كتاب الغزَّالي كان لبعض الفقهاء فيه رأي حين عاد ترويجه مع قيام دولة الموحدين، على اعتبار أن ابن تومرت أحد خريجي مدرسة الغزالي وناشر تعاليمها في المغرب. ونفس الأمر بالنسبة لكتب الفقه المالكي (مدوَّنة سُحْنون، وكتاب ابن يونس، ونوادر أبن أبي زيد القيرواني ومختصره، وكتاب التهذيب للبراذعي، وواضحة ابن حبيب، وغيرها...) التي أحرقها يعقوب المنصور الموحدي، حين قام بفرض المذهب الظاهري (2) بالقوة على العلماء وعامة الناس كي يجمعهم عليه(1) (كما سبق أن أشرت في لمحة سابقة)، وقد ورد أنه كان يحفظ كتاب المُحلى لابن حزم.
ويجيب العلامة عبد الله كنون عن هذا التساؤل: "أنه في ذلك العصر كان جل الاعتماد على الحفظ والاستظهار. فبعد حرق هذه الكتب لم يصعب على الناس أن يجدوا من يستظهرها بلفظها وتكتب عنه. وهذا الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن عيسى التادلي الفاسي الفقيه الحافظ المحصل المتوفي (3) سنة (623 هـ) يذكر المؤرخون في ترجمته أن المدونة كتبت من حفظه بعد أن أحرقها الموحدون أي نفس الوقت تقريبا. وما لاشك فيه أن غيره كثيرون ممن كُتبت الكتب الأخرى المحروقة من لفظهم وحفظهم"(4).
----------------
الهامش:
1- المعجب في تلخيص أخبار المغرب – عبد الواحد المراكشي – ص: 354
2- المذهب الظاهري إمامه في الأندلس والمغرب هو ابن حزم الأندلسي الذي أحيا المذهب بعد زواله في الشرق.
3- نيل الابتهاج بتطريز الديباج – أحمد بابا التنبكتي – عناية وتقديم: عبد الحميد عبد الله الهدامة، منشورات دار الكتاب - ص: 214
4- النبوغ المغربي في الأدب العربي – عبد الله كنون الجزء الأول - ص: 122

ما كان بين المجاهد العياشي والدلائيين


بحث وإعداد: رشيد أمديون
عندما رجع المجاهد العياشي* إلى سلا (1023/1614) فارا من أزمور ومن جنود السلطان زيدان الذين كانوا يريدون رأس العياشي بطلب من السلطان السعدي بمراكش، قلت لما عاد إلى سلا، بُويع كأمير جهاد، ليحارب الاسبان والبرتغال، (كما سبق أن تحدثنا في لمحة سابقة)، وصار ينتقل في حركاته الجهادية بين المعمورة (المهدية حاليا)، والعرائش، وطنجة، وسبتة ومليلية، والجديدة، إضافة إلى مجابهته لبعض القبائل التي كانت تنزع إلى الاغارة والسلب والنهب، وقطع السبل..(1)

وكانت بينه وبين "أبو بكر الدلائي" شيخ الزاوية الدلائية علاقة طيبة، وبينهما رسائل تؤكد صفاء الصداقة والمحبة، ودعما وتأييدا من شيخ الدلائيين للعياشي على جهاد الإسبان والبرتغاليين(2)، وكان يدعو له بدعاء خاص (3)، كما يقدم له الإعانات المادية، والجنود المقاتلة عند الحاجة. وبدوره العياشي كان يرسل إليه بعض التحف اعترافا بالجميل. 
لكن الأمر اختلف بعد وفاة شيخ الدلائيين أبو بكر سنة (1046/1336) وخلفه ابنه الأكبر محمد الحاج على الزاوية. ومحمد الحاج كانت لديه رغبة للتوسع، فكثر جنده وأنصاره، فقضى على خصومه ومنافسيه، ودان له وسط المغرب وغربة وشماله خاصة وقد بلغ تدهور السعديين غايته. اصطدم المجاهد العياشي بمحمد الحاج الدلائي حين حدث أن ضيَّق العياشي على الأندلسيين المورسكيين المقيمين على ضفة أبي رقراق لأنهم مالوا إلى الإسبان، واتهمهم بالخيانة فحاصرهم، وافتاه العلماء بقتالهم.. فرت طائفة منهم إلى محمد الحاج الدلائي، وشفع لهم عند العياشي لكن العياشي لم يقبل شفاعته فيهم، فغضب الدلائيون وأجمعوا على قتاله، وقامت الحرب بين الطرفين، انتصر في الأولى محمد الحاج، وفي الثانية العياشي. ثم اغتنم خصمه فرصة غيابه في بلاد الفحص لقتال الاسبان في طنجة، فحشد له جيشا شمال نهر سبو، وتأهب لعودته من الجهاد... ولما رأى العياشي أنه لا قبل له به، جنح إلى السلم والمهادنة، لكن المجاهدين الذين كانوا معه رفضوا الاستسلام.. ووقعت المعركة في ضواحي سوق الأربعاء الغرب أواخر 1050/1641، هُزم العياشي وفر لاجئا إلى قبيلة الخلط (بين سوق الأربعاء الغرب وعرباوة)، لكن هذه القبيلة كان أكثرها قد انحرف عن بيعته، فاغتالوه بعد أيام من مكوثه عندهم، وبعثوا برأسه إلى خصومه. (4)

------------------------
الهامش:
* رابط اللمحة السابقة عن المجاهد العياشي:
http://hams-rroh.blogspot.com/2018/03/blog-post.html
1- الزاوية الدلائية ودورها الديني والعلمي والسياسي – محمد حجي - ص: 155
2- الرسائل التي كانت بينهما: أنظر نفس المرجع السابق ص: 158 و159
3- تجد نص الدعاء في الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى- الناصري - الجزء السادس - ص: 91
4- الزاوية الدلائية ص: 170 – الاستقصا ص

الأمير أبو حسون السملالي والعلويون


بحث وإعداد: رشيد أمديون
في أواخر انهيار الدولة السعدية، وبدايات تكون الدولة العلوية - التي لازال حكمها إلى يومنا هذا- إبان تلك الفترة عرف المغرب إمارات مستقلة مثل إمارة العياشي في سلا (وقد سبق أن تحدثنا عن المجاهد العياشي في لمحة سابقة) وإمارة محمد الحاج الدلائي صاحب الزاوية الدلائية، وإمارة أبي حسون السملالي على سوس. ويعتبر هذا الأخير "أبو حسون السملالي" أو (كما يعرف أيضا ببو دمعة) حفيد القطب الصوفي المعروف "سيدي أحمد بن موسى" (أو سيدي حماد أو موسى) دفين تزروالت. وهو ثالث أمراء الأسرة الجزولية بتزروالت، أسس إليغ (بإقلم تيزنيت)، فكانت عاصمة لإمارة السملاليين (1021-1031).
وقد ظهر هذا الأمير في الساحة السياسية المغربية عندما آزرته قبائل جزولة التي ينتمي إليها، ونظرا للظروف المزرية التي كان يمر بها المغرب وقتئذ من ثورات كثيرة خاصة ثورة الفقيه ابن أبي محلي بمراكش، إضافة إلى الصراع الذي كان بين السلطان زيدان بن المنصور السعدي، وأخيه محمد المامون الملقب بالشيخ، حيث كانت هناك مملكتان سعديتان واحدة في مراكش وأخرى في فاس، إضافة إلى ما أقدم عليه محمد الشيخ من عمل أغضب كل العناصر الوطنية، حيث قام بتخليه وتنازله عن العرائش للملك الاسباني مقابل إنجاده بالسلاح والرجال لاسترجاع فاس لما حاول زيدان أن يحتلها.. ولهذا وذاك وبحسب ما أورده الناصري في الاستقصا فقد "ضعف أمر السلطان زيدان بالصقيع السوسي وفشل ريحه فيه"(1).. ثم صارت بعد ذلك درعة وسجلماسة تحت نفوذ السملاليين سنة 1630-1631م، فصار أمير الجنوب المغربي كله.. (2)
وبهذا "كان إقليم سوس والصحراء الغربية ومنطقة درعة كلها تابعة له، وكانت حكومته تراقب الممر التجاري المتجه من درعة وتارودانت نحو إفريقيا الغربية، وبهذا يجعل جزءا هاما من موارد التجارة الداخلية تحت رحمة أبي حسون" (3)
ويحكي التاريخ أن أبا حسون بعد استولائه على سجلماسة قام باعتقال "الشريف بن علي" ووضعه في السجن، لأسباب اختلف حولها المؤرخون... وبعث إليه محمد بن أبي بكر الدلائي شيخ الزاوية الدلائية (التي بدورها كان لها نوفذها ودورها السياسي والعلمي)، برسالة يحضه فيها على حسن معاملة الشريف بن علي، مذكرا إياه بنسبه الشريف وقرابته من النبي، وطالبه بأن يخلي سبيله. ورد على رسالته قائلا: «وأما ما قلت من أن نترك سجلماسة للشريف المذكور كغيرها من البلاد التي بأيدي غيره، فلا أتركها، لأنهم رضوا بي وبايعوني ورضوا به وبايعوه فإن بعضهم معي وبعضهم معه، كأهل العراق مع الحسين بن علي الذين خرجوا على يزيد بن معاوية. فانظر ما فعل بهم وبه. وأنا لم أفعل به ولا بهم شيئا من ذلك»(4) 
أطلق أبو حسون سراح الشريف العلوي بعد ذلك. ولما جمع محمد بن الشريف العلوي دعم العرب الرحل عاد لمواجهة أبي حسون، وأخرجه من سجلماسة، ثم بعد ذلك وفي ولاية السلطان الرشيد شن حملة على إمارة السملاليين وهدم إيليغ التي كانت عاصمة السملاليين، واستولى على تارودانت، وبذلك ضم بلاد سوس إلى الدولة العلوية. وقد أشار العلامة المختار السوسي إلى هذا حيث قال: "ثم علمت أيضا أن الملك مولاي الرشيد مر بإلْغ سنة 1081 هـ، بعد تخريبه لاليغ".(5)

                              ________________________________________________

المصادر:
1- الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى – الناصري - الجزء 6 – ص: 79 / دار الكتاب الدار البيضاء
2- الزاوية الدلائية ودورها الديني والعلمي والسياسي – محمد حجي – ص: 148
3- المغرب عبر التاريخ – إبراهيم حركات – ج: 3- ص: 14 / دار الرشاد الحديثة.
4- الزاوية الدلائية ودورها الديني والعلمي والسياسي – محمد حجي – ص 151
5- المعسول - المختار السوسي - ج:1 - ص: 27
* مصدر الصورة المرافقة: موقع هسبريس

Join me on Facebook Follow me on Twitter Follow me on Twitter Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة