[ مدونة رشيد أمديون

بوحمارة أقوى ثائر في القرن العشرين



مابين 1902 و1909 عرف تاريخ المغرب المعاصر أكبر ثورة وأشدها مراسا، حيث أن الجيلاني الزرهوني الذي كان يدعى "بوحمارة" ادعى أنه محمد بن السلطان الحسن الأول ووثق به كثير من الناس فصدقوه لإظهاره الصلاح والتدين وما كان يزعمه من الرغبة في تحرير البلاد من الأطماع الإستعمارية ومن يد السلطان ومن معه من الذين يخدمون مصالح النصارى... وكان المغرب وقتها يمر بظروف سياسية واقتصادية عصيبة خاصة بعد وفاة الصدر الأعظم با أحمد الذي كانت السلطة في يده بعد وفاة السلطان الحسن الأول لكون السلطان عبد العزيز وقتئذ لم يتجاوز عمره الثالثة عشر.. 

وكان الجيلاني الزرهوني يجوب القرى والقبائل على أثان (حمارة) فيدعو الناس، وكان ذكيا طليق اللسان وأفاده ما حصَّله من الفقه والعلم وبعض ما أتقنه من السحر في استمالة الناس، وأيضا ما كان يتوفر لديه من آلات حديثة كالفونوغراف والأسطونات التي غالبا لم يكن للعامة علم بها، مما أوهمهم أنها أشياء خارقة للعادة... (كما كان ملما بالسياسة بحكم أنه كان كاتبا في قصر السلطان قبل أن يدخل السجن بسبب تزويره..). وبعدها عقد اتفاقيات مع فرنسا واسبانيا (1907) حتى تستغل المناجم التي كانت توجد في المناطق التي بسط عليها نفوذه مقابل المال.
استطاع بوحمارة أن يكَوِّن قوة مجابهة لقوة السلطان المخزني في ظرف سنة واحدة إذ أن في 1902 أَلحق بجيش المخزن هزيمة فخرج بوحمارة من المعركة منتصرا بمساعدة قبائل الحياينة. ورغم ما حققه بوحمارة من انتصارات لم يسر نحو العاصمة فاس حيث السلطة المركزية وقتها، بل توجه نحو شمال شرق المغرب، ودام القتال بين الجانبين سبع سنوات، إلى سنة 1909 بعد تولي السلطان عبد الحفيظ الحكم سنة 1908، وبعد طلب مساعدة من فرنسا للقضاء على الثورات هزم بوحمارة وفرّ هاربا إلى مسجد بالزاوية الدرقاوية ولم يتمكنوا من القبض عليه إلا بعد احراق المسجد، ووضع في قفص ربط على ظهر جمل وحملوه إلى فاس. وبعدها بنيت دكانة مرتفعة ووضع عليها القفص، ثم يدخل إليها بوحمارة ليتفرج عليه الناس...
وأعدم رميا بالرصاص وأحرقت جثته، كما أورد ذلك الأستاذ إبراهيم كريدة في كتابه "ثورة بوحمارة" نقلا عن محمد المختار السوسي، كما قيل أيضا أن جثثه رميت للسباع فافترستها.

أطماع الأمويين، ونبي البرغواطيين



رشيد أمديون

بلغت أطماع الأمويين أن ضيقوا على القبائل الأمازيغية بالمغرب عن طريق وُلاتهم، وكان هذا تحديدا في عهد هشام بن عبد الملك والذي كتب يوما إلى عامله على إفريقيا فقال: "أما بعد، فإن أمير المؤمنين لما رأى ما كان يبعث به موسى بن نصير إلى عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى، أراد مثله منك وعندك من الجواري البربريات الماليات للأعين الآخذات للقلوب، ما هو معوز لنا بالشام وما ولاه. فتلطف في الانتقاء، وتوخ أنيق الجمال، وعظم الاكفال، وسعة الصدور، ولين الأجساد، ورقة الأنامل، وسبوطة العصب، وجدالة الاسوق، وجثول الفروع، ونجالة الأعين، وسهولة الخدود، وصغر الأفواه، وحسن الثغور، وشطاط الأجسام، واعتدال القوام، ورخام الكلام.."(1)
ثم ذهب وفد من الأمازيغ بالشكوى إلى مقر الخلافة الأموية لمقابلة الخليفة هشام بن عبد الملك فانتظروا هناك بدون أن يأبه لهم الخليفة، وعادوا حانقين..، فكانت مثل هذه الأسباب وغيرها -كما يقول المؤرخون- هي التي دفعت إلى ظهور الخوارج الصفريين بزعامة ميسرة المطغري وخالد بن حميد الزناتي الذي ألحق الهزيمة بالأمويين في "معركة الأشراف" و"معركة بوكدورة"(2).. وكذا طريف المطغري الذي أسس الدولة البرغواطية في المنطقة التي كانت تسمى تامسنا والتي تقع بين سلا أزمور وآسفي، ثم بعد ذلك خلفه ولده صالح بن طريف (744م) الذي ادعى النبوة (وكان منجما) وابتدع دينا جديدا للبرغوطيين كشكل من أشكال الإستقلال السياسي والديني..، فزعم أن قرءانا أنزل عليه باللسان الأمازيغي يقرأونه في صلواتهم التي بلغت العشر مبتدئين بقولهم: "مقر ياكوش" أي الله أكبر، وصلاة الجمعة عندهم يوم الخميس، وكانت لهم تعاليم أخرى كثيرة... وسمى هذا المدعي نفسه "صالح المؤمنين" وزعم أن القرآن الكريم بشر به وذكر اسمه في سورة التحريم:( وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِير)(3). لكن دينهم بدأ انتشاره والاجهار به تحديدا مع حفيده يونس بن إلياس بن صالح الذي فرضه بالقوة والعنف والقتل... فدامت دولة البرغواطيين أكثر من ثلاثة قرون حيث ظهرت قبل بيعة إدريس الأول بنصف قرن، ولم تستطع الدول التي قامت في المغرب القضاء عليها كدولة الأدارسة والفاطميين والزناتيين..، إلى أن ظهر المرابطون الذين حاولوا توحيد المغرب سياسيا ودينيا، وقد استشهد الفقيه عبد الله بن ياسين في جهاده ضدهم في مسيرة الإصلاح ونشر الإسلام في المغرب تحت راية الدعوة المرابطية. لكن رغم ما أبلاه المرابطون في قتالهم للبرغواطيين فقد بقيت منهم باقية قضى عليها الموحدون بعد ذلك.

الهامش:

1- رسالة هشام بن عبد الملك أنظر كتاب: الدولة الأغلبية التاريخ السياسي 909 -800م – محمد الطالبي ص:40– دار الغرب الإسلامي
2- أنظر كتاب لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين - ذ.محمد شفيق
3- أنظر كتاب البرغواطيون في المغرب - د محمد الطالبي/ د إبراهيم العبدي


الرجراجيون السبعة - لمحة تاريخية (3)




3- الرجراجيون السبعة

رشيد أمديون

قيلَ أنَّ سبعةَ رجال من المغاربة من قبيلة الشياظمة، وفدوا على الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة، ودخلوا مكة وهم ينشدون "فاستجابت لهم شعاب الوادي بالأصداء، فقال أهل مكة ما هذه الرَّجْرجة، فقال رسول الله صل الله عليه وسلم: هؤلاء الرجراجيون جاءوا مسلمين، ومن هناك اتصل بهم هذا الإسم"، فسموا رجراجة أو ركراكة (Ragraga). وخاطبهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالأمازيغية (وتلك من معجزاته)، فأعلنوا الإسلام بين يديه، ثم حملوا دعوته إلى المغرب فكان لهم فضيلة السبق إلى الإسلام والدعوة إليه في بلاد المغرب قبل دخول عقبة بن نافع فاتحا. وهؤلاء السبعة هم: سيدي واسمين- سيدي عيسى بو خابية وشقيقه سيدي اسعيد الملقب بالسابق أو(يبقى) - سيدي عبد الله أدناس - سيدي بوبكر أشماس وإبنه سيدي صالح - سيدي يعلى بن واطل بن مصلين والد سيدي شاكر أو شيكر، الذي قيل أنه صَحب عقبة ابن نافع الفهري كما جاء في كتاب رباط شاكر للمؤرخ محمد السعيدي.
ونظم الفقيه ابن عبد الكبير الشاوي (ابن حريرة) أبياتا فقال:
زيارة اهل الله من أعظم الدخر= وكنز الفلاح في القيامة والحشر
وقوم بأقصى المغرب سبع أجلة = لهم رتب عليا على أهل ذا القطر
بصحبة خير الخلف خصوا وقدموا = بمغربنا طرا على كل ذي قدر
وقد ذكر هذه القصة كثيرٌ من المؤرخين منهم: عبد الله الرجراجي السعيدي في كتابه "السيف المسلول فيمن أنكر على الرجراجيين صحبة الرسول". ومحمد السعيدي الرجراجي في كتابه "رباط شاكر (سيدي شيكر)". والأستاذ كريدية إبراهيم Kredya Ibrahim في كتابه شرفاء رجراجة ودورهم المشهور. وذكرها المختار السوسي في "المعسول" الجزء الثالث، ص: 7 ثم أنكر صحتها في الجزء 14 ص: 138 من نفس الكتاب، كما قال عبد العزيز الدباغ في كتابه الإبريز أن هؤلاء ليسوا صحابة وليس في المغرب من الصحابة أحد.

لمحة تاريخية (2)

2- أبو محمد بن حرزهم في بيت المقدس



جاءَ في كتابِ التّشوُّف إلى رجالِ التّصوُّف (94)، الذي ألّفه أبو يعقوب يوسف التّادلي رحمه الله، أن أبا محمد صالح بن حرزهم "لما زار بيت المقدس انقطع بقرية قريبة منه. فقدّمَه أهلُ تلك القرية للصلاة يؤم بهم في مسجد تلك القرية. فأقام هناك إلى أن أقبل الإمام أبو حامد (الغزَّالي) رحمه الله، في جماعة من تلامذته. فنزلوا في ذلك المسجد وكان فيه عريش عنب قد ظهر فيه الحِصْرِم*. فقالَ لأبي حامد تلامذتُهُ: اشتهينا حصرمة. فقال لهم: سلوا إمام المسجد على من حَبسَ عنب هذه الشجرة، أعلى الإمام، أم على المؤذن أمْ على المسجد أم على منْ هو حَبسٌ حتَّى يُعلمكم. فسألوا أبا محمد (بن حرزهم). فقال لهم: لا أدري على من حُبِسَ ولا تعرّضتُ له ولا أكلت شيئا منه قط. فأخبروا أبا حامدٍ بذلك. فقال لهم: هذا مغربي، له أعوام في المسجد، ولم يتعرض لهذا العريش ولا عرف خبره وأنتم من ساعة واحدة لم تملكوا أنفسكم".

* صالح بن محمد بن حرزهم هو عم أبي الحسن علي بن حرزهم، والد محمد بن علي بن حرزهم، المعروف عند الناس بـ سيدي حرازم.
* الحِصْرِم: أخضر العنب الذي في بداية النضج

لمحة تاريخية (1)

1- بين الغزّالي ويوسف بن تاشفين



...وكانت هناك مراسلات بين حجة الإسلام أبي حامد الغزّالي وأمير المسلمين في عصره الملك المجاهد يوسف بن تاشفين اللمتوني أمير دولة المرابطين التي ساهم في تأسيسها الفقيه المالكي عبد الله بن ياسين الجزولي تلميذ الفقيه وجاج بن زلو اللمطي تلميذ العلامة أبي عمران الفاسي المالكي، والأمير يحيى بن ابراهيم الجدالي، ومن بين هذه المراسلات أن ابنَ تاشفين أرسل رسوله إلى المشرق ليطلب من الغزَّالي فتوى غزو الأندلس بعدما أفتاه فقهاء الأندلس بجواز ذلك لتوحيدها والقضاء على ملوك الطوائف الذين قسموا البلاد وتجبروا وحارب بعضهم بعضا... فأجاز الغزالي له ذلك. 
كما أن ابن تاشفين بعد ذلك بعث إليه يطلبُ منه أن ينتقل إلى المغرب، فلبى دعوته وخرج مسافرا، ولكن ابن تاشفين توفي فبلغ الخبرُ الغزالي فعاد من الطريق إلى بلده. وهكذا حرم المغرب من دخول فقيه وصوفي وفيلسوف إلى أرضه، بيد أن علمه بلغه...

السخرية كمرتكز نقدي


السخرية كمرتكز نقدي

في المجموعة القصصية "رحلة الصيف والشتاء"

للقاص محمد إدارغة

بقلم: رشيد أمديون

رحلة الصيف والشتاء.. رحلة الانتقال في الزمن والمكان. رحلة بين المتحول والمتغير النفسي /الاجتماعي/الثقافي.
أتوقف عند هذه المجموعة قارئا عاشقا لنصوصها، أُوقِد شموعَ النباهة علِّي أبصِر المغزى وأغوص في عمقها لأستجلب دُررَ المعاني من نصوص ذات نمط مختلف في الحكي حافلة بالغرائبي، والخيال، والحلم كوسيلة للإنطلاق إلى الشساعة والحرية قصدَ الانفلات من الضيق والـمُقَيّد... والحلم والخيال ملجأ خصب لقول الواقع وتفكيكه وإعادة دمجه بالشكل الذي يفرضُه الوعي واللَّاوعي : " قلت: وأجمل منه أن نبني حلما على أرض الواقع.."1
إن هذا الحكي يَشعُ بتقنية الوصف التي أضفت على السرد رونقا وبهاءً، يشد القارئ إليه بنشوة ماتعة تُغريه ليزيد توغُّلا في القراءة، بداية بالنص الأول "هل للفراغ محل من الإعراب؟" ثم قصة "العجين" إلى نصوص أخرى يتعاضد فيها الوصف بالسرد أو كما سماه الناقد ادريس زايدي: "سردية الوصف بحيث يصبح التوصيف الدقيق تقنية شاملة للعمل القصصي".
القاص والناقد محمد إدارغة يوقد جذوة الجمال من نار السرد، ويُطَوِّعُ بنية اللغة بمهارة فنية لبناء هيكل النص الشامخ، ويُشيِّد صومعة المعنى بتؤدة ورويّة، ويعطي عناية كافية للفظ وللعبارة وما بينهما من إشارات دالة وذات بُعد إيحائي قائمة على التأويل أو على اشراك القارئ ومُصراحته "لأن الكتابة هي فعل مشترك بين المرسل والمرسل إليه" كما أشار إلى ذلك الناقد إدريس زايدي في مقدمة الكتاب. وهذا الإشراك يكون ضمن عملية السرد -أيضا - بُغيَةَ احتواء القارئ داخل لعبة البحث – حتى  ولو بعد الانتهاء من قراءة النص- هذا البحث الذي يلح على إيجاد المخرج للإشكالية أو الكشف عن الجواب للسؤال أو الأسئلة التي يمكن أن يقوم النص بإيجادها أو بإحيائها عبر ما يمارسه الكاتب من عملية تأجيج القلق المفترض لدى المتلقي سواء عبر سياق وصف المكان أو سرد الحدث أو حركة ونمط تفكير الشخصيات التي برزت بدورها -هنا- بتركيبة نفسية متناقضة بناءً على ما تعيشه من حالة انفصام أو ما تعانيه من مجابهات في صراع دائري تشكله ثلاثة أشياء:  الواقع /الثقافة /الموروث.

*********
إن تجربة القاص محمد إدارغة القصصية في مجموعة "رحلة الصيف والشتاء" تتخذ الكتابة مساحة شاسعة لتأسيس لبنات النقد الاجتماعي والسياسي والأخلاقي، هذا النقد الذي لا يخلو كثيره (في نصوص المجموعة) من عنصر السخرية سواء كانت سخرية ظاهرة أو مضمرة تمَّ التعبير عنها بالتعريض أو بشكل غير مباشر فإنها أتت غالبة على طبيعة النصوص، وكأنها تؤطر رؤية السارد للواقع والمجتمع الذي تفككت وتباعدت علاقة أفراده بالقيم والمفاهيم الجادة، وحلّت السلبية التي أثرت على نسيج المجتمع ثقافيا ونفسيًا وسياسيًا.
والسخرية تقنية تقبلُها القصة القصيرة كوظيفة نقدية يُرتجَى من ورائها طرح المفارقات لإبراز الخلل الذي يعتلي الممارسات الفردية أو المجتمعية، وفضح الظوهر المستترة والسلوكيات السلبية، فهي لا تفرض قوتها في المجموعة قصد الاضحاك أو الإستهزاء  بل هي تترك بصمتها الخاصة، كـ" أسلوب يتخذه الكاتب ليتبنى موقفه من الواقع والعالم من حوله، وهي طريق سهل للنقد، والوصول بالقارئ"2، كقصة "لحوم في المزاد العلني" التي تناولت لفظتي الشيوخ والشيخات بشكل ساخر يفضي إلى تأويلات شتى تبني أفقا ساخرا في الواقع على أساس موروث شعبي أُريدَ له الانحراف...
ويلجأ الكاتب – غالبا- إلى السخرية لأنها وبتعبير  فولفغانغ: " ذرة الملح التي تجعل ما يقدم إلينا مستساغا"، خاصة "عندما يواجه (الكاتب) واقعا متصلبا، لا يسمع ولا يفهم  ولا يبالي، فيكون مضطرا إلى مواجهته بأساليب مختلفة، ...، فهي أفضل أسلوب لانتقاد الواقع"3 ، وكشف مساوئه، ومثل هذا نجده في قصة "رحلة الصيف والشتاء" التي تكشف معاناة رجل التعليم في رحلة أداء الوظيفة داخل بيئة وعرة التضاريس شديدة القسوة... وقصة "زغرودة في كأس" الذي كان بطلها يحاكم واقعه المقهور إلى قواعد الإعراب إنطلاقا مما يراه من تعامل نادل المقهى معه بسبب ظروفه الاجتماعية المهمشة في الوقت الذي يحاكم فيه الأخرون الأشخاص إلى شكلهم ومظهرهم الخارجي ومستواهم الإجتماعي: "ولما يجهدك الفكر ويستعصي الرد تستغيث كعادتك بسيبويه، وأنت المولع بإعراب الأشياء فليأتيك من محفوظ الذاكرة جواب جاهز: ضمير مشتهر في محل رفع فاعل، وتبقى أنت المفعول به على الدوام.." (ص 48).
وللإشارة فعنوان "زغرودة في كأس" يحيلنا على فهمين، الأول: إما أنه استوحاه الكاتب من المثل الدارج "الماء والزّغاريد" الذي يطلق على القهوة أو الشاي السيء، على اعتبار أن نادل المقهى المستفز أحضر له في المرة الأولى ما يشبه البن فقال: " قد يكون مزيج رواسب كأس بماء ساخن ليس إلا". والمعنى الثاني أنه قد يكون نوعا من الانتصار الذي حققه بطل القصة في نهايتها حين أحضر له النادل في المرة الثانية بعد اهتمامه بهيئته وهندامه، البن - ماركة مسجلة- وبهذا يُفهم من أن الزغرودة  تابعة لموقف مفرح حقق فيه بطل القصة انتصاره النفسي الموهوم ونوعا من التعالي على النادل الذي أشعره قبل بالاحتقار باعتبار أنه يعامل الزبائن بهيئتهم وبنوع من العنصرية الطبقية.
وفي قصة جنون فوق العادة تبرز ملامح السخرية بشكل جد مختلف تتمحور حول الكتابة والمرأة وصفة الجنون التي قد ينعثُ بها الآخرون من اختارَ الكتابة والتعبير عن هواجسه الكامنة وتسطير ما يختلج في صدره، ولو على سبيل الخيال لا الحقيقة.
كما يشتغل نص "حكاية قصة لا تأتي" على هاجس الكتابة أيضا. فبطلها يطارد خيط البداية لقصة شاردة هاربة: " قلت: القصة القصيرة كميدان سباق الخيل، أهم ما فيها بدايتها. والبداية لا تريد أن تأتي".

والسخرية هي محاولة إعادة الحياة المستحقة، الجديرة بأن تعاش إلى سياقها الصحيح. وعلى رأي الأديب الألماني ريلكه "أبذل قصارى جهدك لاستعمال السخرية كأداة إضافية لتملك الحياة"، وأن تملك الحياة يعني أن ترها ذات معنى، لأن حياة بلا معنى لا قيمة لها.
************
كما تتنوع فضاءات نصوص هذه المجموعة القصصية:
المدينة، البادية، الحي (حي الوفاق)، المنزل، فلسطين، السطح...
لكن القاص ركز أكثر على فضاء المقهى في أغلب قصص المجموعة كمكان شاسع لتأسيس الرؤية، ويتسع لعوالم الذات الساردة ولعوالم اللآخرين من الذين يشتركون مع السارد هذه الحياة.
المقهى هو فضاء ممتد فيه تنكشف أحلام الشخصية المحورية وتتجلى هواجسها وما يؤرق بالها، وعليه فهو يعتبر (أي المقهى) في قصص المجموعة ملجأ خصبا خدم العمل الإبداعي على مستوى الحالة الإجتماعية والنفسية وساهم في تفعيل حركة الصراع البادي ما بين الذات/ الشخصية ومحيطها.

أما القضايا التي عالجها القاص، فمن بينها:
- الصحافة - القضية الفلسطينية وتعلقها بالوجدان العربي...
- الفقر والحاجة - الجهل والتخلف – والتهميش - الجنس - والبكارة والدم بمفهوم اثبات الطهارة أو الدناسة...
- اللغة العربية والتهميش (قصة: الضاد في غرفة الإنعاش) و(قصة: حكاية لا تأتي): " فالغيرة تخنقني كلما قرأت أو رأيت أو سمعت انتهاكا لحرمة لساننا الجميل"4
- التعليم، ومعاناة المعلم " إذ طوحت به أقلام التعيين حيث لا محل للإعراب"5، ...
- التلفاز وما أحدثه من استيلاب لدى المتلقي فتخلخلت نظم كثيرة واستأثر من الوقت بالنصيب الأوفر..

 ومما لا شك فيه أن كل نص خلق رؤية خاصة للحياة بناء على دعامات أساسية ومعطيات متحها القاص من الثقافة الشعبية والدينية ومن الموروث الأدبي، وبهذا أسس الكاتب نصوصا تنفتح على قراءات متنوعة ومتعددة... كما تتخذ الكتابة عند مبدعنا فضاء يمزج فيه بين الواقع والخيال بين الحلم والحقيقة، بين الكلام واللاكلام، أي المسكوت عنه، وبعبارة أخرى فهو يدفع بالمسكوت عنه ليطفو إلى السطح فيعاد فيه النظر دون حرج ولا خجل، لأن القضايا المسكوت عنها في المجتمع كثيرة، لكننا نتعامل معها بمنطق النعامة.
كما أن قارئ هذه المجموعة سيتذكر ما تشترك فيه نصوصها مع فن المقامة التي تعرف بأسلوبها الخاص بما تعتمد عليه من الطباق والجناس، وثنائية اللفظ... وهذا ما نجده عند محمد إدراغة وميز أسلوبه الجذاب، الذي يحدث إيقاعا موسيقيا متموجا،  فحقق بهذا عنصر المتعة والإمتاع اللغوي، وجمالية اللفظ وسحر البيان، بالتوازي مع إيصال الفكرة والرسالة الإنسانية الحقيقية عبر الإرتكاز على السخرية كنقد وانتقاد بَنَّاء، وهكذ أزعم أن هذا التوازي حقق شرط الكتابة الأدبية عامة والقصصية خاصة.

تقع المجموعة في 108 صفحة من القطع المتوسط، وتتضمن 21 قصة قصيرة. من تقديم الشاعر والناقد ادريس زايدي. منشورات اتحاد كتاب المغرب. لكاتبها محمد إدارغة عضو اتحاد كتاب المغرب.

الهوامش

1- قصة حلم ص:18.
2- عبد اللطيف خروبة مقالة بعنوان: وظيفة الحلم والسخرية في القصة العربية القصيرة
3- السابق
4- حكاية قصة لا تأت ص77
5- رحلة الصيف والشتاء ص 60


على جريدة المنعطف 

أصالةُ الذَّاكرة، والإنتصار للقيَّمِ الإنسانية

أصالةُ الذَّاكرة، والإنتصار للقيَّمِ الإنسانية

في "نبضات من الذاكرة" للقاص هشام فنكَاشي
بقلم: رشيد أمديون

ربما لا يحق لنا أن نعود إلى الجدل القديم حول علاقة الأدب بالأخلاق، كيف يجب أن تكون، أو على أي أساس ستنبني... ذلك لأن التجارب والدراسات الأدبية والنقدية أثبتت أن الأدب لا تقبلُ بنيتُهُ الوعظ والإرشاد - وخاصة الشعر والقصة القصيرة- وفي المقابل، لا يعني هذا أبدا أنه يُحتم على أي نص أدبي أن يخلو من موضوع له قيمة أخلاقية، كما لا يعني أنه لا يجدر به أن يلتمس له سُبل التأثير في وجدان المتلقي، وفي نفوس البشر عامة، بل تلك الغاية الأساس التي يَسعى إليها الأديب. غير أن الأثرَ كلَّما كان القصدُ إلى احداثه غير مباشر يكون أعمقَ وأهم، وقد يُفضي إلى نتيجة إنْ وُفِّق الكاتب في ذلك. وبهذا فإن مهمة الأدب «هو فهم النفس البشرية وتحليلها، وخلق الجمال وتهذيب النفوس بفضله»1.
والقصة القصيرة من الأجناس الأدبية التي لها قدرة احتواء الرسائل الأخلاقية، وتطهير النفس البشرية دون الانسياق في مسار التوجيه الذي لا مَحالة يُحيل النص إلى شكل من الخطاب المباشر المغسول من أيّ جمالية فنية والخالي من أي تقنية إبداعية.

وأما بعدُ:
فيمكننا أن ننفتح بعد القراءة على المجموعة القصصية "نبضات من الذاكرة" للقاص هشام فنكَاشي، كي نتأمل في نصوصها الأربعة عشر، التي تنبسط أمام قارئها وتبسط له يدَ المصافحة والمصالحة، قصد القيام بانتفاضة معنوية ضد الانحطاط الأخلاقي وضد برود علاقة الإنسان اتجاه أخيه الإنسان، واتجاه الطبيعةِ والوطن.. تلك الانتفاضة التي من شأنها أن تنتصر للقيَّم الإنسانية في تغريبتها، داخل مدن هذا العصر الجامدة...
في المجامع القصصية يكون أول ما تتلقفه القراءة هو العنوان الذي غالبا ما يقابل القارئ بالدهشة أو يشكل لديه قلق السؤال، أو يشوش على تفكيره، أو يفتح أمامه باب التأويل...
وعنوان هذه المجموعة القصصية قابل للقراءة كما أي نص من نصوصها، إذ هو من العناوين التي تتسم بخرق دلالي، لكونه يتضمن استعارة بلاغية، كآلية ضرورية لبناء المعنى وإنتاجه.
ومن حسنات مخيلة الإنسان أنها قادرة على تخزين الأحداث، والاحتفاظ بها، فالذاكرة الفردية تاريخ الإنسان، تضم وقائعَه، ومحطاتِه، وتجاربَه،.. شأنها شأن الذاكرة الجماعية المشتركة أيضا، ولكل منهما سواء فردية أو جماعية لحظات تبرق في سمائها صور الماضي وتُساهم في عملية الاسترجاع، هذه العملية التي نستطيع أن نسميها -مجازا- النبض. والنبض يخص كل ما يتصف بالحركة التفاعلية. وكما قال ابن منظور في لسان العرب: (نَبَضَ العِرْقُ يَنْبِضُ نَبْضاً ونَبَاضاً: تحرّك وضرَب.. والنَّبْضُ الحركةُ. وما به نَبَضٌ، أَي حرَكةٌ). ونقول (نبضات القلب) لأنَّ حركته حيوية تتفاعل مع حركة الانفعال الحسي لدى الإنسان (خوف/فرح...)، وتتفاعل مع حركة جسده، ومجهوه البدني. فنبضات القلب مصدر حياة واستمرار، لو سكن القلب لمات الإنسان، ولتوقفت حركة باقي أعضائه، وانتهت صلاحيته في الحياة. النبض باعث الحياة وفاعلها. ومادامت الذاكرة التي هي خزينة أحداثِ وصورِ الماضي وأفكاره... تبعث بنبضات فهي ذاكرة حيَّة، قادرة قدرة فعلية على اشعار الكائن بوجوده وبانتمائه، وتُحسِّسُه بكون الماضي لا ينفصل عن حياته أو حياة مجتمعه وأحداثه وقيّمِه المتشبث بها، فكل نبض من الذاكرة الفردية أو الجماعية هو تذكير وإشعار وإحياء ومقاومة لسلطة النسيان، وصد للغفلة المتربصة بعقل الإنسان ووجدانه. ولا بأس أن نقول أيضا، أنه استشراف للمستقبل، لأن الضياع والتوهان لا يَبعدان كثيرا عن كيان الإنسان إذا غابت ذاكرته أو غيَّبها وتخلى عن ماضيه بكل حمولته الثقافية وأصالته الفكرية وقيمه المطلقة، وارتمى في أحضان ثقافات الاستهلاك والانسلاخ والتنكر للماضي برمته.
فهي نبضات من (...) / ومادام أن هناك (من) فافتراضا هناك (إلى)...
بمعنى أنها كالرسائل.
فأن تنبض الذاكرة نبضات، أشبه بأن تبث وتعيد إنتاج الصور في الوجدان وتغلِّفها بالحنين إلى القيم الإنسانية والأخلاق والطهر كما في قصة "سبحة جدي"، وهو  في حد ذاته انتصار لكل هذه المفاهيم المجملة دون التفصيل، لأن القيم الحقيقية تُدَرك بالفطرة قبل أن تدرك بالتوجيه.
وثم بعد، كي نسعى إلى فهم المعزى أكثر، ننتقل إلى قصة "انهزام بطعم الانتصار" التي تقابلنا بدورها بنموذج لحياة الفطرة، كأنها لوحة فنية، رسمت من قرون، فنقرأ: «دخلته (يقصد السارد الوجدان) فوجدت الجدة تغزل صوفها... وتحت شجرة عجوز هناك شيخ يصلي بخشوع... وفوق الشجرة بلبل يرثي حاله، وعند عتبته تجلس العذارى، ينسجن من الهواء لفافا لقلوبهن...».
لا تعجزنا محاولة الاقتراب من هذه اللوحة الفنية، لننفتح على خلفيتها المركبة، فننظر إلى رمزية الصوف، إذ له علاقة قوية في التراث العربي والإسلامي بالزهد والتصوف، ثم لقابلتنا صورة الشيخ الذي يصلي تحت الشجرة العجوز، وصلاته بخشوع تدل دلالة قوية أن النفس تطهَرت، وبعد تخلية وتحلية - كما يُصطلح عليه في اللغة الصوفية - تفرغت للعبادة، طالبة المقام الأعلى، وما يغيِّرُ صفاءَها دَرَنُ الأغيار. كما نلمح آثار الحب الوارفةِ ظلالُه من خلال الصورة الثالثة/العذارى اللواتي ينسجن الهواء لفافا لقلوبهن...
مقام الرضا ومقام المحبة في الصورة مشعان من مجتمع كان قانعا، ومتصالحا مع نفسه لم تتجمد عواطفه متأثرة ببريق المادة وسلطتها.
إن هذه الصور المختبئة في وجدان سارد القصة ذات نبضات حية، جاءت من الذاكرة لتندمج في هذا الحاضر «وسط غابات الإنسان الإسمنتية»2.
ومن هذا المنطلق فإن في كل نص من نصوص المجموعة تستقبل القارئَ دعوةٌ غير مباشرة أو رسالة مضمرة تشير إلى أهمية العودة إلى أصالة الإنسان وقيمه النبيلة سواء عبر السرد باعتماد المتاسرد، أو عبر حديث الشخصيات المتنوعة، أو عن طريق تشكيل الصورة الايحائية التي غالبا ما تُعير للجماد حركة وإحساسا وشعورا حيا، ونجد هذا متمركزا أكثر في قصة "رحم تحتضر"، ونقرأ:
- «الباب لم يعد يذكر المفتاح.. فأبى أن يفتح »، استعارَ الكاتبُ للباب ذاكرة وإرادة.
- «وجد صورة والدته المعلقة التي أبت أن تتوارى وراء الغبار، كتواري صاحبته تحت التراب»، وأسنِدَت الإرادة للصورة، وهي بمنطق الرائي شيء جامد.
- كما أسنِد إليها فعل البكاء: « بكت الصورة قبل أن تبكي عيناه»،
- وأسندت إليها القيمة الأخلاقية المتمثلة في الوفاء: « وجد صورة والده ملقاة فوق سرير والدته الطاهر، وكأنها تبادله الوفاء..».
- وأسنِدَت للجدار قدرة النطق والحكي، وإحساس العطف والحنان: «فيمسح الجدار دموعه ويحضنه بحنان وحرارة».
- وفي قصة "سبحة جدي" أسنِدَ إليه فعل الصراخ: « صرَخ جدارُ غرفته» ص12.
فهل يا ترى للجماد إرادة؟ هل له شعور وإحساس؟ وهل هذا يعتبر حقيقة أم مجازا لغويا؟ أم كذبة متفق عليها بين الكاتب والقارئ، كما يقول بذلك تشيخوف الذي يعتبر القصة «كذبة متفق عليها ضمنيا بين الكاتب والقارئ».
والفن في الحقيقة لا يقبل الكذب !
حين نقرأ قصة الخضر مع موسى في سورة الكهف، تقابلنا الاية 77، (فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا). الجدار في القصة القرآنية يريد أن يسقط وأن يقع. فهل هذه الإرادة كانت حقيقية أم مجازية؟
طبعا لا يسعنا المجال كي ندخل في الخلاف الذي قام حول هذه المسألة،  بين من اعتبر الإرادة في الآية حقيقية ومن اعتبرها مجازية واستعارية، فالرأي الأول ينزه القرآن عن قول غير الحقيقة، والثاني يعتمد على تقنيات اللغة العربية وما تمنحه من أساليب بلاغية. لكننا هنا سنأخذ قول القرطبي في تفسيره، حيث قال: (وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحي الناطق متى أسندت إلى جماد أو بهيمة فإنما هي استعارة ، أي لو كان مكانهما إنسان لكان متمثلا لذلك الفعل)، وسنقتصر على هذا الرأي الذي يقول بالمجاز وهو رأي الجمهور أيضا، وكما يوحي به المعنى اللغوي للعبارة، وخاصة أن العرب تسند للجمادات الإرادة والحركة والفعل، كمثل قول الشاعر:
يريد الرمح صدر أبي براء  *  ويرغب عن دماء بني عقيل
وقوله تعالى في سورة يونس، في سياق الإخبار عن نهاية فرعون: (حتى إذا أدركَهُ الغرقُ) (الآية 90).
والاستعارة في رأي امبرتو إيكو دائما هي المهيمن على الصور البيانية، حيث قال: « إن الحديث عن الاستعارة يعني الحديث عن النشاط البلاغي بكل ما فيه من تعقيد».
لكن جدار القرية التي حل بها الخضر وموسى كانت تميلُ إرادتُه إلى السقوط فحسب، أما جدار قصة "رحم تحتضر" فهو يشعر ويحس ويحتضن بحرارة، أي أنه حي لا بالإرادة وحدها بل بدفء الإحساس المُشع منه، والذي اكتسبه من زمن مضى، حتى أنه اعتُمِدَ من شخصيات القصة مثله مثل صورة والدة ووالد شخصية السارد، « فالمجاز هنا تعويض نفسي عن المفتقد في الواقع، هو احتفاء بالرمقة الأولى الطويلة، التي تتأمل فتدرك الشبه الجميل القائم احتفاء بالأصل المحفور في الذاكرة»3. من هنا نخلص إلى السؤال التالي: أتكون هذه الأشياء الجامدة (الجدار/ الصورة/ الباب )والمكان على اعتباره الحاضن للحدث) أوفى وأحنّ من الإنسان نفسه، أتكون ذوات مشاعر وأحاسيس؟
ربما...
الكاتب يطوِّع البنية الدلالية للغة بغية تشكيل ايحاء يبلِّغ رسالته. «فالانزياحات والتوظيفات الاستعارية، كلها تهدف إلى إقناع المتلقي بمضامين نصوصه القصصية... ومعانيها التي تحملها... والإقناع وتقبل الصناعة اللغوية التي مارسها في هذه النصوص لخلق نوع من الجمالية، والإغراء الأسلوبي لشد هذا المتلقي ودفعه على متابعة القراءة...»4.
هذا ما تعالجه قصة "رحم تحتضر" أو ما يقودُنا إليه معناها. ولعل الكاتب وفق بشيء من الخيال حين أعار الحياة للجمادات كإشارة إلى التقصير في قيمة الوفاء للمكان وللزمن (كمعنى معنوي): «كل جدار يقف شاهدا على أناس كانوا يوما هنا، قبل أن يتيهوا وسط الزحام»، وإشارة إلى التقصير في صلة الرحم والتهاون في ربط القطائع، وأداء واجب التزاور بين الأهل والإخوة، وهذا حتى لا تحتضر الأرحام أو تموت العلائق بإبعاد قيمة أخلاقية تتجلى في التراحم بين الأبناء والآباء والأقارب، مثل ما جاء في قصة "غار العجزة" التي ركزت بدورها على صلة الرحم والبر..، من خلال إبراز حزن المسنين العميق من جراء سوء التصرف من أبنائهم، وكأن هذه القصة تلحق العار بمن تخلى ويتخلى عن والديه بعدما تعبا في تربيته، ولما اشتد عوده، أودع واحدا منهما أو كلاهما في دار المسنين التي وصفها الكاتب بغار العجزة كناية عن أنه مكان تنقطع فيه عنهم أواصر البر والإحسان الواجبة على الأبناء.
في قصة "سبحة جدي" تنبض من ذاكرة السارد صورة الجد -الوقور- بسبحته التي تمثل –في القصة- رمز الطهر والصفاء الروحي، والوشيجة التي تمسك بحبات القيم الدينية الخالصة والفضائل. ضاعت السبحة من الحفيد (شخصية النص الساردة)، بعد وفاة جده وبعد بلوغه سن الرجال، فافتقدها وانبرى في البحث عنها إلى أن أوقفته رؤية جده في المنام ليعرّفه أن السبحة رحلت لأن الأشياء الطاهرة لا تقبل مخالطة ومجانسة الرذائل وأنها لم تضع، فأيقظه من غفلته وغفوته فاهتدى إلى أن يبدأ البحث عن سبحة القيم والفضيلة مزيلا ركام الغفلة، منطلقا من نفسه أولا فاهمًا المغزى والمقصد. وبتعبير جبران خليل جبران: « الفردوس قائم هناك، وراء ذلك الباب، في الغرفة المجاورة، ولكني أضعت مفتاح الباب. ولعلِّي لم أضعه بل وضعته في غير موضعه»5 وبهذا فإن حكمة الجد كانت دليله في البحث.

ولا تبتعد كثيرا قصة "للشهوة سلطان" عن نفس المحور الأخلاقي فهي تنتصر للفضيلة بالنظر في المآلات، لأن كل فعل سلبي لا أخلاقي يُنتج مآلا سلبيا يؤثر على الفرد والمجتمع.
واستطاع الكاتب أن يرسم ملامح قصة "الشرير" التي يغلب على بنائها الغرابة والخيال وخرق المألوف. أما زمنها فغير محدد إلا أنها تعود أحداثها إلى زمن قديم بحسب القصة، ومفتتحة بالعبارة التقليدية "كان يا مكان" على عادة السرد والحكي القديم. أما المكان، فقرية تحت سفح جبل ما. تلك القرية التي عانى سكانها من فساد وبطش الشرير الذي ينغص حياتهم بكل أنواع الشرور(كذب ونفاق وخيانة..)، فاتفقوا كلهم أن ينالوا منه بمساعدة قوى خارقة (الجنية) التي تسكن الجبل، ليستأصلوه من قريتهم، فلما تمكنت منه الجنية مُسخ كل سكان القرية وصاروا على هيئة حيوانات متنافرة تفرقت في الغابات وتاهت، فارتاحت القرية في عيش آمن تسكنها العصافير وتزورها الفراشات...
إن محور الفكرة الأساس على بساطتها تفضي بنا إلى فهم وهو أن الإنسان حقيقة مبعث الشر، وهذا كلما استسلم للأخلاق الرديئة، واستوطن في قلبه النفاق والمكر والخيانة... والمجتمع -بديهيا- لا يحتاج قوى خارقة كي يُستأصل منه الشر، بل يحتاج إصلاحا فعليا بدءا بإصلاح النفس وتزكيتها أولا، «والتغيير باب يفتح من الداخل والإرادة مفتاحه»(ص 65)، كما أنه لا يحتاج بركات الوالي الصالح كي يكون مجتمعا صالحا، أو ببركته الخارقة تُقضى كل حوائج أناسه حتى لو تعلق الأمر بالقضايا والمشاكل الاجتماعية كتعسر الزواج والعقم وغيرها..، كما في قصة "أنوثة مع وقف التفيذ" وقصة "سيدي عبد العاطي"، وأيضا في قصة "العرافة". إن هذه القصص الثلاث تُضمر انتقادا لسلوكيات –بعض- أفراد المجتمع الذين يرتبطون عاطفيا بالأضرحة أو مخابئ العرافات معتقدين في هذه الأشياء – في حالة من الضعف والانكسار- أنها وسائل تحقق آمالهم وأحلامهم أو تحل مشاكلهم العالقة، فقط بالنية، نقرأ: «قبل أن تطأ قدماك ساحة الضريح عليك بطلب التسليم من أصحاب المكان، واستحضار "النية" فبالنية تكون كل أغراضك مقضية. بالنية تتسلق الجبال... وتكسر الأغلال... وتحقق كل الآمال...(...) بالنية... تنعم بأحلى نومة في حضن الحية»6.
وفي العرف الشعبي المغربي ينتشر هذا المفهوم الشائع الذي يركز على أن الشخص الذي له مطلب وغاية ترجى من العراف أو الضريح ما عليه إلا أن يسلم له أمره تسليما مطلقا، ويُخلص النية، بمعنى أن لا يرتاب ولا يأخذه أدنى شك. هكذا بتعطيل العقل وتجميد التفكير، فاعتقاد كهذا خالص لا مجال فيه للمنطق ولا للتفسير، إلا إن كان تفسيرا له بنية خرافية، أو ميتافيزيقية، تستمد قوتها من الأساطير والمحكيات الشعبية أو الرؤى التي يدعيها زورا المغرضون، لتكوِّن سلسلة من الأفكار المشوشة غالبا ما تتحايل لتستمد الشرعية الدينية، لكون الرؤيا لها بعد قوي في التراث والفكر الإسلامي.
إن هذه المعتقدات السائدة يغذي قوتها وتجذرها في المجتمع - أولا الضعف الإنساني أمام الابتلاءات - وثانيا يساهم في استمرارها الجهل والتخلف والاستسلام لوهم الخرافات..، واعتناق هذه المفاهيم المغلوطة اعتناقا عاطفيا دون التفكير في البحث عن السبل الناجحة والمادية لحل المشاكل والعقد، حلا مبنيا على المنطق والعقل والوسائل العلمية الحديثة. وحين تنعدم الرغبة في ترك هذه السلوكيات يستغل الدّجالون فرصهم لبث أوهامهم، بل من اعتقاد الآخرين بهم يكتسبون القوة، ومثل هذا المعنى هو ما جرى في حوار خاص بين شخصية قصة "العرافة" والعرافة التي قالت له: «أن الخروف دائما يتبع القطيع منصاعا لأوامر سيده، هل سمعت يوما بخروف له عرينه الخاص؟».
* * * * * * *
لم يعالج الكاتب بين النصوص قضايا الأخلاق بين الإنسان وأخيه الإنسان فحسب، بل تجاوز الأمر إلى واجب الأخلاق نحو الطبيعة، فالأخلاق لا تتجزأ والمبادئ والقيم موحدة، وكأنه مع الشاعر "بول كلوديل" الذي يقول: «إني أعرف هذه الطبيعة وتعرفني، ولم يبق لديّ فيها شيء خفي، فهي تخفق في كل نبضة من نبضات قلبي».
ولما جعل القاص في نص "وتستمر الإبادة" شخصيات على شكل شجرة وحفيدتها والحيوانات.. فكأنه يؤسس للمعنى الذي أشار إليه بودلير«إن الأشياء تفكر من خلالي كما أفكر من خلالها». وقد قاد الفهم من خلال حوار الشجرة وحفيدتها نحو أن المسؤول الأول عن الدمار الذي يصيب الطبيعة هو الإنسان، وأن الأشجار محكوم عليها بالإبادة أمام زحفه نحو المساحات الخضراء وتكاثره ونموه الديموغرافي المهول. إن منطق الأشجار والطبيعة منطق يقبله الإنسان إن جعل نفسه مكانها، وفكر من خلالها، لكنه يبقى كلاما ضعيفا بالنسبة له إن قيس بمنطقه الإنساني، لأن الطبيعة مسخرة له، بيد أن القيم والمبادئ تقول أن الأخذ يكون بقدر الحاجة والنفع، والمحافظة على الطبيعة واجب أخلاقي، توجبه الفطرة قبل أن توجبه القيم الدينية والقوانين الوضعية، وهذا ما ختم به القاص قصته على لسان المدرس، يقول لتلاميذته: «هيا بنا يا أطفال لقد وجدنا وسيلة بيداغوجية، لدرسنا المقبل المحافظة على البيئة»، مؤكدا بشكل غير مباشر أن التربية هي الحل.
ثم اختتم القاص هشام فنكَاشي مجموعته بنص "انتحار قصة" متناولا مأساة القصة بشكل درامي وعلاقتها الأدبية بالقارئ المفترض، تلك العلاقة التي تنمو بالمطالعة وتمد روح الحياة لفن القصة التي أضحت أسيرة الكتب والمكتبات الخشبية كأنها في ثوابت الموت.
* * * * * *
وإضافة إلى ما سلف، فلغة المجموعة رصينة، مكثفة، مشبعة بالأسلوب الشعري، تمتاح قوتها من الدلالة والرمزية، تبتعد عن الخطاب المباشر، تتجمل للقارئ وتترك له فسحة التخيُّل ومساحة التأويل، حتى يكون قارئا مشتركا في بنية النص، فلا قيمة للنص من دون الطرفين معا، الكاتب والقارئ.

وفي النهاية لا أدعي كقارئٍ عادي أني بلغت مبلغ التوفيق في هذه القراءة -وإن كنت أظن- ولا أني أحطت بكل جوانبها، بل هناك زوايا أخرى تختزن الكثير للقارئ، والقصة لن تموت ولن تنتحر مادام قارئها يقض  الإحساس يدرك ما يرقد تحت الكتابة واللفظ.


نبضات من الذاكرة مجموعة قصصية لكاتبها هشام فنكَاشي، تقع في 67 صفحة من الحجم المتوسط، صدرت طبعتها الثانية في 2015، من تقديم الشاعرة زينب الطهيري، وتصميم الغلاف مروان نافع.   

الهوامش:

1 - د.محمد مندور – في الأدب والنقد. ص: 35
2- رحم تحتضر.ص:8
3 - عبد الرزاق المصباحي / النقد الثقافي من النسق الثقافي  إلى الرؤيا الثقافية. مؤسسة الرحاب الحديثة. بيروت. ص: 120
4 - محمد داني / جمالية القصة القصيرة جدا دراسة نقدية. مطبعة البوغاز مكناس. ص: 38
5- خليل جبران/رمل وزبد المكتبة الأدبية بيروت. ص: 12
6- قصة: سيدي عبد العاطي. ص: 26/27

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة