[ مدونة رشيد أمديون

ديهيا

(من سلسلة لمحات تاريخية التي نشرتها على صفحتي بالفيسبوك في شهر رمضان)
.
كان للملكة الأمازيغية "ديهيا" (585 م - 712 م) أو كما أطلق عليها العرب "الكاهنة" أولاد بالتبني من بينهم ولد عربي اسمه خالد بن يزيد القيسي والذي أسرته لما هزمت جيوش القائد حسان بن النعمان بواد مسكيانة (بالجزائر حاليا) وأبعدتهم عن معظم أراضيها إلى أن أخرجتهم من منطقة تونس (الحالية).وورد في كتاب الروض المعطار (ص 66) أن ديهيا قالت لأبنائها حين تيقنت أنها مهزومة: "إني مقتولة وإن رأسي موضوعا بين يدي ملك العرب الذي بعث إلينا بهذا الرجل (تقصد حسان بن النعمان)، فقال لها خالد بن يزيد وولداها: فإذا كان الأمر هكذا عندك فارحلي وخلي البلاد، قالت: وكيف أفر وأنا ملكة والملوك لا تفر من الموت فأقلِّد قومي عارا إلى آخر الدهر، قالوا لها: أفلا تخافين على قومك؟ قالت: إذا مت فلا أبقى الله منهم أحدا في الدنيا، قال لها خالد بن يزيد وولداها: فما نحن صانعون؟ فقالت: أما أنت يا خالد بن يزيد فستنال ملكا عظيما عند الملك الأعظم وأما أولادي فسيدركون بإفريقية ملكا عظيما مع الملك الذي يقتلني، ثم قالت لهم: اركبوا فاستأمنوا إليه فركب خالد بن يزيد وولداها بالليل إلى حسان بن النعمان..." 

ويذكر ابن خلدون أنه كان للكاهنة ابنان لحقا بحسان وحسن إسلامهما واستقامت طاعتهما، وعقد لهما على قومهما "جراوة" بجبال الأوراس (بالجزائر). 

وكانت الكاهنة "ملكة جميع من بإقريقية من الروم منها خائفون وجميع البربر لها مطيعون" كما أنها حكمت شمال إفريقيا لمدة 35 سنة وكانت عاصمة مملكتها "خنشلة" بالأوراس.



المراجع:
- الروض المعطار في خبر الأقطار- محمد بن عبد المنعم الحميري- مكتبة لبنان- تحقيق إحسان عباس.
- البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب - ابن عذاري المراكشي.
- ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر - عبد الرحمان بن خلدون - دار الفكر للطباعة والنشر.

انتفاضة السؤال في ديوان "هل تمطر السماء نسيانا؟"

تقديم                                                                                            بقلم: رشيد أمديون

“هل تمطر السماء نسيانا؟” دوان شعر لأمل بوخريصا. يقع في 83 صفحة من الحجم المتوسط، بغلاف أنيق من تصميم رشيد أمديون وتتوسطه لوحة فنية للفنان التشكيلي عبد الحق الغيلاق.

تطرح الشاعرة سؤالا وجوديا اتخذ موقعَ عنوانٍ وَاسِم، يتوسط غلاف ديوانها الأول، صاغته بلغة أدبية شعرية لا تخلو من خيال مرسل يفتح بابه لتصورات شتى، للتأويلات وللفهم المتعدد، لا حجر على العقول ولا وصاية.. لعلها بهذا تريد أن تشركنا في عوالمها المتخيلة، وليس هذا فقط بل أن توصل إحساسها المنجذب نحو البوح، أو لعلها -وهذا افتراض- تريد أن تتوسل بالنسيان، كحالة خاصة تنتشل الإنسان من ضغوط الحياة، ومن تراكمات الماضي في عمقه فتتخيل لنا نحن الذين نقف موقف المتلقي أن النسيان رحمة قبل أن يكون آفة بالمفهوم المتعارف عليه، لهذا قد يصبح كالمطر نحتاجه لنحيا كما كل الكائنات، النسيان نحتاجه لتمتد بنا الحياة ولا تتوقف في نقطة امتلاء أو انفجار.

الامتلاء من ماذا؟ نعم هذا هو السؤال..
الامتلاء من الإحباط، من القهر، من جراح وكدمات التجارب التي نصاب بها، من اخفاقات التاريخ وانكساراته.. إن النسيان علاج، تفريغ، “فرمطة” بالمعنى الإلكتروني للكلمة. نعم، لهذا حُقَّ للشاعرة أن تتساءل.. إنها تتساءل فقط، فلماذا لا نشاركها السؤال؟.

يُعتبر العنوان هنا، وبالنسبة لنا واحدا من عتبات القراءة التي تنضاف إلى العتبات الأخرى، كاللوحة الفنية، وشكل ولون الغلاف، ونوع الخط الذي كُتب به اسم صاحبة الديوان، وخط العنوان وغيره.. ثم العبارات المقتبسة، كعبارة أحمد شوقي، ومحمود درويش، وأحلام مستنغامي، ثم الاستهلال الذي خصصته صاحبة الكتاب تتحدث فيه عن الشعر… وصولا إلى الاهداء الذي جاء تعبيرا عن اصرار على فعل الكتابة وتحدٍ صارخ في وجه اليأس والمحبطات…

تطرح الشاعرة عنوانها المتسائل وهي تدرك جيدا أن الجواب عنه لا يُتعبر أحد المطالب التي تطالب بها القارئ، فالجواب عنه غير ملزم، لكنها في المقابل تلفت انتباهه إلى أحقية الاهتمام بقراءة المضمون، الذي هو نصوص بلغ عددها 29 نصا يتشكل فيها المعنى تشكلا بلاغيا، يمرر حينا خطابا نقديا يتناول واقعنا العربي والإنساني (والإنساني هنا بمعنى العلاقات العاطفية والحسية)، وحينا تتوسل الشاعرة بلغتها لتكسبها شفافية ومرونة تقبل التشكيل والتعبير ولكي تنظر من خلالها إلى الداخل أو بتعبير شيخ القصة المغربية أستاذنا أحمد بوزفور، “النظر إلى بحيرة القلب”، أو كما عنون به مجموعته القصصية السابقة “نافذة على الداخل”، على اعتبار أن الرؤية وخاصة رؤية الشاعر قد تكون إلى الداخل، أي إلى داخل الذات والخاطر حيث تنعكس صور الأكوان والأشياء، وبتأثيرها على بحيرة القلب التي إن ارتمى بها شيء أو سقط فيها أحدثت تموجات، هذا ما نجد أمال بوخريصا تحاول أن تعبر عنه حين نظرت إلى بحيرة قلبها، فرأت الأثر الذي أحدثه جبن العرب وصمتهم بقسوة أمام ما تعانيه فلسطين.. جرح فلسطين الذي جعل النخوة العربية انتهت صلاحيتها منذ قرن (نص: صمت) . وتأثرت بأحداث سوريا، والتي أشارت إليها بـ”بلاد الخصيب”، وتأثرت بالشهداء وضحايا الظلم الذين نشدوا الحرية (نص: اغتيال)، ورأت وضع المرأة العربية فاستجابت حروفها لتنتصر لبنات جنسها مستلهمة قصة شهرزاد مع شهريار.. ثم أرْجعتِ البصر مرتين، وعادت لتنبئنا أن الحب قيمة إنسانية أخلاقية، وما أحب من خان، ولا أحب من لعب بمشاعر من أهداه قلبه..

“هل تمطر السماء نسيانا؟” ديوان يحمل عنوان القصيدة الرابعة في الترتيب الذي اعتمدته أمال في اخراج هذا العمل الأدبي الذي هو باكورة أعمالها، تنطلق من خلاله كي تعلن لكل من يلج عوالمها أن الشعر انصات وتذوق وإحساس.

فاقرؤا إن شئتم، واستعينوا بالخيال لإطعام المعنى وملئ الفراغات، فما سُكت عنه أكثر مما قيل، وما قيل لا يتصل دون ملئ الفراغات.

محنة القاضي عياض السبتي


(من سلسلة لمحات تاريخية التي نشرتها على صفحتي بالفيسبوك في شهر رمضان)

القاضي أبو الفضل عياض السبتي (1083م – 1149م)، أحد فقهاء المغرب وأحد رجالات مراكش السبعة المعروفين. وقف هذا الرجل في وجه الموحدين حين رأى أنهم أكثروا القتل في المسلمين من أجل توحيد المغرب تحت رايتهم بعدما قضوا على المرابطين وسقطت في يديهم عاصمة الدولة المرابطية مراكش. وكان قد أمر عبد المومن الكومي (أول حكام الموحدين) القاضي عياضَ بأن يؤلف كتابا يقرُّ فيه ويعترف بدعوة ابن تومرت الذي ادعى أنه المهدي المنتظر وأنه الإمام المعصوم، وسمى أتباعه الموحدين، كما ادعى أن عقيدة المرابطين فاسدة وأنه يحق قتالهم، فأرغم الموحدون الناسَ على بيعتهم، حتى قضوا على دولة المرابطين. 

رفض القاضي عياض الاعتراف بمهدوية محمد بن تومرت وبعصمته ، وأعلن أنه لا عصمة له وأنه مدع دجال، فقتل بالرماح وقطع جسده إربا، وجمعت أشلاؤه ودفن بمكان غير معروف بمراكش دون أن يغسل ولا أن يصلى عليه، وجعلوا تلك المنطقة التي دفن فيها للنصارى حتى عثر على قبره في عهد الدولة المرينية التي جاءت بعد ذلك وقامت على سقوط الموحدين.

رشيد أمديون

المطر في شوارع المغربي محمد الشايب.. دلالة اللفظ (4)




الجزء: الأول - الثاني - الثالث
نشر في القدس العربي


بقلم: رشيد أمديون
الجزء الرابع والأخير
وبين تحولات الحياة يقول الكاتب حكاية العوالم التي وصل فيها التناقض بين الذات ومحيطها (قصة: شوارع الليل)، وصارت التزامات الحياة كمطارقَ في الرأس لا تُعدُّ ولا تحصى(قصة: كم مطرقة في الرأس؟)، إنه يقول حكايةَ امتلاك الفرح وفقدانه في نفس الآن بين شوارع الضياع والتيه والجنون، وألم ضياع أمجاد الماضي، ضياع إشبيلية/ الأندلس/ اعتماد، غربة المغرب في (شارع غريب) يطل على التاريخ وتناقضاته...

 حكايات نصوص "الشوارع" تشير إلى عزلة الذات بين تناقضات الحياة وضجيج العالم وزيفه، قصص لا تقول الخارج والمادي بل تقول وتعبر عن الحميمي واللامرئي والمغيّب وذلك الوجود في عمقه الإنساني.
إنها نصوص توحي أكثر مما تنص، وتثير أكثر مما تعين، وحافزها الدائم إنسانية لا تستكين.(7)

 إن السير في شوارع محمد الشايب يؤهلك كقارئ أن ترى شخوص قصصه تفكر، تحزن، تتذكر وتحن- عفوا، بل إنك تعيش كل حالاتها- وتبحث عن فرح مؤجل عن أمل غائب، عن حرية لم تمطر سحابتها.. يؤهلك أن ترافق السارد يدا في يد يقودك إلى مشاهده وينقل الصور كما رآها. إن محمد الشايب لا يحكي حدثا بشكل تقريري مباشر تخرج منه العبارة جافة ضامرة، لأن الفكرة لديه لابد أن يحوِّلها إلى احساس وشعور، لهذا وأنت تقرأ له ستبتل بالمطر الذي ابتلت به شخصية النص، وستجري وتركض في طرقات المدينة حتى تتعب من البحث عن أشياء مفقودة، ستسمع نداءات الذات.. والماضي والمستقبل والحاضر والتاريخ، سترى طيف اعتماد الرميكية قد لاح كانبعاث جديد... ستسافر في القطار وتجلس مع الشخصيات، وتزاحم الركاب الصاعدين والنازلين في المحطات، كل ومحطته.. ومحطتك أنت هي نهاية النص وهي العتبة إلى الدخول لنصك المفترض.. ستقف في ساحة الحافلات بالقنيطرة وتشاهد حركة الصراع فيها والنيران التي شبت..، إن محمد الشايب لا يصف لنا المطر أو يحكي لنا شعوره حين بللته قطراته، ليس هذا هو رهان القصة الفنية عند الشايب، بل الرهان أنه يجعلنا نبتل فندرك الشعور ونعيش الحالة بأنفسنا. ثم يجعلنا نحتار في شخوص قصصه، هل هي أنا أم أنت أم هو.. ونندهش للنهايات تارة ولسحر التأويل والغرابة نستسلم تارة أخرى.

 إن الذي يلج شوارع محمد الشايب لن يتوه إن تخلى عن القراءة السطحية وغاص في النصوص كي يستخرج لؤلؤها لتستسلم وترخي مفاتنها التي تواريها عنك.. أيها القارئ.

 الهوامش

1 - الآية 24 من سورة الروم
2 - موطأ مالك- باب ما جاء في الاستسقاء الحديث رقم 515
3 - الآية 13 من سورة غافر.
4- مجمع الأمثال للميداني – ج:2 – المثل 4677
5- د.محمد كراكبي – استثمار اللسانيات في قراءة النص الشعري (تحليل قصيدة السياب المطر)
6- من قصيدة: نشيد للحرية من ديوان "وطن الهجرة"- منشورات المجلس القومي للثقافة العربية/الرباط الطبعة الأولى 1992. ص:135
7- حسن المودن - مغامرة الكتابة في القصة القصيرة المعاصرة. القصة القصيرة بالمغرب أنموذجا. دراسة نقدية - منشورات اتحاد كتاب المغرب - مطبعة عكاظ الجديدة، الرباط 2013- ص: 101

شاط الخير على زعير، شاط الخير على موازين



رشيد أمديون

صدقَ الأوّلون إذ قالوا "شاطْ الخير على زْعير* حتى فرقوه بالبنْدير"، ولو نظرنا إلى عمق هذا المثل الشعبي الذي يختزل صفة من صفات زعير، لوجدنا أن هذه القبيلة في محطاتها التاريخية، كانت مضرب المثل في السّخاء والكرم، واكتسبت هذه السّمة حين أتت على بعض قبائل المغرب المجاورة لها سنة من الضّيق، فأوشكت على الهلاك، فلجأت إلى هذه القبيلة لتمدّها بالحاجيات الضرورية لأنها ذلك العام حصدت الخير الكثير فغنمت إلى درجة أنها وفرت اكتفاء ذاتيا وزادت عليه، فكانت توزّع المعونات على القبائل التي توافدت عليها، بإقامة احتفالات شعبية تُضرب فيها الدفوف (البنادير)، كمظهر من مظاهر السعادة والفرح، والكرم... إلى أن ارتبط الحدث بقبيلة زعير فصار مثلا يُضرب، كناية عن السخاء والفضل، والكرم، خاصة وأن الخير توفر لديها حتى صارت توزعه بضرب الدفوف كناية عن تلك الحفلات التي كانت تقيمها، ولا بأس أن أسوق المثل الآخر المعروف -كتعليق على هذه الحادثة- والذي يقول: "من كتشبع الكرش كتقول للراس غني).*

وإن كان المثل السابق قد فُهم عند المتأخرين بخلاف مقصده، فوجدنا أن من الناس من يسوقه في مقام القدح، حين يصادفون شخصا بخيلا لا يُرتجى كرمُه، فيقولون شاط الخير على زعير... على العموم هذه الإضافة فقط للتوضيح، فليس هذا هو قصدي من إدراج المثل، بل الغاية منه أنني أعتقد أن هذا ما صار يحدث الآن في الآونة الأخيرة، وبالتحديد في السنوات الأخيرة التي بدأ المغرب ينظم فيها مهرجانه السنوي، مهرجان مغرب الثقافات، موازين. فهل (شاط الخير) على هذا الأخير ليوزعه بالبندير (الدّف)؟ 
هل المغرب يرفل في النعيم إلى غاية أنه يوزعه بإيقاعات العالم؟ قياسا على قبيلة زعير قديما، مع أن المهرجان حديثا يقام على أرض من أراضي زعير...
المغرب في عمق أزماته غارق في الخير إلى أنه صار يوزعه بمبالغ خيالية على فنانين العالم. ونعم السخاء يا أهل الكرم والجود، ونعم السخاء. فارقصوا على غير شِبعٍ.

* زعير: قبيلة مغربية كبيرة، وهي الان تضم منطقة الرباط وسلا والخميسات وبعض المدن الآخر المجاورة لها..
*عندما تشبع البطن تقول للرأس غنِ

الوعي بأثر التربية قبل أثر التعليم


(قال هل أتبعك على أن تعلمينِ مما علمت رشدا، قال إنك لن تستطيع معي صبرا)*

في نهاية الأسبوع الماضي لبّيتُ مسرورا دعوة إحدى الجمعيات الناشطة في مجال الأعمال الاجتماعية، التي نظمت مشكورة حفلا فنيا أدبيا لتكريم عدد من الأطر التعليمية من أساتذة ومدراء متقاعدين من أجيال مختلفة سبق لهم أن أدوا مهامهم بمؤسسات المنطقة التي تنتمي إليها الجمعية المنظمة. وقد كانت هذه المبادرة الممتازة عملا قيما يُرسخ مبادئ أخلاقية تهدف إلى تكريس ثقافة الاعتراف بالجميل ونشر المحبة والتآلف والتضامن... وإني أعترف أنه عمل جليل يستحق أن يُكتب عنه وأن يُتحدثَ عنه بافتخار وباعتزاز، أولا لأن الجهة المنظمة اختارت منطقة الهامش، على اعتبار أن هذه المناطق التي تنتمي للعالم القروي، نادرا جدا ما تنبثق منها مثل هذه المبادرات الفاعلة. ثانيا أن هذا الاعتراف بالجميل جاء من مجموعة من قدماء التلاميذ الذين أرادوا أن يكرموا أساتذتهم تكريما يليق بهم اعترافا بفضلهم على ما قدموه من جهود طوال حياتهم المهنية في سبيل إنشاء أجيال واعية متعلمة عارفة ومثقفة... 

هكذا، وقد مر الحفل في جو حميمي رائع، تظلِّله سحابة المحبة والسماحة والأخوة وتحفه هالة من حسن الحفاوة والكرم سواء من طرف أعضاء الجمعية أو من طرف بعض سكان المنطقة الذين لبوا الدعوة بدورهم بكل فرح وسعادة. بيد أن الذي أثار انتباهي ودفعني إلى كتابة هذه التدوينة هو أمر يتعلق بالأخلاق كسلوك حضاري إنساني لا يمكن تجاوزه بأي شكل من الأشكال وإن صار عند الكثيرين أمرا مألوفا، لكن بعض المألوف يصبح غريبا ومستفزا إن جاء في سياقات معينة، ويغدو له دلالة خاصة. 

حسنا، فبينما نحن في غمرة الاحتفاء بالأساتذة الأجلاء الذين لم يعلّمونا الحروف والكلمات فحسب بل علمونا الأخلاق والأدب والاتصاف بالسلوك السوي... في غمرة الاحتفاء بهم نسي البعض أن المحافظة على نظافة المكان أمر ضروري علمه لنا أساتذتنا ونصحونا بفعله، نسي أغلب من تعلموا على يدي هؤلاء الكرام أن النظافة ليست نظافة الملبس فقط... إذ أنه حين وزعت قنينات الماء الصغيرة على الحضور الذي قد يتجاوز المئة (تقديرا)، ثم تم افراغ مائها في جوف البطون لإرواء العطش، لم يكن من اللائق أبدا أن أرى رجالا حين ينتهي الواحد منهم من شرب قنينة الماء يرميها تحت كرسي من كان أمامه ومعتبرا نفسه بذلك أنه تخلص منها. يرميها بكل برودة نفس وسهولة دون خجل ولا اهتمام كأن الأمر سار به العمل ولا يتنافى مع المروءة ومع القيم الحضارية الإنسانية التي ندعي أننا ننتمي إليها أو نريد أن ننتمي إليها، علما أن أي سلوك يعبر عن مستوى الوعي الفردي والجماعي، وإتيانه لا يُفضي في النهاية إلا إلى أنه يكرس مفهوما ثقافيا معينا، فالثقافة لا تقتصر على المعلومات والمفاهيم، والفنون وغيرها، الثقافة هو ما ينتجه الوعي الجماعي من فعل وكلام ومعتقد وأفكار... ويتم ترسيخه في أذهان الناس على أنه الصواب ثم يظهر أثره في المجتمع بعد ذلك. نعم، فالأخلاق هي المطلوبة، وكان الأجدرُ أنه تعلمها الواحدُ من معلمه الذي جاء كي يحتفي به في يوم تكريمه، ألم يكن ذلك المعلم يحرص على أن يربي تلاميذه على عدم رمي الأزبال في قاعة الدرس؟ ألم يكن يربيهم على أن المكان المخصص للنفايات هو القمامة التي توضع جوار باب حجرة الدرس؟ بلى قد كان كذلك، وأنا بدوري كنت تلميذا...
فهل نحتاج إلى إعادة تربية؟
قد يقول قائل، وكيف سيتخلص الحاضر في مثل هذه الاحتفالات من قنينته الفارغة وهو جالس بموضعه وأمامه جمهور من الناس؟ وهذا سؤال منطقي، لكن الاجابة عنه لا تحتاج إلى ذكاء كبير، بل تحتاج إلى وعي كبير وهو ما نحتاجه بكل صراحة، وعي ندرك به أن محيط كل شخص مسؤول منه ومجلسه الذي يجلس فيه مسؤول منه، لهذا فإمساك قنينة الماء الفارغة في يدي أمر ليس صعبا حتى أجد مكانا مخصصا لجمع البقايا والنفايات، أو أقدمها للمنظمين وهم يضعونها بوعي في مكانها المناسب. وهل سيعيب عليّ أحد إن بقيت ممسكا بقنينة فارغة إلى أن أتخلص منها بالشكل اللائق؟ لا أعتقد، لكن قد يعيب علي أصحاب الضمائر والوعي ويستنكرون فعلي إن أنا رميتها بشكل مستفز تحت الكراسي وأرجل الحاضرين، حتى يتحول المكان إلى مشهد محزن مخجل كما حدث في ذلك اليوم حيث صارت تحفنا قناني الماء كأنها أُمطرت من السماء، وقس على ذلك نواة الثمر ووو... ومثل هذا يحدث في أغلب الاحتفاءات التي أحضرها، كل من كان بيده شيء يرميه على الأرض على الزرابي المفروشة، وبعد الانتهاء ترى المكان كأنه معترك أو أن زوبعة قد حلت به...
ومن يتحجج بمبرر أن الكل يفعل هذا فهو يجعل قدوته من دونه لا من فوقه، فليس من المنطق أن يكون الواحد "إمعة".

إن الاعتراف بالجميل ثقافة عالية سامية، وإن المعلم لم يكن معلما للحروف والكلمات والمعاني فحسب بل كان مربيا يقوّم اعوجاج سلوك تلاميذه. أذكر أن استاذة لنا كانت لا تسمح أبدا بحضور حصتها بالسراويل القصيرة (الشورت)، ولا تسمح أن يجلس التلميذ على طاولته بشكل مستفز لا يليق بشخص يتعلم، ولا أن يعض بأسنانه على غطاء قلم الحبر (وهذه العادة كانت قد تحولت إلى سلوك عادي لا إرادي عند أغلبنا) وقد كانت هذه الأمور كلها عادية بسيطة لنا، لكن عمقها الدلالي يوحي بشيء آخر، وهذا أقل شيء. 

خلاصة القول، إن التفاعل مع حفل التكريم من لدن قدماء التلاميذ واسترجاع الذكريات واللحظات السعيدة والحزينة وتقبيل رؤوس المعلمين كل هذا أمر رائع ومستحب وهو قمة الاعتراف والتقدير والمحبة، لكني في المقابل أزعم أن المعلم الذي سيرى تلميذه السابق على سلوك حسن ويتصف بالقيم الأخلاقية سيفتخر به أكثر من كونه قد حصل على شهادة عُليا أو شغل منصبا مهما. لهذا فإني أتساءل أين ما تعلمناه من التربية داخل القسم من طرف نفس الأساتذة الذين نقبّلٌهم اليوم بمحبة وإخلاص احتفاءً بهم أمام الناس؟ أين هو السلوك السوي الذي يعبر عن شخصيتنا الحضارية؟ أين هي التربية التي تسبق التعليم، ألسنا نقول دائما "التربية والتعليم"؟


*من سورة الكهف

المطر في شوارع المغربي محمد الشايب.. دلالة اللفظ (3)




الجزء: الأول  - الجزء الثاني

 القاص محمد الشايب           
                                    
بقلم: رشيد أمديون
 الجزء الثالث

ثم ترِد كلمة مطر بصيغة الجمع في قصة "الساحة"، وحيث يقول السارد عن تلك العينين وهما تتبادلان النظرات في ساحة الحافلات (مسرح الحدث): 
" تظل العينان تتبادلان السهام والورود، وتدخلان في حروب تارة، وتجنحان للسلم تارة، تتبادلان الرسائل، والسحب، وحتى الأمطار.."ص18 
من المؤكد أن تلك (الأمطار) لم يتم توظيفها إلا لترمز إلى لحظة أو لمحة سعادة في زحام ساحة الحافلات واكتظاظها وهرجها - وبحسب النص - العينين عين علال بائع الحلزون، وعين صفية بائعة الرغيف والحرشة، وبحسب السارد أنهما لم يتبادلا مثل هذه النظرات من قبل، ولا انتبها لبعضهما رغم أنهما يشتغلان معا بالساحة منذ مدة.. بهذا نستنتج أن هاتين النظرتين المتبادلتين هي اكتشاف الشخصيتين لبعضهما، اكتشاف (علال لصفية وصفية لعلال)، اكتشاف على مستوى آخر متأخر..، لعله اكتشاف للوحدة والغربة التي يمثلانها في فضاء الساحة، وحيث لاحظ كلَاهما نفسَه في الآخر، فإن بين النظرتين حكاية وحدة/إنفراد/حزن /وتيه..، رغم كل المشاهد والحركات التي تعج بها الساحة هما يمارسان فعل النظر مع سكون تام، لا يبديان موقفا من حركة الساحة وصراعاتها وصراع الناس..، إلا أنه لما شب حريقٌ في المكان وغادر الجميع غادرا معا بل حلّقا معا بجناح واحد يبحثان عن قوتها في مكان اخر.. نلاحظ أنهما حلقا بجناح واحد.. !
وفي هذا النص، ننتبه إلى أن الكاتب استخدم العباراتِ المتضادة في دلالاتها المعنوية: 
  •  " تتبادلان السهام والورود" 
  •  "حروب تارة/ سلم تارة"  
  •  "سحب/ أمطار"، 
لأن السحب غير الممطرة دلالة حزن وقلق، وفي حالة الإمطار، جود وكرم وخير وفرح..
ونفس التوظيف الدلالي جاء في قصة "صوت النعي" حيث قال السارد: 
" ورميت بنفسي في شارع لا يبتسم قط، يكشر عن أنيابه، ولا يفتح أبدا حدوده في وجه المطر"ص69. إنه مُسيج ومحاط بسياج الحزن، "والمطر يئن خلف قضبان الغياب"، هذا الغياب الذي أسِر الفرح كما أسر المطر، وشارع الشخصيات يُخاصمه، ولا يرضى بحضوره. يقول السارد:
"ولما سرت هذا السير الحزين في هذا الشارع الذي يخاصم المطر، ولما حلقت بأجنحة الألم في فضاءات الضياع..".  
إنه يحكي عن تيهه وحزنه الذي تسبب فيه الاحساس بالوحدة والغربة وهو يركب لهيب نعيها.. تلك التي لم يُفصح لنا عن ماهيتها في النص، بل ترك لكل متلق أن يتخيلها بالشكل الذي يناسب خياله، وإن كان السارد يتحدث عنها بما يبعث الراحة في نفس القارئ، أي يقول مخاطبا غيابها كأنه يسترجع لمحات من الماضي: 
" فلاحت صباحتك الندية، وأنت تزرعين الجمال في كل مكان، وتهطلين بالبسمات في كل زمان.. "ص70  
واستخدامُ عبارة تهطلين، دليل على أن الكاتب في نصوصه وَفيٌّ لحركة المطر الملهمة التي تُعرب عن حالة الاطمئنان، كما شأن الشاعر العربي القديم الذي يطمئن لهطول المطر... فهذه الاستعارات ومثلها غالبا ما نصادفها في مجموعة نصوص "الشوارع"، وكلها تأتي في سياق أسلوب شعري/شاعري يبعث الاطمئنان إلى القلب، مثل: 
"هطلت دهشات"ص20 - "يترجى هطول كلماتها"ص31 - "وأمجاد التاريخ تهطل"ص32 - "دعي نظراتي تهطل غزيرة"ص42 - " ثم هطل اسمي غزيرا"ص74
إنها استعارات تخدم النصوص بتأثيث حقول معجم لغة خصبة، كما تدعم ما نحن بصدد تأكيده أن مطر شوارع/نصوص محمد الشايب يعني (أمل/فرح /سعادة) مع وقف التنفيذ -طبعا-، فتصير القلوب معلقة بكل ما له علاقة بالمطر، حتى أن فعل (هطل) الذي هو من خصوصيه المطر له وقع خاص، ومثل ذلك عبارة "غزير"... وهذا لا نجده في نصوص "الشوارع" فحسب بل في بعض نصوص مجموعة "هيهات" للكاتب نفسه، ففي قصة "نرجس" صفحة 16، نقرأ عبارة: "فهطل الذهول غزيرا، وفاضت به الضفاف" وفي قصة "الحب المشتت "من نفس المجموعة: " تتحرك المرأة كسحابة حبلى بالمطر"ص25 
هذا التوظيف الجمالي يجعلك كقارئ تتعلق بأسلوب المبدع محمد الشايب، وتشعر أنك ترافق السارد وترى ما يراه، وتراقص العبارات بدهشة العاشقين، وبعين تستشرف أبعاد الجمال..
وبانتقالنا إلى قصة "وقت متأخر"، يقول السارد: "سرت ليلا في شارع تحت مطر جاء في غير وقته"ص37 
ثم يتساءل:
  • " أي اتجاه أسلكه تحت هذا المطر الغريب؟" 
  • " أتساءل عن سر هذا المطر الذي فاجأ الجميع.."ص38  
إن اصرار الكاتب على ذكر كلمة المطر وتكرارها في هذا النص يجعلنا نبحث عن قصده وما الذي يرغب أن ينبهنا إليه، هل يهيئ جوا رومانسيا للسارد؟ كمثل الأفلام الرومانسية التي يظهر فيها البطل مع حبيبته وهما يعيشان لحظة حب تحت قطرات المطر، هذا احتمال ضعيف! إذن، هل يتعلق الأمر بمطر الذكرى الذي يهطل -مجازا- على رأس السارد، خاصة وأنه زار شارعا يذكره بذكريات ماضية.. إننا لن نفهم منطلقات القصة إلا بعد أن يلتقي بصديقة قديمة -على ما ببدو- كان بينهما حكاية يعرف تفاصيلها شارع الذكرى الذي زاره وزارته هي أيضا دون اتفاق في الميعاد.. صدفة إلتقاها في المحطة فـ" أشرقت ابتسامة طال غروبها"، ركبا نفس القطار في اتجاه نفس المحطة، لكن لقاءهما كان الأخير رغم ما استعرضاه من ذكريات وما شعرا به من حنين في مطاردتهما لخيط الذكرى المنفلت من قبضتهما، ورغم ما قالاه وما لم يقولاه بل أحساه، فالوقت كان متأخرا، تماما كساعة وصولهما إلى محطة الوصول (النهاية) فقد افترقا دون موعد كما إلتقيا صدفة دون موعد، فما عاد تأسيس لقاءات مفترضة يجدي. وبهذا نجد أن المطر دلالة على الحنين الذي حمل السارد إلى شارعه القديم كي يبحث عن بقايا الذكريات ملبيا رغبة الحنين الملحة التي أتت كـ"مطر في غير وقته" لأن الذي مضى قد مضى.
المطر كهطول الذكرى في شارع النفس، كتساقط الحنين في دروب البال، إنه نفس السبب الذي حمل شخصية قصة "نهاية" فزار قريته النائية، حيث بحث عن بعض منه تاه بين دروب الحياة... الذكرى حنين، توقظ خفقات القلب التي توقفت عن النبض للأماكن ولشعرية الأماكن، لهذا فقد وظف الكاتب أيضا عبارة المطر في هذه القصة على شكل صورة جميلة لقرية السارد حيث قال: "وصلت فوجدتها عارية تستحم بمطر دافئ، وضفائرها ترقص على إيقاع رياح تهب من جهة البحر"ص47 
لم يجد السارد إلا الموت والجمود في قريته وحين وصل استقبله "مطر خجول سرعان ما اختفى متقهقرا أمام سطوع حارق لشمس ملتهبة"ص48 
يجمع الكاتب هنا أيضا بين المتضادات مثل:
  • "مطر خجول/شمس ملتهبة" - "الفرح /الحزن" 
  • "هناك تبللت بزخات الفرح واحترقت بلهيب الأحزان"ص49 
فاستعار من المطر زخاته، ومن الشمس حرارتها، لتكتمل الصورة الطبيعة المتعلقة بمحيط الحدث، وتكتمل بدورها الصورة الحسية المتعلقة بنفسية السارد.
هذا الحنين يساق أيضا في قصة "الضريبة" بنفس الدلالة الرمزية (المطر)، يقول السارد عن "لعربي" (شخصية النص): 
" لا يعلمون أنه يؤدي ضريبة نظرة قديمة الى وجه طافح بالمطر"ص63  
هذا الوجه الذي يطفو "على سطح أيامه، ويعود محملا بالسحاب" فيستأنف إسعاد الناس من جديد بخفة روحه قبل أن يستسلم لغيابه الذي يختطفه من حي الفرح وينقله إلى حي الأحزان، هذا الغياب الذي يأتي مع "هطول أولى زخات مطر السنة الجديدة، "دائما تأتي وهطول المطر.."ص64.. إنها الذات الغائبة في النص، المؤثرة في البطل وفي مصيره الإنساني... تركب الحكاية هودج الغرابة فتزداد متعة التأويل، هذا الركوب الغريب لموج المجهول المرتبط ربما بحالة وجدانية نفسية تتعلق بالفصل الماطر عند "لعربي". 
يضع هذا النص والنصوص الأخرى أمامنا حالات إنسانية تحمل ملامح من الشخصية العربية التي تحاول أن تصنع فسحا من الفرح أو تُظهر الفرح رغم أحزانها التي تعيشها داخليا من ضغوط الحياة والسياسات.. ضريبة الفرح حزن دائم ممتد كسرب طيور سوداء من المغرب إلى العراق..
يتابع...

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة