الوصف

ثقافة يهود المغرب من خلال كتابات حاييم الزعفراني

 



إن القرون التي عاشها اليهود والمسلمين جنبا إلى جنب على أرض المغرب جعل الفرقتين معا تعتبر هذا البلد موطنهم وتاريخهم وذاكرتهم على حد سواء. ومن هذا البلد صار لليهود المغاربة موروثهم الثري بالأدب والفنون والشعر والفكر... تاريخهم في المغرب لا يشبه الواقع الذي عاشوه واختبروه في المهجر وفي الشتات الثاني. لهذا جاءت مؤلفات حاييم الزعفراني كتعبير عن الحنين لوطن كان ملتقى الثقافات والحضارات، واستعادة نبض تاريخي يمثل هوية وذاكرة يهودية مغربية يستعيدها حاييم الزعفراني محاولا حمايتها من الاندثار، فانطلق من كتابات خلفها يهود أسلاف، فشمل مجموع مؤلفاته معلومات قيمة يجتمع فيها التاريخي بالاجتماعي والديني بالفكري، دون إغفال أن هذه القيم التي لا تنفصل عن البيئة التي نشأت فيها (أي المغرب والأندلس)، حيث كانت العلاقات التي تربط اليهود بالمسلمين في هذا المحيط علاقة متينة بلغت مستوى الحوار والتلاقي، ذلك ما تجلى في الآداب الشفوية باللهجات المحلية (اليهودية الأمازيغية) و(اليهودية الأندلسية)، إضافة إلى الأساطير والحكايات الشعبية وتقديس الأولياء.

من خلال مؤلفات حاييم الزعفرانى حاول الكاتب والباحث المغربي عبد السلام شرماط أن يفتح أفقا للتعرف على ثقافة الآخر والذي هو في الأصل جزء من النسيج المغربي، هذا الجزء الذي نجهل عنه الكثير. ولهذا جاء كتابه «يهود المغرب في كتابات حاييم الزعفراني» ليلقي الضوء على مشروع حاييم الزعفراني في إحياء التراث اليهودي في الأندلس والمغرب والبحث في خصوصيات الطائفة اليهودية الاجتماعية والدينية والفكرية في فترة امتدت من القرن 15م إلى بداية القرن 20م. وقد صدر الكتاب عام 2021، عن مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، ببيروت، ويتكون من 254 صفحة. تناول فيه الباحث الدارسة في ثلاثة فصول، استطاع خلالها أن يلفت الانتباه إلى أهمية مؤلفات حاييم الزعفراني بعد اطلاعه عليها ودراستها، فهي مادة خصبة تنير جوانب من حياة اليهود التاريخية والاجتماعية والفكرية والدينية، اشتغل عليها حاييم الزعفراني كاشفا من خلالها الغطاء عن تاريخ امتد لأكثر من ألفي سنة، أي لأول مجموعة غير أمازيغية سكنت المغرب واندمجت بالسكان الأصليين من حيث الأخلاق والآداب وطريقة التفكير. ومع مجيء اليهود من الأندلس تقوت العلاقات بين الجماعات المتعايشة في المغرب. كما أن اليهود عاشوا في ظل سلسلة من الإمبراطوريات (القرطاجيون، الرومان، الوندال، البيزنطيون) دون أن يفقدوا هويتهم وإن اختلف الدارسون حول زمن قدومهم.

قدم الباحث عبد السلام شرماط، في الفصل الأول، لمحة عن سيرة الزعفراني وأصول تسميته وانتمائه المغربي إلى مدينة الصويرة، ثم رصد مساره الأكاديمي من خلال مسيرته العلمية وتعدد اختصاصاته، وتكوينه الذي جمع ما بين التعليم العصري الحديث والثقافة التقليدية اليهودية والعربية الإسلامية، فكان متعدد الثقافات، بإتقانه اللغات العربية والعبرية والفرنسية، ومكنه تكوينه الأكاديمي في الحقوق ثم تحصيله للدكتوراه في العلوم الإنسانية في رسم مسار طويل من التدريس والبحث والإشراف العلمي... ثم من خلال نشاطه التأليفي الثَر بيَّن المؤلف أهمية مشروعه في إعادة الروح للتراث الثقافي اليهودي الموروث منذ العصر الذهبي للعبرية-العربية التي عاشت على أرض الإسلام. وقد خلف مخزونا علميا مهما تميز فيه الرجل بالموسوعية والانفتاح على شتى جوانب الثقافة اليهودية في الأندلس والمغرب، فقدم الباحث أهم أعمال حاييم الزعفراني ووقف عندها قصد الاطلاع على ما تختزنه الذاكرة اليهودية في الغرب الإسلامي، ومنها يهود المغرب بالخصوص؛ بما تركوه من إرث فكري يمتزج فيه التاريخي بالاجتماعي والديني بالأدبي والفلسفي. ولغزارة كتابات الزعفراني فقد اكتفى الباحث بتقديم قراءة تحليلية لبعض مؤلفاته التي رتبها وفق تعاقبها الزمني في الصدور، وهي كما يلي: «التربية في أرض الإسلام» 1969. «يهود المغرب؛ حياة اجتماعية، اقتصادية ودينية» 1972. «الشعر اليهودي في الغرب الإسلامي»1977. «ألفي سنة من حياة اليهود»1983. «القبالة؛ تصوف وسحر 1986. يهود الأندلس والمغرب»1996.

في الفصل الثاني، تناول الباحث حياة اليهود بالمغرب، مخصصا المبحث الأول للحياة الاجتماعية والاقتصادية ليهود المغرب، حيث تتكون هذه الطائفة من مجموعتين؛ اليهود البلديين (توشفيم) وهي مجموعة ارتبط مجيئها إلى المغرب تاريخيا بمجيء الفينيقيين، والطائفة الثانية تسمى مهجرين (ميكورشيم) وهم الذين وفدوا على المغرب خلال تهجير اليهود من الأندلس عام 1492م. ورغم اختلاف المجموعتين في الأصل واللغة والثقافة فقد عاشتا جنبا إلى جنب، وسهر على شؤونهما مسؤولون في إطار مجلس عني بخدمة مصالح اليهود وهو مجلس الطائفة (الأحبار، الأعيان، شيوخ الطائفة، أخيار المدينة، نخبة البيعة أو رعاتها، أشراف الطوائف، نخبة أو منتخبو المجتمع، الطبعة المهيمنة). وتمتلك الطائف اليهودية مؤسسات عدة تتميز كل واحدة منها بوظيفة تؤديها تتمثل في: البِيعة، الحبوس والأعمال الخيرية، إصلاح الأخلاق، التعليم اليهودية. وتتميز الحياة الاجتماعية اليهودية بمظاهر اجتماعية مختلفة يتداخل فيها الديني بالسحر من خلال طقوس وشعائر تعبر عن لحظات الوجود المتميزة التي سادت الحياة اليومية لليهود: الولادة، الختان، واختيار التسمية، وظروف الطفل في الوسط العائلي، ثم طقوس الزواج من خطبة، وعقد القران، والصداق... وبيَّن الباحث أن للزوجين وعائلتيهما الحق في اختيار واحدا من النظامين في الزواج: النظام التقليدي؛ وهو يستقي أسسه من التشريع التلمودي القديم ومن الأعراف والتقاليد.. والنظام القشتالي؛ وهو نظام يهتم بالأحوال الشخصية والعائلية ويعرف بالإصلاح والتعديل، وكان يعمل به يهود الأندلس المهجَّرون إبان الاضطهاد الإسباني المسيحي (1492م). ثم تناول هذا البحث في إطار ما هو اجتماعي تعدد الزوجات في النظامين التقليدي والقشتالي، وما يتعلق بـقضية "العاكونة" وهي المرأة التي غاب عنها زوجها وتركها معلقة.

كما تناول هذا المبحث ما تعلق بأحوال الطائفة اليهودية وما يخص متابعة شؤونها اليومية... ثم تطرق للمشترك اليهودي الإسلامي، إذ أن يهود المغرب عاشوا حالة تساكن وتعايش مع المسلمين لقرون طويلة لهذا اشترك اليهود والمسلمون في المغرب في مظاهر ثقافية ونسجت بين الطرفين علاقات متينة تجلت في سلوكهما اليومي، وفي عاداتهما وتفكيرهما رغم اختلاف المعتقد، فشارك اليهودي المغربي جاره المسلم في الإيمان ببعض الاعتقادات كالخوف من العين، والجن، فيعمدان إلى استعمال ما يعتقدان فيه حصنا لهما كالتمائم واتخاذ الخميسة، والتشبير، واللجوء إلى الأولياء، بل وصل ذلك إلى حد توافقهما أحيانا على زيارة نفس الولي.

أما فيما يخص الحياة الاقتصادية فقد لعبت عائلات يهودية دورا كبيرا في المجالين الاقتصادي والسياسي وهي في الغالب عائلات قدمت من الأندلس كعائلة "روتي" وعائلة "بلاشا" و"ميمران" و"طوليدانو" وأبناء عطار" و"أبنسور" و"سرفاتي" و"كوريات" و"المليح" وغيرهم كثير... بينما كانت تزاول أغلب العائلات الأخرى من اليهود التجارة والصناعات الحرفية كصناعة الحلي وسك النقود، أما الفلاحة فإن أقلية منهم من زاولها لأنها في نظر اليهود من المهن الدونية اجتماعيا.

واشتغل الباحث في المبحث الثاني على رصد الحياة الشرعية والأدبية لليهود، والحياة الشرعية التي تخص أشكال المعرفة اليهودية، بما فيها الفكر التشريعي المتعلق بالشريعة اليهودية "هلخة" من صلوات والشعائر التعبدية، ما ارتبط منها بالقبالة وحياة التصوف وما تأثرت به من المعتقدات الفلسفية.. أما ما يخص الأدب اليهودي فيشمل كل من الأدب القضائي من مجموعة من التقانوت (أي الفتاوى)، ومنتخبات من القرارات القضائية، وأدب النوازل الذي سطر اليهود خلاله إطارا لحياتهم وفق المحيط الاجتماعي الذي يفرض طابعه المحلي، وعليه لعبت الفتاوى دور الرابط العضوي بين الطوائف اليهودية المشتتة، وساهمت الأعراف "المنهاك" في إثراء أدب الفتاوى. كما يشمل الأدب اليهودي مؤلفات هلاخية أي تشريعية، ثم الشعر الذي ارتبط ارتباطا وثيقا بالصلاة والطقوس والفلكلور، وتظهر عليه سمات العروض وتقنيات النظم الشعري العربي الأندلسي أكثر من أية سمة أخرى. كما أن الأوزان العبرية متشابهة في تفعيلاتها مع أوزان الشعر العربي، وقد تطرق حاييم الزعفراني في دراسته الشعر في الغرب الإسلامي إلى نماذج شعرية تتوزع بين التوسلات والأدعية والابتهالات ألفها شعراء مغاربة هم «يعقوب ومسى وشلوم أبنسور». ومن ألوان الشعر اليهودي: أناشيد ومرثيات "باقشوت" (وهو شعر وجداني)، وشعر الابتهال "التحنوت" (وهو شعر التضرع)، وأناشيد الحب "أهابوت"، ويرتبط الحب في هذه الأناشيد بحب الله لإسرائيل، والحب المرتبط بفكرة الاصطفاء والخلاص. ويشمل الأدب اليهودي كذلك الكلام المسجوع «ميليصاه» وهو نثر موزون ذو جمل قصيرة ويعتمد التواتر الصوتي (التطريز). ثم هناك أدب القبالة والأدب الشعبي الذي يلتصق بوجدان العامة ويسهم في نقل المعارف والعادات والأعراف، وهو سجل عني احتفظت به الذاكرة اليهودية. والإبداع الأدبي، المكتوب والشفوي، لا قيمة لدراسته بمعزل عن أشكال الفكر الأخرى، لذلك فهو جزء لا يتجزأ عن التاريخ.

وفي الفصل الثالث عقد الباحث مقارنة بين ما كتبه الزعفراني وما كتبه وألفه آخرون باللغة الفرنسية عن يهود المغرب وسعى في ذلك إلى تقسيم هذه الدراسة المقارنة إلى ثلاثة مباحث تناولت وناقشت مواضيع تاريخية وجغرافية وفكرية، تعطي فكرة مفصلة عن الدراسات التي تناولت موضوع يهود المغرب وكيف استعرضت الكتابات الفرنسية، خلال القرن العشرين، جميع جوانب حياتهم التاريخية والاجتماعية والدينية والاقتصادية وما تباناه ملوك المغرب (منذ الأدارسة إلى العلويين) من موقف طيب إزاء اليهود وخاصة في فترة (1822-1912). وتعد تلك الدراسات متعددة ومتنوعة بل ومتداخلة ومتشابهة في طرح القضايا، بخلاف ما ميز كتابات الزعفراني، إذ يعتبر ما قدمه الرجل تضمن موروثا فكريا يهوديا كان القصد منه إعادة إحيائه وبعثه والحفاظ عليه ونفض الغبار عنه ورفض ما يسمى بالتاريخ المليء بالدموع.

إن ما قدمه الزعفراني عن اليهودية المغربية من أبحاث، يعد مخزونا علميا يحظى بالاهتمام والدرس. حيث انكب على البحث منذ خمسة عقود من الزمن بهدف بعث فكر يهودي ظل حبيس سنوات طوال، وضمنه سعى إلى إثبات الهوية اليهودية، انطلاقا من كتابات خلفها يهود مغاربة، سواء تعلق الأمر بالتربية أو القانون أو الإبداع الشعري أو التفسير التلمودي أو النثر الفني أو الكتابات الصوفية والسحرية. فقد شكلت كل هذه الكتابات مادة قيمة يجتمع فيها ما هو تاريخي بما هو اجتماعي وديني وفكري. واكتفاء الزعفراني بمهمة البحث في الموروث اليهودي جعل الباحث عبد السلام شرماط في ختام الكتاب يتساءل كيف سيتحقق المستقبل الذي تمتد جذوره بعمق في ماضي يهود المغاربة؟ وكيف ليهود الشرق والمغرب أن يعيشوا حياتهم كما في الماضي، وهم بعيدون عن أوطانهم؟ وهل دراسة أشكال المعرفة اليهودية والتعرف بها كافية لإعادة اليهود إلى أوطانهم وإقناعهم بالرجوع إليها؟

رشيد أمديون

 

 


تحقيق البطولة في " يوميات معلم في الأرياف" للسعيد الدريوش




تقديم

تعد كتابة اليوميات مغامرة، لأن نسج محكي ذاتي في نص يعتمد على السرد لتقديم الذات يحتاج إلى الشجاعة لتقول الذات أشياءها وتتعرى لتكشف عن بعض الخصوصيات. ولو اعتمدنا منطق الجاحظ أن القارئ عدو الكاتب: "و ينبغي لمن كتب كتابا أن لا يكتبه إلا على أن الناس كلهم له أعداء"، فإن الأمر يصير محل ريبة، فيما يعني أن الكاتب يرتاب من القارئ قبل أن يغامر بصياغة يومياته ويبوح بأسراره، لأن الكلام والكتابة، كما يقول كيليطو، مرتبطان بانزعاج قد يبلغ حد الخوف والذعر.

بيد أني أعتقد أن وعي الكاتب بقيمة ما يقدم هو الدافع الأقوى إلى نشر اليوميات، حتى لو افترضنا أنه فكر أول الأمر أن يدونها ويحتفظ بها لنفسه، فإنه ولاشك في مرحلة ما سيخرجها بدافع كشف الذات التي تريد أن تعبر عن عالم عاشته وعن تجربة تستحق أن يطلع عليها الآخرون. إن الذات ترى دائما أنها لم توضع في مكانها الذي تستحقه أو في وضع لا يتلاءم مع تصوراتها، لهذا تكتب محكيا يفضح ويعري أشياء كثيرة تساهم فيها أوضاع اجتماعية وسياسية واقتصادية، فينحى المحكي منحا تمثيليا للوقائع والمواقف دون أن يخرج عن سياق الوضع العام للحقبة أو للزمن الذي يكتب عنه أو فيه الكاتب يومياته.

من هذا المنطلق تتناول هذه القراءة "يوميات معلم في الأرياف" ، للسعيد الدريوش، وقد صدر هذا الكتاب عام 2017 عن المطبعة السريعة بالقنيطرة. ويقدم (في 112 صفحة) صورة واضحة ونموذجا لواقع رجل تعليم عين بإحدى الفرعيات بمنطقة جبلية بالشمال (معروفة بزراعة الكيف). اصطدم الشاب بعالم منعزل أشعره بوجوده في سجن كبير، يقول: "تأملت المكان، وأيقنت أني غريب في وطني، سحين في حريتي، مدرسة بواد غير ذي زرع ولا ضرع، تطل على مقبرة نسجت قبورها صدرا يريد أن يحضنني، الدوار هناك على بعد كيلومترين من المدرسة، أنا والأموات فقط هنا، تركني وطني وحيدا مع الأشباح" (ص7) . إن الصدمة التي تلقاه كانت أكبر من تصوره، لأن المكان، حيث توجد الفرعية التي سيدرِّس فيها، لا يوحي إليه إلا بالموت، فإما أن يحيي الموات بالتعليم أو أن يستسلم للموت (اليأس). ويتجلى في هذا، صراع من أجل تحقيق البقاء والبطولة، وهو ما يحتاج إلى فاعل.

1. الفاعل والبطولة

نلاحظ- بداية- أن هذه اليوميات تتقاطع على مستوى العنوان مع رواية توفيق الحكيم" يوميات نائب في الأرياف"، ورغم اختلاف الجنسيين الأدبيين، إلا أن المشترك هو التجربة الذاتية والإنسانية، فكما أن تجربة توفيق الحكيم كانت تجربة (فاعل) في وسط ريفي بمصر حيث مثَّل السلطة، فإن السعيد الدريوش في يومياته بوسط مغربي جبلي يخوض صراعا مع الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. وهو صراع لأجل النجاة من واقع هزيل يقاوم فيه قسوة الطبيعة (برد قارس، أمطار، جبال عازلة..) وقسوة ووحشية الإنسان والحيوان والحشرات.. وسلطة المدير الذي ينعته بملتهم المطعم المدرسي والذي كان سببا في تأخر ترقيته.. يقول عن المكان : " يوم واحد في الفرعية كألف سنة مما تعدون". إن خوض الصراع من أجل النجاة يتجلى في تحقيق بطولة تخلع عنه صفة المفعول، ويقاوم كي يكون فاعلا (معلما). وإذا كان توفيق الحكيم في روايته نائبا يمثل دورا وظيفيا مؤثرا، فكذلك الكاتب السعيد الدريوش، هو معلم يؤدي واجبه في ظروف غير مناسبة لا يد له فيها. وأدى به ذلك إلى تجاوز دور المعلم إلى أدوار أخرى، كدور الفقيه، ثم مجتهد في المذهب (كما يقول) إلى درجة المجتهد المطلق، يقول: "من غرائب ما أنتجت جواز صلاة التراويح خلف المذياع لأن إمام المسجد كان يزرع الحشيش ويجمع محصوله وراء المحراب، لهذا تختلط عليه الآيات.." (ص20). وتجاوز دور المعلم أيضا إلى أدوار أخرى تمكنه من أن يبقى على قيد الحياة وأن يلبي متطلباته الضرورية، يقول: "فبالإضافة إلى ضبط التخصص التربوي والبيداغوجيا والديداكتيك، يتحتم على المعلم في الأدغال والبراري أن يكون ماهرا ومتخصصا في ركوب الدواب، وحلب البقر والماعز، وسقي الماء من العيون والآبار" (ص48). ولكي يكون فاعلا أيضا فهو تجاوز دوره الوظيفي للأدوار أخرى حرفية وغيرها، يقول: " لكي تكون معلما ناجحا في الأدغال وفي جزر القنب الهندي والحشيش الطازج اللذيذ، ينبغي أن تكون ماهرا في كل شيء، موسوعيا باهرا، وحرفيا متخصصا في شتى أنواع الفنون. عليك أن تكون نجارا لإصلاح الطاولات والسبورة، وبناء لترميم ثقوب القسم وشقوقه والحفر الضخمة المنتشرة كالفطر داخل السكنيات المدرسية، وفقيها مقاصديا تؤم المصلين الذين لا يتعدون الأربعة في مسجد الدوار (..) وعليك أيضا أن تكون جزارا صلبا تنحر الدجاج والماعز والغنم وبيبي حبيبي لكل امرأة تأتي إلى المدرسة، حتى أصبح القسم الآيل للسقوط، والذي لم ترد النيابة ترميمه رغم العديد من المراسلات والشكايات التي توصلت بها من المعلمين السابقين والحاليين، الأموات والأحياء، مكانا جيدا للذبح السري"(ص42). ويحاول الكاتب هنا السخرية من الوضع، ويعتبر المسؤولين و السياسيين هم السبب فيه. ففي موضع آخر يقول: " أليس في المسؤولين رجل رشيد؟ "(ص47). وحيث أن المعلم في عزلته بمكان الفرعية (التي أسماها فرعيانتامو على وزن غوانتانامو) مكلف بتدريس قسم مشترك فيه مستويات مختلفة : الثالث والرابع والخامس والسادس، ويدرس المادتين معا العربية والفرنسية، فإن هذا الوضع المزري أنتج لديه استياء من الواقع والظروف، مما أجبره على إعادة النظر في التكوين الذي تلقاه في مركز المعلمين، لأن إنزال ما تعلمه على وسط طاله الإقصاء والتهميش يعد هراء، يقول مثلا: " وبدأنا نتساءل عن مغزى التنشيط قرب الحمار زعيريط الذي لا يحلو لصاحبه احميدو اعتقاله إلا في ساحة المدرسة، قائلا: أستاذ سعيد، راقب هذا الحمار جزاك الله خيرا، واحذر أن يغادر ساحة المدرسة" (ص25).

إن الكاتب في كثير من يومياته لا يكتفي بسرد ما وقع له بل ينقل إلينا أيضا تداعياته النفسية وما كان يفكر فيه هو وزملاؤه، ومن خلال ذلك يستطيع القارئ أن يستشعر نفسية الكاتب ومواقفه الواضحة بل يعبر عنها بأسلوب ساخر، لهذا نقرأ أنه إضافة إلى رأيه في صعوبة إنزال ما تعلمه، خلال التكوين بالمركز، على الواقع ينتقد أيضا سياسة الوزارة التي تلزم المعلم بارتداء وزرة بيضاء في ظروف غير مؤهلة لممارسة التدريس: "بدأنا نتساءل عن الوزرة البيضاء التي أمرنا بارتدائها في غياب المراحيض، حتى إذا بلغت الحلقوم فإنك تهرول كالمهر بوزرتك صوب أقرب شجرة (...) بدأنا نشعر بمهزلة الوثائق التربوية البعيدة كل البعد عن واقع يفتقر إلى كل شيء، فكرنا أيضا في سيارات النقل السري والشاحنات التي تقل المعلمين إلى فرعياتهم عوض سيارات تحفظ كرامتهم وتقدر رسالتهم الملائكية"(ص25).

يعتبر الكاتب التفكير حقا مشروعا، فمن حقه أن يفكر في أوضاعه، ليؤكد وجوده، وليظل محافظا على وعيه، خاصة في تلك الظروف التي يسهل فيها الانجراف نحو مطب الإدمان (لوفرة سبل الحصول على الحشيش) حتى يفقد عقله، فقد قال عن بعض المعلمين: "ومنهم من طار له العصفور في جزر الواقواق من فرط تدخينه للماريخوانا والشقوفة" (ص57)، إذن هو يحتمي بالتفكير كعلامة على الوجود، "نحن نفكر إذن نحن موجوجون"(ص25).

إن تحقيق البطولة هو ما ساق السعيد الدريوش إلى التفكير والتعقل وعدم الاستسلام رغم كل الظروف السيئة، وحاول أن يؤدي دوره، إلا أنه تجاوز دور المعلم إلى أدوار أخرى حتى لا يقع في موضع من مواضع الإعراب مفعولا به، لهذا نجده مطالبا من طرف السلطة بالإشراف على عملية الاقتراع الانتخابي بالدوار، ولم يرفض، لإيمانه بواجب صنع التغيير في المجتمع بأبسط ما لديه من وسائل وإمكانيات. ورغم صعوبة المسؤولية، خاصة في واقع مشحون بالعنف، إلا أنه حاول أن تمر العملية الانتخابية في ظروف نزيهة كاد أن يكون ضحية لما يعقبها من معارك عنيفة بين أنصار المرشحين.

ثم إن تحقيق البطولة والانتصار على الواقع هو ما دفعه إلى التفكير في متابعة دراسته الجامعية ومداعبة القرطاس والقلم (كما يقول بدل) " الكارطا والبارشي والدكوك" فما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا. ويعد ذلك شكلا من أشكال التمسك بحبل النجاة لتحقق الذات مطالبها المشروعة. وبعد اثنتي عشرة سنة غادر الفرعية إلى وزان ليدرس بإحدى ثانوياتها بعد نجاحه في مباراة تغيير الإطار. لقد عبر الكاتب بإحساس بليغ عن لحظات وداعه للفرعية؛ احساس رغم ما يضمره من سعادة بتحسين وضعيته المهنية فيه أيضا حسرة وحنين لأن الإنسان، مهما كانت الظروف التي يعيش فيها، يكوّن علاقات وروابط مع المحيط حوله، فهو لم ينتقل إلا بعد أن ترك بعضا منه بتلك الأرض، زهرة شبابه التي " امتص نحل الحرية رحيقها وعبق مسكها" (ص106). والأرض أيضا تصير جزءا من الإنسان حين يشرب من مائها ويأكل من خبزها، ويخالط إنسها وجنها وحيواناتها وحشراتها، لهذا يقول: "اثنتا عشرة سنة من استنشاق رائحة الأرض المبللة بأولى قطرات المطر المتكاسلة، سنين عجاف من ملامسة خبز خشن، ببقايا الرماد المتناثر على جنباته كعيون تخفي أسرارا لن تبوح بها إلا في الوقت المناسب، كنت كسمكة تتلوى خارج بركة ماء، أو فرس جامح استعصى عن الترويض" (ص106). إن المكان هنا صار جزءا منه، لهذا كان الفراق شديدا بطعم الحنين، يقول: " الأماكن تحن لمن يعمرها ويغمرها بحنان ولطف"(ص106). وهذا يؤكد أن الكاتب كان فاعلا لا مفعولا به، لأن من يترك الأثر الطيب هو من يستحق أن يحن إليه المكان، وتجلى ذلك في تأثر التلاميذ والناس حال وداعه، ليقول له أحد تلاميذه: " أستاذ صافي سخيتي بينا". كما تجلى في وداع أهل القرية له بجدي أقرن سمين، كعربون محبة وتقدير وتكريم.

خرج الكاتب من صراع قوى مختلفة منتصرا على الواقع والظروف ومنتصرا على الطبيعة والحيوان والإنسان.. وبقدر ما أعطى أخذ، لكنه عطاء وأخذ غير متكافئ، فمن ناحيته كان فاعلا فأعطى لأولئك الأطفال نصيبا من العلم فأعطوه خبزا حافيا، بنكهة آهات البؤساء. إنها رؤية إنسانية لرجل تعليم شارك تلاميذه في حياتهم القاسية وفي ظروفهم الطبيعية والاجتماعية البئيسة وسط عالم أريد له الإقصاء والتهميش، فساقه القدر ليقتسم مع أولئك الأطفال الألم والشجن، فعلمهم أبجديات اللغة وعلموه أبجديات الحياة.

خاتمة 

 "يوميات معلم في الأرياف" كتبت بلغة جميلة سلسة تنزع نحو السهولة للبيان، وتستثمر فن السرد الرشيق لتكشف عن محكي ذاتي طرح قضايا عديدة تخص المعلم والتعليم عموما في مناطق هامشية لم تنفك عنها العزلة، بعيدا عن أي أثر للحضارة. وطرح عبرها الكاتب السعيد الدريوش قضايا تخص كل ما هو اجتماعي واقتصادي وسياسي وأخلاقي وإنساني... يوميات نقلت إلى القارئ حياة ومشاعر المهمشين وبعض تفاصيل عالمهم، وعبرت خوف واضطراب الإنسان في عالم مجهول يصارع فيه قوى الطبيعة والحياة والقرارات، ويقاوم فيه مخاطر الموت والأمية والجهل كي يحقق بطولته.

رشيد أمديون

«مسرح توفيق الحكيم» للناقد المصري محمد مندور

 #2021_القراءة

 «مسرح توفيق الحكيم» للناقد المصري محمد مندور. 180 صفحة.
يتناول هذا الكتاب علاقة الأديب توفيق الحكيم بالمسرح، وارتباطه الوثيق بهذا الفن وما عالجه من خلاله من قضايا فكرية واجتماعية وقضايا الحياة، حيث قسم الناقد مسرح توفيق الحكيم إلى ثلاث اتجاهات: مسرح الحياة، والمسرح الذهني (أو ما أسماه التجريدي)، والمسرح الهادف. فعالج محمد مندور كل مسرح على حدة اعتبارا لما يستمده من موضوعات وما يقدمه ويكشفه للمتلقي وما يحيط به من سياقات ظهوره. كما ذهب إلى أن هذا التنوع في مسرح توفيق الحكيم له ارتباط بما عرفه مساره من تطور خاصة وأنه من الذين كانوا يؤمنون بنظرية "المسرحية للقراءة"، وتحول عن هذه الفكرة تدريجيا منذ سنة 1949، حيث أن المسرحيات التي كتبها بعد هذا التاريخ مثل "إيزيس" و"الأيدي الناعمة" و"الصفقة" و"رحلة الغد" و"أشواك السلام" حاول فيها كلها أن يجمع بين الفكرة والحركة الدرامية، بل وتطور معنى الفكرة نفسه عنده فلم يعد هدفه من الفكرة مجرد تجسيم إحدى حقائق الحياة التي يؤمن بها، بل أصبح معناه أن تصلح تلك الفكرة أيضا لقيادة المجتمع أو لتوجيهه وحث خطاه على طريق معين مما يصح معه أن نقول بأن الحكيم قد تطور مفهومه للفن المسرحي بين تلك الاتجاهات (مسرح الحياة، المسرح الذهني، والمسرح الهادف).
وهذا التطور يعود بالأساس إلى قدرته على التكيف مع المراحل الزمنية والأحداث، فهو يردد في أدبه مفاهيم الحياة، الثورية الجديدة، ويؤيد المفاهيم بل ويوجه نحوها. وتجلى ذلك في مسرحياته "الأيدي الناعمة" و"الصفقة" و"أشواك السلام" والتي يعتبرها الناقد من خير ما كتبه الحكيم من مسرحيات، من ناحية مضمونها الإنساني الصاعد الذي يواكب ركب الإنسانية المتطورة دائما إلى الأمام.
كما أن محمد مندور ركز في هذا الكتاب على ما عكسه إنتاج توفيق الحكيم المسرحي كمشكلة المرأة وعلاقتها بالرجل والتي ابتدأ توفيق الحكيم الحديث عنها بروح عدائية شرسة صاخبة ضد المرأة في عدد من مسرحياته الأولى مثل "المرأة الجديدة" و"نائبة النساء" و"جنة الأزواج" و"جمعية النساء"، ثم انتقل من مرحلة العداوة للمرأة مع تقدمه في السن إلى مرحلة التشكيك والحيرة وما سماه بالصراع بين الفن والحياة أي بين الفن والمرأة، وحسم هذا الصراع في مسرحية رمزية (ذهنية) من مسرحياته وهي مسرحية "بيجماليون" التي وظف فيها الأسطورة. وإن كان عاد إلى نفس المشكلة بعد زواجه عام 1946، حيث جاءت مسرحيتيه "يا طالع الشجرة" و"مصير الصرصار" تعالجان نفس المشكلة (علاقة الرجل بالمرأة).
هذا الكتاب الذي يجمع فيه محمد مندور بين التحليل لمسرح توفيق الحكيم ونقد بعض إنتاجه المسرحي من الناحية الأدبية والفنية والدرامية يجعل القارئ يحيط معرفة بالتركة الأدبية المسرحية للأديب الراحل توفيق الحكيم وما كان يحيط بسياقات إنتاج النصوص المسرحية لتوفيق الحكيم، وظروف المسرح عامة في مراحل حياة هذا الأديب الذي وظف التراث الأسطوري والديني في إبلاغ أفكاره ورؤيته للحياة والمجتمع والمعاني المجردة (كالفن والحياة، والمعرفة، والقدرة، والحكمة، والحقيقة والواقع..).

رشيد أمديون
 18 مارس 2021

الرواية ملحمة بورجوازية

 


كتاب «الرواية كملحمة بورجوازية» لجورج لوكاتش، ترجمة جورج طرابيشي، عن دار الطليعة للطباعة والنشر ببيروت، إصدار عام 1979.
هذا الكتاب المتوسط الحجم، من 94 صفحة، يطرح بعض ما صاغه لوكاتش (1885-1971) من مفاهيمه الأساسية في مضمار النظرية الروائية.
ينطلق جورج لوكاتش من تعريف هيجل للرواية بأنها ملحمة بورجوازية، ثم يقول بعملية تحقيب لها، بتحديد المراحل الأساسية لتطورها شكلا ومضمونا بالتوازي والتضامن مع المراحل الأساسية لتطور البورجوازية. فالرواية هي في تعريفه، النوع الأدبي النموذجي للمجتمع البورجوازي؛ بولادة هذا المجتمع رأت النور، ومع تطوره تطورت، حيث أن السمات النموذجية للرواية لم تبرز إلى حيز الوجود إلا بعد أن صارت الرواية الشكل التعبيري للمجتمع البورجوازي، وقد صورت الرواية تناقضات المجتمع البورجوازي. وبزواله وبقيام المجتمع الاشتراكي عادت إلى منابعها البطولية الأولى، من خلال تصوير العالم الروائي البروليتاري، وهو عالم الإنسان في صراعه البطولي ضد القيم الطبقية الإقطاعية والرأسمالية، فبرز البطل الإيجابي في الرواية، وبهذا استعادت أبعادها الملحمية مع كبرى الإنجازات الروائية للواقعية الاشتراكية: (الأم) لمكسيم غوركي، و(الدون الهادئ) لشولوخوف.
ويذهب لوكاتش إلى أن الرواية ذلك النوع الملحمي الكبير، ذلك التصوير الحكائي للكلية الاجتماعية، وهي القطب المقابل للملحمة العصور القديمة ونقيضها الجذري.
ويتضح في الكتاب منظور لوكاتش للرواية، والذي يتداخل فيه الفكرين الهيجلي والماركسي، هذا المنظور الذي أنتج فكرا اهتم بشكل كبير بالتأسيس لمقولات نقدية جديدة حددت تصوره للشخصية الروائية كما بلورت رؤيته الخاصة لمفهوم الواقعية العظمى.
16 شتنبر 2020

رواية «المصري» والهوية الثقافية والاجتماعية

اعداد: رشيد أمديون

رواية «المصري» للدكتور محمد أنقار. منشورات باب الحكمة. اصدرا 2014.
كتبت يوما، منذ بضع سنوات، عن الإيهام في المجموعة القصصية "البحث عن فريد الأطرش" للروائي والقاص الراحل محمد أنقار. وعنونت المقال بـ"إيهام القارئ في البحث عن فريد الأطرش". وذهبت إلى أن المبدع محمد أنقار استطاع أن يوهم المتلقي من خلال عنوان المجموعة القصصية، أنه أمام بحث مستمر عن قامة فنية تمثلت في فريد الأطرش. فيظل أثناء قراته مسكونا بهم البحث ودواعيه رغم أن اسم فريد الأطرش لم يرد ذكره إلا مرة واحدة في النص الأخير... هذا الإيهام الذي استخدمه الكاتب في منجزه القصصي "البحث عن فريد الأطرش" هو نفسه الذي نجده في روايته المصري. فالمتلقي يتوهم بمجرد قراءة العنوان أنه إزاء عمل روائي بطله شخصية مصرية، إلا أن قراءة النص إلى النهاية تزيح عنه حيلة الإيهام، وخاصة حين يتضح أن بطل الرواية مغربي تطواني، أي نعم، هو مولع بمصر وأدبها وبأعمال نجيب محفوظ بالخصوص، إلا أنه مرتبط ارتباطا قويا بمدينته تطوان، فيأخذنا في دروبها وأزقتها وحاراتها وحركة الناس بها وما استجد فيها من مظاهر معمارية وأخلاقية واجتماعية... وهذا الهوس هو ما دفع السارد أحمد الساحلي إلى التفكير -بعد التقاعد- في كتابة رواية عن مدينته محتذيا نهج نجيب محفوظ الذي عرّف بالحارة المصرية من خلال رواياته.. فتدور فصول الرواية حول هذا المبتغى (كتابة رواية) وإصرار السارد على هذا المشروع معتقدا أن الكتابة عن مدينته بمثابة استمرار لحياتها ووجودها وحفظا لها من مظاهر التشويه المعماري والأخلاقي والاجتماعي..
ويتوهم السارد أن الدور الذي بقي له في الحياة يتمثل في تحقيق هذا المشروع الأدبي. فبعد التقاعد صار يشعر أنه مقبل على الموت. من أجل ذلك يواجه الظروف التي تحول بينه وبين تحقيق مشروعه، ورغم تحديه وإصراره إلا أنه يفشل في النهاية.
يؤسس الكاتب هذا النص "المصري" على تفكير نسقي في دواعي الكتابة ومستلزماتها ومعيقاتها ومحبطاتها.. فهي في مجملها تمثل هما شاغلا لفكر السارد الذي يطمح في كتابة روايته، وبهذا فتقنية "الميتا رواية" (ما وراء الرواية) أعطت للنص بعدا جماليا وفتحت أمام القارئ عوالم أدبية وفنية أشرك فيها الكاتب القارئ وسار به نحو فضاء من التخييل والتصوير وتشكيل المتخيل السردي وطرح المفارقات والصيغ الملائمة لدعم فكرة ضرورة صيانة ذاكرة المدن وحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية من التلاشي والموت.

مهزلة العقل البشري


اعداد: رشيد أمديون

«مهزلة العقل البشري»، كتاب للباحث الاجتماعي العراقي علي الوردي. الطبعة الثانية 1994، عدد الصفحات 300 صفحة.

يبدو هذا الكتاب (كما أشار فيه الكاتب) أنه امتداد لكتاب سبقة بعنوان «وعاظ السلاطين»، وقد عزز فيه طرحه داخل إطار البحث الاجتماعي قصد فهم الطبيعة البشرية المترفة وتحليل لبعض الوقائع التاريخية ذات الطابع الاجتماعي مع ربطها بالواقع المعاصر، وينطلق الكاتب من فرضية أن التنازع ضرورة وحتمية لإنتاج حركة اجتماعية تؤدي إلى التطور والإبداع والانسلاخ عن التقليد للخروج من البدائية إلى المدنية، رغم أن المدنية إذا جاءت جلبت معها محاسنها ومساوئها. وبيَّن أن مدار التنازع قديما هو السلاح لفرض المعارض معارضته، أما اليوم فيكفي للحزب المعارض أن يدعو لمبادئه عن طريق الصحافة والإذاعة والخطابة وما أشبه.. إن التنازع انتقل من طريق العراك الدموي إلى طريق الجدل الورقي (أي التصويت)، وبهذا صارت الحضارة تركض في سيرها ركضا سريعا لا يعرف مصيره. كما بين الكاتب أنواع التنازع وأسبابه.. ثم ناقش آراء الفلاسفة في العقل البشري، وتطوره (كما عند ابن طفيل)، على ضوء الأبحاث الحديثة، ثم ناقش قياس المناطقة الذين يؤمنون بمنطق أرسطو، واعتبره قياسا تافها لأنه يعتمد على مقدمة كبرى تستند على البديهيات المألوفة.. وينتصر لمبدأ السفسطائيين، وبين عيب المدينة الفاضلة لأفلاطون واعتبره من المترفين، ثم تناول أكبر القضايا في التاريخ الإسلامي وهو الصراع على الخلافة الإسلامية بعد وفاة الرسول. وقيّم أسباب الجدال المتداول إلى يومنا هذا حول خلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأسباب ذلك الخلاف القائم بين أتباع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وانتقد ما انساق إليه المسلمين من انشغالهم بالمفاضلة بين هؤلاء الرجال عن المسألة الأساسية التي دافع عنها علي وهي إقامة عدالة اجتماعية، فهو يرى أن كل دعوة لإقامة العدالة الاجتماعية هي ثورة ضد ظلم المترفين، واعتبر الظلم شعورا يحسه الناس، وهو ما يحركهم نحو المطالبة بالعدالة، لهذا يقول أن التفاعل المستمر بين المترفين والأنبياء على توالي القرون هو الذي أنتج لنا هذه المدنية الحديثة التي ننعم بها الآن. والمدنية الحديثة قد امتازت بأمرين يمكن اعتبارهما من عجائب التاريخ: هما الحكومة الديمقراطية من ناحية والتقدم العلمي من الناحية الأخرى. وهذان الأمران لم ينشآ دافعة واحدة. فكل منهما هو نتاج سلسلة طويلة من الجهود المتواصلة ساهمت فيها جميع الأمم. إن كل أمة متمدنة في التاريخ أنتجت سلاطين مترفين وأنبياء ثائرين. وليس من الممكن أن يظهر المترفون في أمة دون أن يظهر تجاههم أنبياء وأشباه أنبياء على وجه من الوجوه. ويرى الكاتب أن السيطرة والتمرد وجهان متلازمان من أوجه التاريخ الاجتماعي، وليس من الممكن فصل أحدهما عن الآخر. ولولا وجودهما إلى جنب لما ظهرت في التاريخ تلك النبضات الحية.

وهكذا، يتناول الكتاب أيضا أحداث التاريخ والتاريخ الإسلامي في ضوء المنطق الاجتماعي الحديث وطرح قضايا شائكة مازالت تؤثر على المجتمع والعقل البشري. وهذه بعض الإشارات مما يعرضه الكتاب بالتحليل والنقاش.

تحميل كتاب الأدب المغربي الحديث لأحمد المديني

 

الكتاب: الأدب المغربي الحديث
المؤلف : أحمد المديني
منشورات دار الشؤون الثقافية والنشر بغداد / 1983
عدد الصفحات: 146

Join me on Facebook Follow me on Twitter Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة