المطر في شوارع المغربي محمد الشايب.. دلالة اللفظ (3)




الجزء: الأول  - الجزء الثاني

 القاص محمد الشايب           
                                    
بقلم: رشيد أمديون
 الجزء الثالث

ثم ترِد كلمة مطر بصيغة الجمع في قصة "الساحة"، وحيث يقول السارد عن تلك العينين وهما تتبادلان النظرات في ساحة الحافلات (مسرح الحدث): 
" تظل العينان تتبادلان السهام والورود، وتدخلان في حروب تارة، وتجنحان للسلم تارة، تتبادلان الرسائل، والسحب، وحتى الأمطار.."ص18 
من المؤكد أن تلك (الأمطار) لم يتم توظيفها إلا لترمز إلى لحظة أو لمحة سعادة في زحام ساحة الحافلات واكتظاظها وهرجها - وبحسب النص - العينين عين علال بائع الحلزون، وعين صفية بائعة الرغيف والحرشة، وبحسب السارد أنهما لم يتبادلا مثل هذه النظرات من قبل، ولا انتبها لبعضهما رغم أنهما يشتغلان معا بالساحة منذ مدة.. بهذا نستنتج أن هاتين النظرتين المتبادلتين هي اكتشاف الشخصيتين لبعضهما، اكتشاف (علال لصفية وصفية لعلال)، اكتشاف على مستوى آخر متأخر..، لعله اكتشاف للوحدة والغربة التي يمثلانها في فضاء الساحة، وحيث لاحظ كلَاهما نفسَه في الآخر، فإن بين النظرتين حكاية وحدة/إنفراد/حزن /وتيه..، رغم كل المشاهد والحركات التي تعج بها الساحة هما يمارسان فعل النظر مع سكون تام، لا يبديان موقفا من حركة الساحة وصراعاتها وصراع الناس..، إلا أنه لما شب حريقٌ في المكان وغادر الجميع غادرا معا بل حلّقا معا بجناح واحد يبحثان عن قوتها في مكان اخر.. نلاحظ أنهما حلقا بجناح واحد.. !
وفي هذا النص، ننتبه إلى أن الكاتب استخدم العباراتِ المتضادة في دلالاتها المعنوية: 
  •  " تتبادلان السهام والورود" 
  •  "حروب تارة/ سلم تارة"  
  •  "سحب/ أمطار"، 
لأن السحب غير الممطرة دلالة حزن وقلق، وفي حالة الإمطار، جود وكرم وخير وفرح..
ونفس التوظيف الدلالي جاء في قصة "صوت النعي" حيث قال السارد: 
" ورميت بنفسي في شارع لا يبتسم قط، يكشر عن أنيابه، ولا يفتح أبدا حدوده في وجه المطر"ص69. إنه مُسيج ومحاط بسياج الحزن، "والمطر يئن خلف قضبان الغياب"، هذا الغياب الذي أسِر الفرح كما أسر المطر، وشارع الشخصيات يُخاصمه، ولا يرضى بحضوره. يقول السارد:
"ولما سرت هذا السير الحزين في هذا الشارع الذي يخاصم المطر، ولما حلقت بأجنحة الألم في فضاءات الضياع..".  
إنه يحكي عن تيهه وحزنه الذي تسبب فيه الاحساس بالوحدة والغربة وهو يركب لهيب نعيها.. تلك التي لم يُفصح لنا عن ماهيتها في النص، بل ترك لكل متلق أن يتخيلها بالشكل الذي يناسب خياله، وإن كان السارد يتحدث عنها بما يبعث الراحة في نفس القارئ، أي يقول مخاطبا غيابها كأنه يسترجع لمحات من الماضي: 
" فلاحت صباحتك الندية، وأنت تزرعين الجمال في كل مكان، وتهطلين بالبسمات في كل زمان.. "ص70  
واستخدامُ عبارة تهطلين، دليل على أن الكاتب في نصوصه وَفيٌّ لحركة المطر الملهمة التي تُعرب عن حالة الاطمئنان، كما شأن الشاعر العربي القديم الذي يطمئن لهطول المطر... فهذه الاستعارات ومثلها غالبا ما نصادفها في مجموعة نصوص "الشوارع"، وكلها تأتي في سياق أسلوب شعري/شاعري يبعث الاطمئنان إلى القلب، مثل: 
"هطلت دهشات"ص20 - "يترجى هطول كلماتها"ص31 - "وأمجاد التاريخ تهطل"ص32 - "دعي نظراتي تهطل غزيرة"ص42 - " ثم هطل اسمي غزيرا"ص74
إنها استعارات تخدم النصوص بتأثيث حقول معجم لغة خصبة، كما تدعم ما نحن بصدد تأكيده أن مطر شوارع/نصوص محمد الشايب يعني (أمل/فرح /سعادة) مع وقف التنفيذ -طبعا-، فتصير القلوب معلقة بكل ما له علاقة بالمطر، حتى أن فعل (هطل) الذي هو من خصوصيه المطر له وقع خاص، ومثل ذلك عبارة "غزير"... وهذا لا نجده في نصوص "الشوارع" فحسب بل في بعض نصوص مجموعة "هيهات" للكاتب نفسه، ففي قصة "نرجس" صفحة 16، نقرأ عبارة: "فهطل الذهول غزيرا، وفاضت به الضفاف" وفي قصة "الحب المشتت "من نفس المجموعة: " تتحرك المرأة كسحابة حبلى بالمطر"ص25 
هذا التوظيف الجمالي يجعلك كقارئ تتعلق بأسلوب المبدع محمد الشايب، وتشعر أنك ترافق السارد وترى ما يراه، وتراقص العبارات بدهشة العاشقين، وبعين تستشرف أبعاد الجمال..
وبانتقالنا إلى قصة "وقت متأخر"، يقول السارد: "سرت ليلا في شارع تحت مطر جاء في غير وقته"ص37 
ثم يتساءل:
  • " أي اتجاه أسلكه تحت هذا المطر الغريب؟" 
  • " أتساءل عن سر هذا المطر الذي فاجأ الجميع.."ص38  
إن اصرار الكاتب على ذكر كلمة المطر وتكرارها في هذا النص يجعلنا نبحث عن قصده وما الذي يرغب أن ينبهنا إليه، هل يهيئ جوا رومانسيا للسارد؟ كمثل الأفلام الرومانسية التي يظهر فيها البطل مع حبيبته وهما يعيشان لحظة حب تحت قطرات المطر، هذا احتمال ضعيف! إذن، هل يتعلق الأمر بمطر الذكرى الذي يهطل -مجازا- على رأس السارد، خاصة وأنه زار شارعا يذكره بذكريات ماضية.. إننا لن نفهم منطلقات القصة إلا بعد أن يلتقي بصديقة قديمة -على ما ببدو- كان بينهما حكاية يعرف تفاصيلها شارع الذكرى الذي زاره وزارته هي أيضا دون اتفاق في الميعاد.. صدفة إلتقاها في المحطة فـ" أشرقت ابتسامة طال غروبها"، ركبا نفس القطار في اتجاه نفس المحطة، لكن لقاءهما كان الأخير رغم ما استعرضاه من ذكريات وما شعرا به من حنين في مطاردتهما لخيط الذكرى المنفلت من قبضتهما، ورغم ما قالاه وما لم يقولاه بل أحساه، فالوقت كان متأخرا، تماما كساعة وصولهما إلى محطة الوصول (النهاية) فقد افترقا دون موعد كما إلتقيا صدفة دون موعد، فما عاد تأسيس لقاءات مفترضة يجدي. وبهذا نجد أن المطر دلالة على الحنين الذي حمل السارد إلى شارعه القديم كي يبحث عن بقايا الذكريات ملبيا رغبة الحنين الملحة التي أتت كـ"مطر في غير وقته" لأن الذي مضى قد مضى.
المطر كهطول الذكرى في شارع النفس، كتساقط الحنين في دروب البال، إنه نفس السبب الذي حمل شخصية قصة "نهاية" فزار قريته النائية، حيث بحث عن بعض منه تاه بين دروب الحياة... الذكرى حنين، توقظ خفقات القلب التي توقفت عن النبض للأماكن ولشعرية الأماكن، لهذا فقد وظف الكاتب أيضا عبارة المطر في هذه القصة على شكل صورة جميلة لقرية السارد حيث قال: "وصلت فوجدتها عارية تستحم بمطر دافئ، وضفائرها ترقص على إيقاع رياح تهب من جهة البحر"ص47 
لم يجد السارد إلا الموت والجمود في قريته وحين وصل استقبله "مطر خجول سرعان ما اختفى متقهقرا أمام سطوع حارق لشمس ملتهبة"ص48 
يجمع الكاتب هنا أيضا بين المتضادات مثل:
  • "مطر خجول/شمس ملتهبة" - "الفرح /الحزن" 
  • "هناك تبللت بزخات الفرح واحترقت بلهيب الأحزان"ص49 
فاستعار من المطر زخاته، ومن الشمس حرارتها، لتكتمل الصورة الطبيعة المتعلقة بمحيط الحدث، وتكتمل بدورها الصورة الحسية المتعلقة بنفسية السارد.
هذا الحنين يساق أيضا في قصة "الضريبة" بنفس الدلالة الرمزية (المطر)، يقول السارد عن "لعربي" (شخصية النص): 
" لا يعلمون أنه يؤدي ضريبة نظرة قديمة الى وجه طافح بالمطر"ص63  
هذا الوجه الذي يطفو "على سطح أيامه، ويعود محملا بالسحاب" فيستأنف إسعاد الناس من جديد بخفة روحه قبل أن يستسلم لغيابه الذي يختطفه من حي الفرح وينقله إلى حي الأحزان، هذا الغياب الذي يأتي مع "هطول أولى زخات مطر السنة الجديدة، "دائما تأتي وهطول المطر.."ص64.. إنها الذات الغائبة في النص، المؤثرة في البطل وفي مصيره الإنساني... تركب الحكاية هودج الغرابة فتزداد متعة التأويل، هذا الركوب الغريب لموج المجهول المرتبط ربما بحالة وجدانية نفسية تتعلق بالفصل الماطر عند "لعربي". 
يضع هذا النص والنصوص الأخرى أمامنا حالات إنسانية تحمل ملامح من الشخصية العربية التي تحاول أن تصنع فسحا من الفرح أو تُظهر الفرح رغم أحزانها التي تعيشها داخليا من ضغوط الحياة والسياسات.. ضريبة الفرح حزن دائم ممتد كسرب طيور سوداء من المغرب إلى العراق..
يتابع...

0 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة