المطر في شوارع المغربي محمد الشايب.. دلالة اللفظ (2)




الجزء الأول  تجده هنا
نشر بالقدس العربي
بقلم: رشيد أمديون
الجزء الثاني
في مجموعة قصص "الشوارع" للقاص محمد الشايب نكاد لا نجد قصة لا تخلو من ذكر المطر/الماء أو تلمح إليه بدلالة صريحة أو مجازية، أو باستعارة حركته الطبيعية التي هي الهطول للتعبير عن فعل أو حركة ما أو حالة وجدانية معينة. تأخذ الدلالة بعدها الرمزي فتفيد الأمل وحينا الفرح والسعادة، وتظل هذه المدلولات عالقة بين سماء الانتظار تترقبها الشخصيات كترقب الفلاح للسحب الحبلى. ففي القصة الأولى نجد السارد مثقلا بهم فيمضي في غربة يطارد صوتا يعلن له عبر الهاتف أنه بشارع الحرية، ذلك الشارع الذي لم يعثر عليه -في النهاية- وبالتالي تنكشف فكرة النص في القفلة المفاجئة، لتفضي إلى أن الحرية عنوان متعلق بخياله ظل يطارده بين الأماكن... وفي هذا البحث المضني يمثل المطر سمة غالبة تدل على فسحة من أمل ضعيف جدا يتوق إليه السارد كما تتوق الأرض العطشانة إلى الغيث وإلى الفرج، نقرأ:
"نعم أنا أواصل السير في دروب غربتي، ولا، لا تملأ فراغاتي سحب ماطرة، ومع ذلك أناشد ذاك المطر المؤجل أن يهطل..، مع ذلك !"ص6
بهذا يضعنا الكاتب خلال هذا النص أمام أسئلة الذات، هل الحرية غائبة عن الإنسان العربي بالخصوص "بكل المعاني والمعاجم واللغات"؟ هل رغم كل إرادة هذا الإنسان وقدرته في التنقل والحضور في أمكنة متعددة والانطلاق -كما شخصية النص- فهو مازال يعيش غربته مقيدا بسلاسل التيه والضياع واستمرار البحث عن شارع الانعتاق...
نفس العبارة تتكرر بنفس الحمولة الدلالية في القصة الأخيرة "محاولة هروب". السارد بضمير المخاطِب يقول أنه:
"بين أسوار العطش.. والسماء ترسم قوافل السحب، والأمطار لا تريد الهطول"ص74
هل هي الأفراح الغائبة يا ترى، ومحاولة استمطارها؟
يقول: "والمطر يطل من شرفة العطش، ثم يبتعد"
ثم بعد انتقال في المكان وتقدم في سياق القصة نحو اللاحق، قال مخاطبا صوتا مجهولا ولعله صوت الأنا أو صوت الذكرى المستصرخة من أعماق الذات:" أين غبت يا شجرتي الظليلة، يا فاكهة الجنون، يا مطر السعادة.."
فهي إذا مناجاة، وبحث عن قيمة ضائعة، عن احساس مفتقد.. عن شعور ضائع في الزحام.. ثم هبت لحظة كرشة المطر الخفيف، قال: "هبت أنغام، وهطلت أمطار.."ص74. ولكنها سرعان ما انقضت كوقت جميل بارق في ظلمة وكهف الاحزان. فقال: "ولبستني البراثين القديمة، وعادت الرياح تكتب هيجانا مزمجرا، والسماء ترسم قوافل السحب، والأمطار لا تريد الهطول، والليل يستعد للهبوط"ص74.
إن دوام الحال من المحال لذلك عاد السارد إلى حالته الأولى مُرغما "على السير في شارع العطش"، العطش إلى المطر ولا مَطر..
وبهذا كان المطر في القصة الأولى كفتح مؤجل أو كأمل عالق بين السماء كسحب لا تُمطر أو كسعادة وقعت في أسر الغياب، والسارد يُناشد هطول مطرها لتملأ فراغاته، لتروي عطش حيرته، لكنها لا تردُّ على سؤاله الوجودي الذي يطرحه من خلال هذه الأشياء. وأما الشخصية في قصة "محاولة هروب"، فهي متعطشة للحظة سعادة مخبأة في كهف الحزن، أمطارُها لا تريد الهطول أيضا، ولما هطلت سرعان ما توقفت أنغامها وعادت رياح الحزن وليله المسود. إنها لعبة الفرح والحزن، فرغم كل تمظهرات الفرح وتأثيث أجوائه يظل غائبا غريبا مجهولا عن شوارع الذات.. تماما كالقصة التي تحمل هذا العنوان "الفرح" والتي تحوَّل فيها العرس إلى شجار وضرب وعنف كأنه انتقام من الحياة لأن الإنسان العربي لم يعد يقدِّر قيمة الفرح ولا يعرف كيف يفرح في تيهه العظيم. قال: "ولسان حال خدوج يقول: كثرت الأعراس وقل الفرح"ص14
يتابع... 

0 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لهمسات الروح والخاطر، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة