المطر في شوارع القاص محمد الشايب.. دلالة اللفظ (1)


نشرت القراءة على صحيفة القدس العربي
 
بقلم: رشيد أمديون
 
باعتبار الشعر كان - ولا يزال- أعمق تعبير وأسمى خطاب عند العرب في الجاهلية، فإن الشاعر كان يعبر من خلاله عن متطلبات الحياة المادية والمعنوية، وشؤون المجتمع والقبيلة، وبما أن البيئة العربية القديمة لطبيعتها الصحرواية كانت في أمس حاجة إلى القَطْر أكثر من أي بقعة أخرى ولشدة تأثر شعرائها بالماء استعاروا من السحاب والمطر والبرق صورا لبناء أساليب بلاغية، كقول أوس بن حجر وهو يصف بياض السحاب :
يا منْ لبرقٍ أبيتُ اللّيلَ أرقبُهُ * في عارِضٍ كمضيءِ الصُّبحِ لمّاحِ
من شدة هذا التعلق عاش الشاعر حالة القلق التي أرقته وهو ينشد رؤية المطر منهمرا.
ويبقى للماء وللمطر أهميته سواء في الصحراء أو في الأماكن الخصبة، لأنه الحياة وأمل البقاء ووسيلته، على هذا ورد في القرآن في سياق ذكر تعدد آيات الله الكونية ونعمه: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}(1). ومن دعاء طلب الغيث الذي يردده الناس عند الاستسقاء، وهو دعاء مأثور ورد في حديث في الموطأ: {اللهم اسق عبادك وبهيمتك وانشر رحمتك واحيي بلدك الميت} (2). قيمة الماء تعادل قيمة الحياة، وهو الرحمة والفرج والغيث والرزق، {وينزل لكم من السماء رزقا}(3).
كما أن الأمثال العربية القديمة لم تخلُ من ذكره مثل قولهم: "يَحْسَبُ الْمَمْطُوْرُ أن كُلاًّ مُطِرَ"(4). ثم يأتي الشاعر الرومانسي فيراه بدلالات أخرى.. ففي بعض من النصوص الحديثة كالقصيدة المشهورة "أنشودة المطر" لبدر شاكر، تُساق لفظة المطر للتّعبير عن حالة وجدانية وعاطفية –للشاعر- وعن منظوره للأوضاع العامة، فهو خطاب من خلف الدلالات.. وهو الحزن تارة(5) والميلاد المتجدد وهو الثورة والحياة والأمل والتفاؤل تارة أخرى... وكذلك قصيدة "على وقع المطر" لنازك الملائكة التي بدورها تخاطب من خلاله الموجودات وتبث مشاعرها المنهمرة كالمطر.. وكإيقاع موسيقي حين يُصغي إليه شاعر رومانسي مثل أبي القاسم الشابي:
وأطرقتُ أصغي لقصف الرعود * وعزف الرياح ووقع المطر
وهو "مطر ناعم في خريف بعيد" عند محمود درويش، وهو الحنين إلى الأنثى والحبيبة في "عقدة المطر" عند نزار قباني:
"أخاف أن تمطر الدنيا ولست معي/ فمنذ رحلت كانت عندي عقدة المطر".
وله ترسم الطيور بجناحاتها "فوق جبين الريح/وزخ الأمطار/ إسم الحرية !" عند هشام بوقمرة(6)...
 
فالكلمة واحدة وتتعدد الدلالات وفقا للسياقات النصية ووفقا للنسق الثقافي الذي ترد فيه، ووفقا لحالات الشاعر أو الكاتب النفسيه والعاطفية...
 
يتابع...

0 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لهمسات الروح والخاطر، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة