مفترق طرق - اصدار جديد للقاص عبد الرحيم التدلاوي

بقلم: رشيد أمديون

كلما تقلّصت مساحة النص أو اختُزلَ في أقلِّ العبارات، إلا واتَّسَع المعنى وتشعبَ وامتدَّ كيانُه إلى عوالمَ خاصة بالرؤية والرؤيا والتأويل... 
والقصّ القصيرُ جدًا فنُ الاختزال والتكثيفِ يَتركُ متعة خاصة في نفسِ القارئ، يُدهشهُ، يُبهِرهُ، ويُحزنه، أو يُفرحه فُينهِي القراءةَ ببسمة ساطعة على ثغره، بَيدَ أنَّ (الققج) تُحَمِّلُ هذا الأخير المسؤولية، إنَّها مسؤولية الفهم والاندماج والغَوص... للبحث عن مِفتاح المعنى. لهذا فهو شريكٌ في تأسيس النّص.
القاصُ المبدع عبد الرحيم التدلاوي يُهيِّئُ لغتَهُ، ويملأ بياضَ الأوراق، ويؤثِثُ النص بتقنيات مختلفة ومتنوعة، ويُتقنُ عملية التصوير والالتقاط، ويُسرِّح المعنى في ميدان النصوص كي تُطاردَهُ القراءةُ الجادة وتركضُ خلفه.. أو كأنَّ بنا في عوالمِ المبدع التدلاوي يحدثُ لنا ما حدثَ لشخصية نص "غرابة"، فالقارئُ بما لا شك فيه "يستيقظ على المفارقة العجيبة فيضحك، وكلما استوى الفهم قائما ينطح برأسه حافة نافذة المعنى فيسقط في قفلة النهاية باكيا". 
وإننا بين هذه المجموعة نحتاجُ نفسًا طويلا نُعيره للقراءةِ لتأتينا بالمعنى كلما دخلنا عالم نص من نصوصها. 
إنها مجموعة حافلة بالقضايا الإنسانية والإجتماعية والسياسية والفكرية والمفاهيم المستثرة والبارزة، المفاهيم التي تَحُوم حولها الآراء المتضاربة..، حافلة بالنفسي وما يبثه من مشاعرَ وقلق، ومن أحلام وأوهام وسراب يتلاشى في أفقِ الواقع المندسِّ بما يُشبه التَكبر في وحل الصراعات والعنف سواءً العنف الذي تجدد في الواقع أو ما بُعث من قبر التاريخ.. 
نصوصها مُتَمنعة في كثير من الأحيان، ولا تستسلمُ بسهولة، بَيدَ أنها تفيضُ إبداعًا، وتُشير في أنساقٍ مُضمرة إلى ما يَرومُ المبدع عبد الرحيم التدلاوي إلى قَوله. وقطعًا إنهُ يقول عبرها الكثير، يرسله باللامباشر، ويدخر في باطنه الكثير ويستعين بالمجاز لتحقيق العبارة وإرسائها، فالمعنى المُضمر قد لا تُسعفه العبارة المباشرة، قد لا تستجيب له، لذا فكل انزياحٍ أوتشبيه أو تناص، أو كل خروج عن المألوف أو كل ما يأتي مندرجا تحت لحاف الخيال فهو ضرورة تقتضيها طبيعة الأدب والفنون بصفة عامة.

وبعد؛ أيها القارئ، هذا اصدار جديد للمبدع عبد الرحيم التدلاوي يأتي بعد اصدارات أخرى في نفس الجنس الأدبي (القصة القصيرة جدا)، نوع جديد، حداثي يأسر ألباب القصاصين.. وفي المقابل يُقلق بال الكثيرين، ويبهر أمة من القراء وعشاق هذا القص المختزل..

مفترق طرق عوالم إبداعية تؤسس المعنى من منطلق حكمة كاتب يدرك من أين يبدأ وإلى أين يرسل الحكي، واثق الخطوة يمشي ملكا.

أرجو لكم قراءة ممتعة...

------------------

تقع المجموعة في 76 صفحة من الحجم المتوسط، تتوسط غلافها لوحة للفنان لحسن الملواني.


0 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة