الشيخ والبحر


من قال أنَّ كِبَر السن يُشكل عائقًا أمام التحدي. ومن قال أنه مبررٌ لفقدان الثقة والإيمان في قدرات النَّفس الإنسانية ومهارات الشيوخ. هكذا تثبت لنا رواية أرنست هيمونغواي، "الشيخ والبحر" أن الإنسان مهما تقدم في السن، فله قدراته الخاصة التي اكتسبها في حياته، وبها يستطيع أن يقاوم ما يعترض طريقه، وحتى إن خانته القوة قد يجد سُبلا تساعده، وذلك بقدراته العقلية، وذكائه، وباصراراه ومقاومته المستميتة من أجل الظفر بهدفه، حتى الموت. لا وجود لليأس في الحياة؛ ولا أدري ما الذي ذكرني هنا بحديث نبوي، كما لا أعلم هل هناك علاقة رابطة ولو كانت ضمنية بين الحديث وهذا الكلام، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل). أعتقد أن مضمون الحديث هو عدم اليأس، والعمل حتى لو أوشك العالم على نهايته. يؤسس هذا المعنى مفهوم الصمود لتحقيق ما هو ايجابي ولو كان على حافة النهاية، أو على حافة الانهزام، أو على حافة... 
هكذا فعل بطل الرواية، سنتياجو، الصياد الشيخ الذي لم يصطد ولو سمكة واحدة خلال 84 يوما، مما جعل صبيا كان يُساعده ويتعلم منه المهنة تحت ضغط والده أن يتركه ويشتغل مع صياد آخر محظوظ. لكن الصبي ظل وفيا لرفيقه الشيخ، فكان يأتيه بلوازمه واحتياجاته إلى كوخه.
خرج الشيخ في اليوم الخامس والثمانون بمركبه الشراعي الصغير للصيد دون يأس. علقت بصنارته سمكة اكتشف بعد مقاومة عنيفة معها أنها أكبر مما كان يتصور أن يصطاده، فأجهده صراعه معها كي لا تنفلت منه، رغم الجراح التي تسبب له فيها خيط الصنارة في يده، وألم تصلب ظهره أيضا ظل ممسكا بالسمكة يوما كاملا وهي تجر القارب بقوتها ليشق عباب البحر، فيزداد ابتعادا. في الغد لما اهتزت السمكة استطاع أن يطعنها بالرمح في الرأس بعدما اقتربت، ثم ربطها بجانب القارب الذي لا يقوى على حملها.
عاد الشيخ مبحرًا سعيدًا بغنيمته بعد أن قطع مسافة طويلة جدًا بسبب السمكة التي جرَّته. وفي عودته تعرضت له أسماك القرش التي شمت رائحة دم السمكة، فهاجمته رغبة في أكل صيده، فلم يستسلم الشيخ. قاوم بكل ما لديه من وسائل، الرمح، ثم السكين الذي ربطه بالمجداف، ثم الهراوة، وحديدة المركب. وكان كل قرش يأخذ جزءا من السمكة بقضمة من أسنانه قبل أن ينزل عليه الشيخ بضربة، حتى لم يتبق من السمكة إلا الرأس، والهيكل العظمي، وبهذا دخل العجوز الميناء ليلا وأوقف مركبه، وقصد كوخه حاملا سارية الشراع والشراع بعد أن طواه كمحارب جمع عدته وانصرف متعبا، ليستريح كي يستأنف مغامرة أخرى بعد حين. 
جاءه الصبي بعد ذلك فاعترف له الشيخ أنه هُزم، ولكن السمكة لم تهزمه. وقرر الصبي أن يرافقه في الخرجات القادمة بعد أن اقتنع أن الحظ ليس هو كل شيء بل الإصرار والعمل، قال: "ليذهب الحظ إلى الجحيم..."، فمازال هناك ما يجب أن يتعلمه من هذا الشيخ الصياد.
والجميل أيضا في الرواية هو كيف أن الشيخ في البداية كان مهاجما حين خاض صراعا قويا ضد السمكة العملاقة، واستمات كي يُسخِّر لصالحه كل قوى الطبيعة، ثم تحول إلى مدافع حين صارع القروش المفترسة التي أرادت أن تنهش سمكته التي نالها بعد معركة كانت ستؤدي بحياته. هذا التقابل يوحي لنا بحال الإنسان في بحر الحياة، فهو يقاوم ويقاوم من أجل هدفه دون استسلام حتى يقول قد حزته وانتصرت، فيفاجأ أن الطريق مازال أمامه ينبث العراقيل ويخبئ المفاجآت، ولا يكاد يستسلم حتى لو أدرك أنه في طريق الانهزام.

الشيخ والبحر حاز بها أرنست همنغواي -الأمريكي- جائزة نوبل في الآداب، وهي تعتبر أفضل ما كتبه، ومن بين أفضل ما كُتب في الرواية خلال القرن العشرين.
ولعل الذي أثار انتباهي أن الشيخ والبحر تميل إلى القصة الطويلة، ولو أن الغالبية صنفوها رواية، وطبعا هناك اختلاف في جنسها بين القائل بأنها رواية قصيرة ، والقائل أنها قصة قصيرة، والقائل أيضا أنها قصة طويلة، والحقيقة أني أراها قصة طويلة، لأن الرواية تحتاج لتعدد الأحداث، والأشخاص. لكن "الشيخ والبحر" تقتصر على حدث واحد، وشخصية سنتياغو الذي هو البطل (الشيخ) والصبي مانولين. هذا إضافة إلى لغتها المكثفة التي غالبا ما تكون في جنس القصة وليس في الرواية.

زمن قراءتها مابين 15 إلى 17 مارس 2014. وتقع في 139 صفحة من الحجم الصغير. ترجمة د. علي القاسمي.


رشيد أمديون

 

7 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

عبدالعاطي يقول...

الله يعطيك الصحة يا خويا. الشيخ والبحر بعد كامو..
اختيارات موفقة

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

@عبدالعاطي

سنة القراءة والجد أخي عبد العاطي.
الله يحفظك وينورك، اشتقت إليك

Taha Saki يقول...

السلام عليكم أخي رشيد ..
بالنسبة للرواية فهي تعرف أكثر باسم "العجوز و البحر" ... و ان كان الامر في جميع الحالات يتعلق بترجمة من الانجليزية لكلمة the old man .
و أعجبني تحليلك للرواية سواء في معناها و مغزاها و ايضاً تصنيفها الادبي.
استمتع بوقتك يا استاذ رشيد ^^ و تحياتي العظيمة لك

انتيكات يقول...

اختيارتك للموضيع مميزه جدا الف شكر واستمر فى هذا التميز

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

@Taha Saki

وعليكم السلام صديقي طه
طبعا هناك من ترجمها بـ "العجوز والبحر"، ولكن لاحظ أن في اللغة العربية هناك من يركز على أن مصطلح العجوز يخص المرأة فقط، ومصطلح الشيخ يخص الرجل الكبير في السن، عد للقرآن مثلا ترى أن العجوز للمرأة والشيخ للرجل، (قَالَتْ يَاوَيْلَتَى آلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا). طبعا هناك بعض المعاجم أعطت المصطلح (العجوز) للمرأة والرجل معا، ولكن أرى أن هذه الترجمة الصحيحة "الشيخ والعجوز".
شكرا لك على القراءة وطرح رأيك
لك المحبة عزيزي طه

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

@انتيكات

أهلا بك، ومرحبا.
شكرا لك

شركة نقل اثاث بالرياض يقول...

شكرا

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة