خواطر حول نبي الإسلام

كانت ولادة محمد بن عبد الله (صلى الله عيله وسلم) رحمة للعرب خاصة - ورحمة للعالمين عامة - فهو جاء في فترة كانوا فعلا أحوج الناس لرجل مثله كي ينقذهم من طاغوت الكفر، والجهل، والظلم؛ لا أظن أن العالم شهد من قبل رجلا مثله؛ حقا فهو الإنسان الذي وصل درجة الكمال البشري، ولن نبالغ في هذه الكلمة لأن الدارس لسيرته يدرك جيدا مدى صحة هذا القول، ويدرك أنه الرجل الأمي الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة، لكنه علّم جيلا، وأي جيل! شعب كان يعيش في مزبلة العالم، لا يدرك شيئا عن الحضارة، ولم يكن له نظام يحكمه... يقتتل بينه لأتفه الأسباب، ويأكل القوي منه الضعيف، ويحتقر الرجل منهم المرأة.. لكن الأقدار شاءت أن يأتيهم المنقذ، ليس بمَلك ولا برجل خارق! فقط هو رجل منهم يعرفونه ويعرفون أمانته وصدقه، يكلمهم بلسانهم، ويعيش معاناتهم وآلامهم.  لكن هذا الرجل الذي تحمل الأذى وصبر، أحيا أمة من العدم ..لم يستطع أحد أن يصنع ما صنع؛ إنها الحقيقة، ولقد أحياها فبلغت حضارتها بلاد أسيا.. وبلاد إفريقيا.. أماكن ما كان يحلم عربي في صحراء أن يبلغها أبدا.. هذه أمور تبدو لنا بديهية لأول وهلة، لكننا إذا أمعنا النظر وتدبرنا، وجدنا أن هذا الصنيع لا يصنعه إلا العظماء.
إن محمد غيّر مجرى التاريخ
؛ إن كان كل فيلسوف وكل مفكر يترك بصمات فكره عبر التاريخ، فإن نبي الإسلام قد ترك أمة وحضارة وأخلاقا.. ترك إرثا من القيم... إننا نحن المسلمون قد يعني لنا شخصه الشيء الكثير، ذلك لأنه رسول الله الذي أوحي إليه... لكن هل يعني لنا أنه شخص لم يسبق له مثيل في تاريخ كفاح البشر؟ هل يعني لنا أنه المنقذ من الضلال..؟ حتما إنه كذلك فقد حمل وصفا جميلا وصفه به القران أنه (يخرج الناس من الظلمات إلى النور)..
إن من يكره محمد قد يكون حقده منبعث من عقيدته الفاسدة، أو عدائه للإسلام.. لكنه لا يستطيع أبدا أن ينكر أنه من الرجال الذين أبهروا العالم، ولا يستطيع أن ينكر عبقريته الفذة وأخلاقه السامية..
الذي يزيد إعجابي أن هذا النبي هو الوحيد الذي عرفنا عنه كل شيء، صغيرا كان أو كبيرا، ذلك أن أتباعه وصحابته قد دونوا عنه كل حياته: أقواله وأفعاله، وحتى انفعالاته.. وبكثير من الدقة والتحري، والتفاني والأمانة وصل إلينا كل شيء عنه.
كان كتابا مفتوحا أمام كل العالم! ليس في حياته لبس ولا غموض، إن رجلا مثله لحري أن تتعلق قلوب الكثيرين به، وحتى من غير المسلمين؛
يقول المؤرخ الفرنسي (لاما رنتين) وهو أكبر شعراء المدرسة الروما نتيكية الفرنسية في كتابه (تاريخ تركيا): (إن عظم الغاية وصغر الوسائل وقلة الموارد ... والنتائج المدهشة هي ثلاث معاير لعبقرية الإنسان، فمن يجرؤ علي مقارنة أي رجل في التاريخ بمحمد).
إن كل ما أُلف من كتب عنه وعن شخصيته، وكل ما قيل عنه لم يوفيه حقه، لأنه حقا كما وصفته زوجته السيدة عائشة: أنه كان قرآنا يمشي بين الناس، فهو النبي والمربي والمعلم والرئيس والقائد.. فأي رجل يستطيع أن يجمع بين هذا كله؟. 

   في مثل هذا اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وبالتحديد يوم الاثنين ولد سيد الخلق فأشرقت أنوار الحياة.

ولد الهدى فالكائنات ضياء   وفم الزمان تبسم وسنــاء


إني أكتب هذه السطور في الوقت الذي يحتفل المسلمون بذكرى نبيهم العظيم وشمس هداهم، لكن شيئا يحز في نفسي وأنا أتكلم عن شخص محمد (صلى الله عيه وسلم)، وأسئلة تعكر صفو خاطري الذي انشغل بمحبة هذا النبي الذي أخذت أكتب عنه كل ما يسري في وجداني، وأنظر بعيني متأملا... ذلك أن أوضاع المسلمين في كل أرجاء العالم لا تسر، والأمة التي كونها محمد -صلع- منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنا كثيرة العدد، ولكن للأسف ليست لها قوة؛ كانت خير أمة أخرجت للناس.. فهل هي اليوم كذلك؟ لا أظن!.
المسلمون اليوم في مؤخرة الركب، يلزمهم أن يلحقوا بالأمم الأخرى مائة سنة، وهيهات أن يكون ذلك! لأن مائة سنة للالتحاق بالركب تعني أن الأمم الأخرى يجب أن تنتظر، أن تقف بدورها حتى نستوي معها، وهذا لن يحدث فهم في تقدم مستمر وفي عمل دائم..
الذي أريد أن أقوله بهذه المناسبة، أني تخيلت لو أن محمدا -صلع- بعث إلى عصرنا هل سيعجبه حالنا؟ كل ما تخيلت أن يقوله: هل هذه أمتي التي كافحت من أجلها؟
وأنا على يقين تام، أنه لو بعث من جديد، لحل كل مشاكل العالم..! وليس مشاكل المسلمين فقط، ذلك لأنه رحمة للعالمين.
لكن هل يجدر بنا أن ننتظر محمدا، كمنقد من جديد؟ أم نشمر عن ساعد الجد، وننقد أمته بسلاح العقل والعلم والمعرفة.. إن المسلمين مطالبون بذلك عقلا وشرعا، فلم يعد هذا العصر عصر التعاويذ والتمائم، والخلاف حول جزئيات ننفخها بالجدال والنقاش.
يكفي ما شاهدته الأمة الإسلامية من سبات عميق، وما جنته من ركودها قرونا بعد أن أنهكت قوتها، وضيعت وقتها في صراعات فكرية مختلفة – معتزلة، مرجئة،خوارج، وغيرهم..- حتى استيقظت فأدركت أنها بين أنياب الجهل والتخلف.
فالعزاء كل العزاء على أمة لا تسمع وإذا سمعت لا تفهم وإذا فهمت لا تعمل.

(البيت الشعري لأحمد شوقي)
أبو حسام الدين

6 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

مغربية يقول...

اللهم صلي وسلم على حبيبنا محمد
تشكر على هذه البادرة الطيبة أخي رشيد
تقبلها الله منك وجعلها في ميزان حسناتك

أبو حسام الدين يقول...

@مغربية

بوركت أختي وجزاك الله خيرا

حلم يقول...

السلام عليكم ورحمة الله تعالى
تأسرني المواضيع التي تتكلم عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى الدي من دواخلنا فتكون اصدق وتكون التعريفات مبسطة وجميلة ، ترسم حبا لرسول الله بنبض القلب بعيدا عن التاٍيخ ، لتكون ذاكرتنا هي الشاهد علينا وتكون حروفنا فانوس يضيء الدرب أمامنا فليس هناك أصدق من كلمة - نحبك يا رسول الله - كلمة تختصر التاريخ وتختصر كل شيء
فنبينا مدرسة علمتنا قيمة الاخلاق وقيمة الفكر السياسي والاقتصادي وكيف نكون امة بكل معنى الكلمة وعلمنا التسامح والتآزر
بارك الله فيك أخي رشيد
موضوع رائع فعلا

أم هريرة (lolocat) يقول...

السلام عليكم استاذى رشيد


شمس الحقيقةِ قد عمّت على البشـرِ
مذ شرّف الكونَ مولودٌ مـن الغـررِ
والأرضُ قد أرسلت أنفاسَهـا عبقـاً
إلى السماء بكـل العِشـقِ ِوالعِطَـرِ
فاستنشقتهـا رجــالُ اللهِ أبـخـرةً
فواحـةً بنسيـم القـدسِِ والـزَهَـرِ
والحورُ قد طـرزت بالـدر اخبيـةً
لمّا أحست بقـرب المولـدِ النضـرِ
والعالمـونَ بـدت أحوالُهـم عجبـاً
لمّا تشعشـعَ نـورُ الأنجـمِ الزُهُـر
من مكةََ النورُ قـد شعّـت وهائِجُـهُ
كلَ الممالكِ من بـدوٍ ومـن حضـرِ
الكونُ أشرق كلَ الكـونِِ والتهبـت
شعـابُ مكـةََ ألحانـاً علـى وتـرِ
يا بنتَ وهـبٍ حبـاكِ اللهُ سندُسـةً
خلابةً من شذا الفـردوسِ والطُهُـرِ
لقد وضعتيـهِ والدنيـا لـه سجـدت
والإنسُ والجنُ والأملاك في الأثـر
فهل وضعتيـهِ إنسـاً سيـداً بشـراً
أم أنه من سنا الرحمن لا البشـرِ؟!


صلى الله عليه وسلم
جزاك الله خيرا اخى العزيز
ولا تحزن ابدا على امة محمد فهى بخير ليوم القيامة
وما يحدث الان مؤشر خير لصحوة قادمة ان شاء الله
ربما تحدث مساوىء مؤقته لكن بعدها سيكون الفرج القريب ان شاء الله تعالى
فالفعل افضل من التكاسل والثورة افضل من الخذلان و الجبن
وان شاء الله سيكون القادم اجمل للجميع وسيعم الخير كل الدول الاسلامية ولعل الله يفتح بنا اقصاه ويطهره

تفاءل خير اخى الكريم فالمستقبل بيد الله المهم ان نتمسك نحن بالحق

نعود لذكرى الحبيب محمد انا مع رأيك ان نحيى ذكراه بكل الطرق الطيبة وكنت اتمنى ان نستمع لانشادك الذى تشوقنا اليه والى صوت ابى مجاهد ايضا
لكن لا يجب ابدا ان نقيم هذا اليوم على انه يوم عيد او ان نعتقد ذلك .... ويا ليت عندنا بمصر يفهموا ان احياء الذكرى تكون بالتمسك بالسنة الطاهرة و العمل بها
كان الامر يصل الى ان يتمسح المطربين ويتشدقون بالتملق للحكام ويكثرون من افلام ساقطة كما لو ان النبى بعث من جديد فى ثوب الحاكم ولا حول ولا قوة الا بالله
ليتنا نعى جميعا ان هذا اليوم ما هو الا انذار لكل من يخالف دين محمد وتذكرة للصالحين بالحق وهذا حسبنا

اعتذر لطول كلامى

تحياتى لك اخى الفاضل وياااارب نسمع صوتك بقى :) فى اى انشاد

أبو حسام الدين يقول...

@حلم

وعليكم السلام

جزاكِ الله خيرا أختي حلم.
حقا فشعورنا بحب النبي الكريم يزداد إن درسنا سيرته بتمعن.
صلى الله عليه وسلم.

أبو حسام الدين يقول...

@أم هريرة (lolocat)

وعليكم السلام

بارك الله فيكِ، وجزاكِ الله خيرا.
إن شاء الله نرى الخير في الأمة.

أنا لا أنكر ان هناك بدع ومنكرات يقوم بها البعض بدعوى الإحتفال. لكن الذكرى أراها كما ترين واتفق معك في هذه النقطة.
لا بأس من طول كلامك، فهو مهم وجميل.

بوركت.

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة