أصالةُ الذَّاكرة، والإنتصار للقيَّمِ الإنسانية

أصالةُ الذَّاكرة، والإنتصار للقيَّمِ الإنسانية

في "نبضات من الذاكرة" للقاص هشام فنكَاشي
بقلم: رشيد أمديون

ربما لا يحق لنا أن نعود إلى الجدل القديم حول علاقة الأدب بالأخلاق، كيف يجب أن تكون، أو على أي أساس ستنبني... ذلك لأن التجارب والدراسات الأدبية والنقدية أثبتت أن الأدب لا تقبلُ بنيتُهُ الوعظ والإرشاد - وخاصة الشعر والقصة القصيرة- وفي المقابل، لا يعني هذا أبدا أنه يُحتم على أي نص أدبي أن يخلو من موضوع له قيمة أخلاقية، كما لا يعني أنه لا يجدر به أن يلتمس له سُبل التأثير في وجدان المتلقي، وفي نفوس البشر عامة، بل تلك الغاية الأساس التي يَسعى إليها الأديب. غير أن الأثرَ كلَّما كان القصدُ إلى احداثه غير مباشر يكون أعمقَ وأهم، وقد يُفضي إلى نتيجة إنْ وُفِّق الكاتب في ذلك. وبهذا فإن مهمة الأدب «هو فهم النفس البشرية وتحليلها، وخلق الجمال وتهذيب النفوس بفضله»1.
والقصة القصيرة من الأجناس الأدبية التي لها قدرة احتواء الرسائل الأخلاقية، وتطهير النفس البشرية دون الانسياق في مسار التوجيه الذي لا مَحالة يُحيل النص إلى شكل من الخطاب المباشر المغسول من أيّ جمالية فنية والخالي من أي تقنية إبداعية.

وأما بعدُ:
فيمكننا أن ننفتح بعد القراءة على المجموعة القصصية "نبضات من الذاكرة" للقاص هشام فنكَاشي، كي نتأمل في نصوصها الأربعة عشر، التي تنبسط أمام قارئها وتبسط له يدَ المصافحة والمصالحة، قصد القيام بانتفاضة معنوية ضد الانحطاط الأخلاقي وضد برود علاقة الإنسان اتجاه أخيه الإنسان، واتجاه الطبيعةِ والوطن.. تلك الانتفاضة التي من شأنها أن تنتصر للقيَّم الإنسانية في تغريبتها، داخل مدن هذا العصر الجامدة...
في المجامع القصصية يكون أول ما تتلقفه القراءة هو العنوان الذي غالبا ما يقابل القارئ بالدهشة أو يشكل لديه قلق السؤال، أو يشوش على تفكيره، أو يفتح أمامه باب التأويل...
وعنوان هذه المجموعة القصصية قابل للقراءة كما أي نص من نصوصها، إذ هو من العناوين التي تتسم بخرق دلالي، لكونه يتضمن استعارة بلاغية، كآلية ضرورية لبناء المعنى وإنتاجه.
ومن حسنات مخيلة الإنسان أنها قادرة على تخزين الأحداث، والاحتفاظ بها، فالذاكرة الفردية تاريخ الإنسان، تضم وقائعَه، ومحطاتِه، وتجاربَه،.. شأنها شأن الذاكرة الجماعية المشتركة أيضا، ولكل منهما سواء فردية أو جماعية لحظات تبرق في سمائها صور الماضي وتُساهم في عملية الاسترجاع، هذه العملية التي نستطيع أن نسميها -مجازا- النبض. والنبض يخص كل ما يتصف بالحركة التفاعلية. وكما قال ابن منظور في لسان العرب: (نَبَضَ العِرْقُ يَنْبِضُ نَبْضاً ونَبَاضاً: تحرّك وضرَب.. والنَّبْضُ الحركةُ. وما به نَبَضٌ، أَي حرَكةٌ). ونقول (نبضات القلب) لأنَّ حركته حيوية تتفاعل مع حركة الانفعال الحسي لدى الإنسان (خوف/فرح...)، وتتفاعل مع حركة جسده، ومجهوه البدني. فنبضات القلب مصدر حياة واستمرار، لو سكن القلب لمات الإنسان، ولتوقفت حركة باقي أعضائه، وانتهت صلاحيته في الحياة. النبض باعث الحياة وفاعلها. ومادامت الذاكرة التي هي خزينة أحداثِ وصورِ الماضي وأفكاره... تبعث بنبضات فهي ذاكرة حيَّة، قادرة قدرة فعلية على اشعار الكائن بوجوده وبانتمائه، وتُحسِّسُه بكون الماضي لا ينفصل عن حياته أو حياة مجتمعه وأحداثه وقيّمِه المتشبث بها، فكل نبض من الذاكرة الفردية أو الجماعية هو تذكير وإشعار وإحياء ومقاومة لسلطة النسيان، وصد للغفلة المتربصة بعقل الإنسان ووجدانه. ولا بأس أن نقول أيضا، أنه استشراف للمستقبل، لأن الضياع والتوهان لا يَبعدان كثيرا عن كيان الإنسان إذا غابت ذاكرته أو غيَّبها وتخلى عن ماضيه بكل حمولته الثقافية وأصالته الفكرية وقيمه المطلقة، وارتمى في أحضان ثقافات الاستهلاك والانسلاخ والتنكر للماضي برمته.
فهي نبضات من (...) / ومادام أن هناك (من) فافتراضا هناك (إلى)...
بمعنى أنها كالرسائل.
فأن تنبض الذاكرة نبضات، أشبه بأن تبث وتعيد إنتاج الصور في الوجدان وتغلِّفها بالحنين إلى القيم الإنسانية والأخلاق والطهر كما في قصة "سبحة جدي"، وهو  في حد ذاته انتصار لكل هذه المفاهيم المجملة دون التفصيل، لأن القيم الحقيقية تُدَرك بالفطرة قبل أن تدرك بالتوجيه.
وثم بعد، كي نسعى إلى فهم المعزى أكثر، ننتقل إلى قصة "انهزام بطعم الانتصار" التي تقابلنا بدورها بنموذج لحياة الفطرة، كأنها لوحة فنية، رسمت من قرون، فنقرأ: «دخلته (يقصد السارد الوجدان) فوجدت الجدة تغزل صوفها... وتحت شجرة عجوز هناك شيخ يصلي بخشوع... وفوق الشجرة بلبل يرثي حاله، وعند عتبته تجلس العذارى، ينسجن من الهواء لفافا لقلوبهن...».
لا تعجزنا محاولة الاقتراب من هذه اللوحة الفنية، لننفتح على خلفيتها المركبة، فننظر إلى رمزية الصوف، إذ له علاقة قوية في التراث العربي والإسلامي بالزهد والتصوف، ثم لقابلتنا صورة الشيخ الذي يصلي تحت الشجرة العجوز، وصلاته بخشوع تدل دلالة قوية أن النفس تطهَرت، وبعد تخلية وتحلية - كما يُصطلح عليه في اللغة الصوفية - تفرغت للعبادة، طالبة المقام الأعلى، وما يغيِّرُ صفاءَها دَرَنُ الأغيار. كما نلمح آثار الحب الوارفةِ ظلالُه من خلال الصورة الثالثة/العذارى اللواتي ينسجن الهواء لفافا لقلوبهن...
مقام الرضا ومقام المحبة في الصورة مشعان من مجتمع كان قانعا، ومتصالحا مع نفسه لم تتجمد عواطفه متأثرة ببريق المادة وسلطتها.
إن هذه الصور المختبئة في وجدان سارد القصة ذات نبضات حية، جاءت من الذاكرة لتندمج في هذا الحاضر «وسط غابات الإنسان الإسمنتية»2.
ومن هذا المنطلق فإن في كل نص من نصوص المجموعة تستقبل القارئَ دعوةٌ غير مباشرة أو رسالة مضمرة تشير إلى أهمية العودة إلى أصالة الإنسان وقيمه النبيلة سواء عبر السرد باعتماد المتاسرد، أو عبر حديث الشخصيات المتنوعة، أو عن طريق تشكيل الصورة الايحائية التي غالبا ما تُعير للجماد حركة وإحساسا وشعورا حيا، ونجد هذا متمركزا أكثر في قصة "رحم تحتضر"، ونقرأ:
- «الباب لم يعد يذكر المفتاح.. فأبى أن يفتح »، استعارَ الكاتبُ للباب ذاكرة وإرادة.
- «وجد صورة والدته المعلقة التي أبت أن تتوارى وراء الغبار، كتواري صاحبته تحت التراب»، وأسنِدَت الإرادة للصورة، وهي بمنطق الرائي شيء جامد.
- كما أسنِد إليها فعل البكاء: « بكت الصورة قبل أن تبكي عيناه»،
- وأسندت إليها القيمة الأخلاقية المتمثلة في الوفاء: « وجد صورة والده ملقاة فوق سرير والدته الطاهر، وكأنها تبادله الوفاء..».
- وأسنِدَت للجدار قدرة النطق والحكي، وإحساس العطف والحنان: «فيمسح الجدار دموعه ويحضنه بحنان وحرارة».
- وفي قصة "سبحة جدي" أسنِدَ إليه فعل الصراخ: « صرَخ جدارُ غرفته» ص12.
فهل يا ترى للجماد إرادة؟ هل له شعور وإحساس؟ وهل هذا يعتبر حقيقة أم مجازا لغويا؟ أم كذبة متفق عليها بين الكاتب والقارئ، كما يقول بذلك تشيخوف الذي يعتبر القصة «كذبة متفق عليها ضمنيا بين الكاتب والقارئ».
والفن في الحقيقة لا يقبل الكذب !
حين نقرأ قصة الخضر مع موسى في سورة الكهف، تقابلنا الاية 77، (فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا). الجدار في القصة القرآنية يريد أن يسقط وأن يقع. فهل هذه الإرادة كانت حقيقية أم مجازية؟
طبعا لا يسعنا المجال كي ندخل في الخلاف الذي قام حول هذه المسألة،  بين من اعتبر الإرادة في الآية حقيقية ومن اعتبرها مجازية واستعارية، فالرأي الأول ينزه القرآن عن قول غير الحقيقة، والثاني يعتمد على تقنيات اللغة العربية وما تمنحه من أساليب بلاغية. لكننا هنا سنأخذ قول القرطبي في تفسيره، حيث قال: (وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحي الناطق متى أسندت إلى جماد أو بهيمة فإنما هي استعارة ، أي لو كان مكانهما إنسان لكان متمثلا لذلك الفعل)، وسنقتصر على هذا الرأي الذي يقول بالمجاز وهو رأي الجمهور أيضا، وكما يوحي به المعنى اللغوي للعبارة، وخاصة أن العرب تسند للجمادات الإرادة والحركة والفعل، كمثل قول الشاعر:
يريد الرمح صدر أبي براء  *  ويرغب عن دماء بني عقيل
وقوله تعالى في سورة يونس، في سياق الإخبار عن نهاية فرعون: (حتى إذا أدركَهُ الغرقُ) (الآية 90).
والاستعارة في رأي امبرتو إيكو دائما هي المهيمن على الصور البيانية، حيث قال: « إن الحديث عن الاستعارة يعني الحديث عن النشاط البلاغي بكل ما فيه من تعقيد».
لكن جدار القرية التي حل بها الخضر وموسى كانت تميلُ إرادتُه إلى السقوط فحسب، أما جدار قصة "رحم تحتضر" فهو يشعر ويحس ويحتضن بحرارة، أي أنه حي لا بالإرادة وحدها بل بدفء الإحساس المُشع منه، والذي اكتسبه من زمن مضى، حتى أنه اعتُمِدَ من شخصيات القصة مثله مثل صورة والدة ووالد شخصية السارد، « فالمجاز هنا تعويض نفسي عن المفتقد في الواقع، هو احتفاء بالرمقة الأولى الطويلة، التي تتأمل فتدرك الشبه الجميل القائم احتفاء بالأصل المحفور في الذاكرة»3. من هنا نخلص إلى السؤال التالي: أتكون هذه الأشياء الجامدة (الجدار/ الصورة/ الباب )والمكان على اعتباره الحاضن للحدث) أوفى وأحنّ من الإنسان نفسه، أتكون ذوات مشاعر وأحاسيس؟
ربما...
الكاتب يطوِّع البنية الدلالية للغة بغية تشكيل ايحاء يبلِّغ رسالته. «فالانزياحات والتوظيفات الاستعارية، كلها تهدف إلى إقناع المتلقي بمضامين نصوصه القصصية... ومعانيها التي تحملها... والإقناع وتقبل الصناعة اللغوية التي مارسها في هذه النصوص لخلق نوع من الجمالية، والإغراء الأسلوبي لشد هذا المتلقي ودفعه على متابعة القراءة...»4.
هذا ما تعالجه قصة "رحم تحتضر" أو ما يقودُنا إليه معناها. ولعل الكاتب وفق بشيء من الخيال حين أعار الحياة للجمادات كإشارة إلى التقصير في قيمة الوفاء للمكان وللزمن (كمعنى معنوي): «كل جدار يقف شاهدا على أناس كانوا يوما هنا، قبل أن يتيهوا وسط الزحام»، وإشارة إلى التقصير في صلة الرحم والتهاون في ربط القطائع، وأداء واجب التزاور بين الأهل والإخوة، وهذا حتى لا تحتضر الأرحام أو تموت العلائق بإبعاد قيمة أخلاقية تتجلى في التراحم بين الأبناء والآباء والأقارب، مثل ما جاء في قصة "غار العجزة" التي ركزت بدورها على صلة الرحم والبر..، من خلال إبراز حزن المسنين العميق من جراء سوء التصرف من أبنائهم، وكأن هذه القصة تلحق العار بمن تخلى ويتخلى عن والديه بعدما تعبا في تربيته، ولما اشتد عوده، أودع واحدا منهما أو كلاهما في دار المسنين التي وصفها الكاتب بغار العجزة كناية عن أنه مكان تنقطع فيه عنهم أواصر البر والإحسان الواجبة على الأبناء.
في قصة "سبحة جدي" تنبض من ذاكرة السارد صورة الجد -الوقور- بسبحته التي تمثل –في القصة- رمز الطهر والصفاء الروحي، والوشيجة التي تمسك بحبات القيم الدينية الخالصة والفضائل. ضاعت السبحة من الحفيد (شخصية النص الساردة)، بعد وفاة جده وبعد بلوغه سن الرجال، فافتقدها وانبرى في البحث عنها إلى أن أوقفته رؤية جده في المنام ليعرّفه أن السبحة رحلت لأن الأشياء الطاهرة لا تقبل مخالطة ومجانسة الرذائل وأنها لم تضع، فأيقظه من غفلته وغفوته فاهتدى إلى أن يبدأ البحث عن سبحة القيم والفضيلة مزيلا ركام الغفلة، منطلقا من نفسه أولا فاهمًا المغزى والمقصد. وبتعبير جبران خليل جبران: « الفردوس قائم هناك، وراء ذلك الباب، في الغرفة المجاورة، ولكني أضعت مفتاح الباب. ولعلِّي لم أضعه بل وضعته في غير موضعه»5 وبهذا فإن حكمة الجد كانت دليله في البحث.

ولا تبتعد كثيرا قصة "للشهوة سلطان" عن نفس المحور الأخلاقي فهي تنتصر للفضيلة بالنظر في المآلات، لأن كل فعل سلبي لا أخلاقي يُنتج مآلا سلبيا يؤثر على الفرد والمجتمع.
واستطاع الكاتب أن يرسم ملامح قصة "الشرير" التي يغلب على بنائها الغرابة والخيال وخرق المألوف. أما زمنها فغير محدد إلا أنها تعود أحداثها إلى زمن قديم بحسب القصة، ومفتتحة بالعبارة التقليدية "كان يا مكان" على عادة السرد والحكي القديم. أما المكان، فقرية تحت سفح جبل ما. تلك القرية التي عانى سكانها من فساد وبطش الشرير الذي ينغص حياتهم بكل أنواع الشرور(كذب ونفاق وخيانة..)، فاتفقوا كلهم أن ينالوا منه بمساعدة قوى خارقة (الجنية) التي تسكن الجبل، ليستأصلوه من قريتهم، فلما تمكنت منه الجنية مُسخ كل سكان القرية وصاروا على هيئة حيوانات متنافرة تفرقت في الغابات وتاهت، فارتاحت القرية في عيش آمن تسكنها العصافير وتزورها الفراشات...
إن محور الفكرة الأساس على بساطتها تفضي بنا إلى فهم وهو أن الإنسان حقيقة مبعث الشر، وهذا كلما استسلم للأخلاق الرديئة، واستوطن في قلبه النفاق والمكر والخيانة... والمجتمع -بديهيا- لا يحتاج قوى خارقة كي يُستأصل منه الشر، بل يحتاج إصلاحا فعليا بدءا بإصلاح النفس وتزكيتها أولا، «والتغيير باب يفتح من الداخل والإرادة مفتاحه»(ص 65)، كما أنه لا يحتاج بركات الوالي الصالح كي يكون مجتمعا صالحا، أو ببركته الخارقة تُقضى كل حوائج أناسه حتى لو تعلق الأمر بالقضايا والمشاكل الاجتماعية كتعسر الزواج والعقم وغيرها..، كما في قصة "أنوثة مع وقف التفيذ" وقصة "سيدي عبد العاطي"، وأيضا في قصة "العرافة". إن هذه القصص الثلاث تُضمر انتقادا لسلوكيات –بعض- أفراد المجتمع الذين يرتبطون عاطفيا بالأضرحة أو مخابئ العرافات معتقدين في هذه الأشياء – في حالة من الضعف والانكسار- أنها وسائل تحقق آمالهم وأحلامهم أو تحل مشاكلهم العالقة، فقط بالنية، نقرأ: «قبل أن تطأ قدماك ساحة الضريح عليك بطلب التسليم من أصحاب المكان، واستحضار "النية" فبالنية تكون كل أغراضك مقضية. بالنية تتسلق الجبال... وتكسر الأغلال... وتحقق كل الآمال...(...) بالنية... تنعم بأحلى نومة في حضن الحية»6.
وفي العرف الشعبي المغربي ينتشر هذا المفهوم الشائع الذي يركز على أن الشخص الذي له مطلب وغاية ترجى من العراف أو الضريح ما عليه إلا أن يسلم له أمره تسليما مطلقا، ويُخلص النية، بمعنى أن لا يرتاب ولا يأخذه أدنى شك. هكذا بتعطيل العقل وتجميد التفكير، فاعتقاد كهذا خالص لا مجال فيه للمنطق ولا للتفسير، إلا إن كان تفسيرا له بنية خرافية، أو ميتافيزيقية، تستمد قوتها من الأساطير والمحكيات الشعبية أو الرؤى التي يدعيها زورا المغرضون، لتكوِّن سلسلة من الأفكار المشوشة غالبا ما تتحايل لتستمد الشرعية الدينية، لكون الرؤيا لها بعد قوي في التراث والفكر الإسلامي.
إن هذه المعتقدات السائدة يغذي قوتها وتجذرها في المجتمع - أولا الضعف الإنساني أمام الابتلاءات - وثانيا يساهم في استمرارها الجهل والتخلف والاستسلام لوهم الخرافات..، واعتناق هذه المفاهيم المغلوطة اعتناقا عاطفيا دون التفكير في البحث عن السبل الناجحة والمادية لحل المشاكل والعقد، حلا مبنيا على المنطق والعقل والوسائل العلمية الحديثة. وحين تنعدم الرغبة في ترك هذه السلوكيات يستغل الدّجالون فرصهم لبث أوهامهم، بل من اعتقاد الآخرين بهم يكتسبون القوة، ومثل هذا المعنى هو ما جرى في حوار خاص بين شخصية قصة "العرافة" والعرافة التي قالت له: «أن الخروف دائما يتبع القطيع منصاعا لأوامر سيده، هل سمعت يوما بخروف له عرينه الخاص؟».
* * * * * * *
لم يعالج الكاتب بين النصوص قضايا الأخلاق بين الإنسان وأخيه الإنسان فحسب، بل تجاوز الأمر إلى واجب الأخلاق نحو الطبيعة، فالأخلاق لا تتجزأ والمبادئ والقيم موحدة، وكأنه مع الشاعر "بول كلوديل" الذي يقول: «إني أعرف هذه الطبيعة وتعرفني، ولم يبق لديّ فيها شيء خفي، فهي تخفق في كل نبضة من نبضات قلبي».
ولما جعل القاص في نص "وتستمر الإبادة" شخصيات على شكل شجرة وحفيدتها والحيوانات.. فكأنه يؤسس للمعنى الذي أشار إليه بودلير«إن الأشياء تفكر من خلالي كما أفكر من خلالها». وقد قاد الفهم من خلال حوار الشجرة وحفيدتها نحو أن المسؤول الأول عن الدمار الذي يصيب الطبيعة هو الإنسان، وأن الأشجار محكوم عليها بالإبادة أمام زحفه نحو المساحات الخضراء وتكاثره ونموه الديموغرافي المهول. إن منطق الأشجار والطبيعة منطق يقبله الإنسان إن جعل نفسه مكانها، وفكر من خلالها، لكنه يبقى كلاما ضعيفا بالنسبة له إن قيس بمنطقه الإنساني، لأن الطبيعة مسخرة له، بيد أن القيم والمبادئ تقول أن الأخذ يكون بقدر الحاجة والنفع، والمحافظة على الطبيعة واجب أخلاقي، توجبه الفطرة قبل أن توجبه القيم الدينية والقوانين الوضعية، وهذا ما ختم به القاص قصته على لسان المدرس، يقول لتلاميذته: «هيا بنا يا أطفال لقد وجدنا وسيلة بيداغوجية، لدرسنا المقبل المحافظة على البيئة»، مؤكدا بشكل غير مباشر أن التربية هي الحل.
ثم اختتم القاص هشام فنكَاشي مجموعته بنص "انتحار قصة" متناولا مأساة القصة بشكل درامي وعلاقتها الأدبية بالقارئ المفترض، تلك العلاقة التي تنمو بالمطالعة وتمد روح الحياة لفن القصة التي أضحت أسيرة الكتب والمكتبات الخشبية كأنها في ثوابت الموت.
* * * * * *
وإضافة إلى ما سلف، فلغة المجموعة رصينة، مكثفة، مشبعة بالأسلوب الشعري، تمتاح قوتها من الدلالة والرمزية، تبتعد عن الخطاب المباشر، تتجمل للقارئ وتترك له فسحة التخيُّل ومساحة التأويل، حتى يكون قارئا مشتركا في بنية النص، فلا قيمة للنص من دون الطرفين معا، الكاتب والقارئ.

وفي النهاية لا أدعي كقارئٍ عادي أني بلغت مبلغ التوفيق في هذه القراءة -وإن كنت أظن- ولا أني أحطت بكل جوانبها، بل هناك زوايا أخرى تختزن الكثير للقارئ، والقصة لن تموت ولن تنتحر مادام قارئها يقض  الإحساس يدرك ما يرقد تحت الكتابة واللفظ.


نبضات من الذاكرة مجموعة قصصية لكاتبها هشام فنكَاشي، تقع في 67 صفحة من الحجم المتوسط، صدرت طبعتها الثانية في 2015، من تقديم الشاعرة زينب الطهيري، وتصميم الغلاف مروان نافع.   

الهوامش:

1 - د.محمد مندور – في الأدب والنقد. ص: 35
2- رحم تحتضر.ص:8
3 - عبد الرزاق المصباحي / النقد الثقافي من النسق الثقافي  إلى الرؤيا الثقافية. مؤسسة الرحاب الحديثة. بيروت. ص: 120
4 - محمد داني / جمالية القصة القصيرة جدا دراسة نقدية. مطبعة البوغاز مكناس. ص: 38
5- خليل جبران/رمل وزبد المكتبة الأدبية بيروت. ص: 12
6- قصة: سيدي عبد العاطي. ص: 26/27

0 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة