التدوين النسائي بالمغرب من الإلكتروني إلى الورقي أنطولوجيا نسائية نموذجا

نشر بجريدة المنعطف في ملحقها الثقافي العدد 5131 - الخميس 8 أكتوبر 2015

    لا يمكننا الحديثُ عن التدوين النسائي بالمغرب قبل أن نتحدث أولا عن التدوين الإلكتروني كفعل مشترك يقترفه المدوِّنُ والمُدوِّنةُ معا، باعتباره ممارسة كتابية كانت في السابق غريبة نسبيا في الأوساط العامة، معروفة فقط في أوساط مُحددة إذ في الغالب العام - وقتها- كان مصطلح التدوين أو مُدوِّن، يشكل أمام عيون الناس سحابة استغراب، خاصة من لم يكن لهم دراية كافية بماهية الكتابة الإلكترونية. لهذا كنا نجد من تأخذه الدهشة حين تُطرح أمامه صفة (مُدون)، أو كلمة مُدوَّنة إلكترونية. وهذا طبعا - في اعتقادي- كان راجعا إلى هامشية الفعل على اعتباره ممارسة شخصية لم تتسع لتتطور وترتقي إلى قائمة الاهتمامات الأساسية لكل حاملٍ للقلم، أو ربما لكون التدوين حينها كان مجرد خربشات على جانب حياة كل شخص، يسوق أفكارا لعلها لم تبرح حيز الافتراضي، فحتى القارئ الإلكتروني لم يكن بدوره إلا مُدوِّنا، لهذا ظل هذا المجال مُنغلقا بشكل غريب... ونضيف إلى هذا أيضا أن غالبية المغاربة في فترات سابقة كانت علاقتهم بالانترنت علاقة اكتشاف مهد الطريق أمامهم مباشرة إلى ما يسمى (الشاث) أو الدردشة، ثم إلى المنتديات..، وظل الأمر يتطور ويتجدد بجهود مبذولة من جهة المُدونين (وأخص بالذكر الذين يكتبون بالعربية) كي يفرضوا أنفسهم داخل هذا العالم الافتراضي الواسع، ويساهموا في إغناء المحتوى العربي على الانترنت. إلى أن تصالح التدوين -قليلا- مع الوسيلة الاعلامية وخاصة في فترات ما أصطلح عليه بالثورات العربية، أو قبلها بزمن ليس طويلا، حين استشعر العالم العربي (بالأخص)، أن للمدوِّن دوره في هذه الدائرة الإعلامية والثقافية أيضا، ولم تعد تلك النظرة التقليدية الجافة مقبولة أن كل نشاط إلكتروني ليس إلا تسليةً أو تمضية للوقت. وبهذا استطاع التدوين المغربي بعد ذلك أن يكون له جسدٌ قائم بذاته، ربما لم يكن متماسكا بالقدر الذي كنا نعتقد، لكنه على الأقل حقق أمورا لم تكن متوقعة في بداية تقوقع كل مُدون داخل دائرته الافتراضية، قبل أن يَحملهُم قلق التدوين إلى الحديث عن ماهيته، وأشكاله، وخصوصياته على أرضية الواقع مما حفزهم ذلك على تنظيم لقاءات، وندوات، وورشات.. وطبعا هنا يعود الفضل إلى كل المدونين القدماء الذين ناضلوا من أجل ترسيخ مفهوم التدوين الالكتروني، وتطويره سواء تقنيا، أو حتى فكريا.. كما كان حرصهم دائما على أن يبقى التدوين الالكتروني حرا، بما أنه مساحة شخصية للتعبير عن آراء وأفكار ورؤى الإنسان بعيدا عن التقييد أو ممارسة سلطة الوصاية على الآراء والأفكار، أو تحديد مساحة الكلام وعدد الحروف المسموح بها. ومن الأكيد أنه ليس ثمة وسيلة تتجرد من القيود والوصاية مثله، بهذا فهو منبر من لا منبر له.
    ثم بعد ذلك بدأت في الأوساط التدوينية تطفو فكرة جديدة استطاعت أن تقلب المعادلة التي كان غالبية المدونين يعتقدون بها، أو على الأقل في تقديري لم يكونوا يفكرون في أن التدوين سينتقل من طور إلى آخر. فالكتابة كانت تتم من الواقع إلى الرقمي باحثة عن فسحة أكبر، خاصة وأن مستعملي (النت) كانوا في تزايد دائم، لكن فكرة جمع التدوينات في كتاب ورقي غيَّرت اتجاه المؤشِّر، فصارت الكتابة بعد الرقمي تنتقل إلى الورقي في تدرُّج تام. هذه الفكرة استهوت شريحة من المدونين خاصة من كانت لهم تدوِينات أو مقالات أدبية تستحق أن تزيِّن بياض الأوراق. وفي هذه المرحلة كان العمل يأخذ شكلا فرديا، وفعل النشر التدويني نادر. إلى أن بدأت تظهر مبادرات جماعية على الصعيد العربي فتحت باب المشاركة في الكتب الجماعية بالمجان، وقد ساهمت في المزيد من ترسيخ فكرة النشر الورقي لدى المدوِّنات والمدونين العرب، بل زادتهم تشجيعا، ولقيت المبادراتُ إقبالا كبيرا، وبهذه الطريقة دخل المدونون والمدوٍّناتُ الذين لم يُحالفهم حظ النشر غمار التجربة الورقية أو النشر الورقي، فكانت الكتب تضم مئة مدوِّن ومُدوِّنة تجمعهم لغة مشتركة وهي العربية.
    رغم أن هذه الخطوة سبقنا إليها نشطاء التدوين المصري، وقطعوا بها أشواطا كبيرة لسهولة الطبع والنشر والتوزيع. فإنني أزعم أن الفكرة لم تر الوجود الفعلي في المغرب إلا بعد استقرارها في مصر، ونجاحها أيضا، وأخص بالذكر هنا فكرة النشر الفردي.
وبين هذه الرحلة الطويلة كانت كل المبادرات متنوعة تضم الجنسين معا، بل حتى التدوين كان مجالا متنوعا ما بين الجنسين لم يستقل أحد عن الآخر، حتى ظهرت مبادرة خاصة وأزعم هنا أيضا، أنها مبادرة أولى من نوعها في التجربة التدوينية العربية، وهي أنطولوجيا نسائية، التي استطاعت أن تستقل بخصوصيتها عن الجسد التدويني المغربي، كي يخرج إلى الوجود الثقافي كتاب تميز بالانفراد لكونه يحمل بين دفتيه تدويناتٍ ونصوصٍ أدبية لمجموعة من النساء المغربيات داخل المغرب وخارجه تختلف ميولاتهن، متنوع في مضامينه يحمل أملا بين أوراقه، لأن هذه التجربة أكدت لنا بما لا يدع للشك مكانا، أن التدوين النسائي شهد تطورا ملحوظا، وأنه قادرٌ على الاستقلالية بما استفاده من التجارب السابقة. كما أن هذا العمل وإن كان متأخرا شيئا ما فإنه جاء في وقته المناسب بعدما رأينا فتورا في الفعل التدويني، وكسلا غريبا قد نُرجعُ أسبابه إلى احتمالات كثيرة منها: 

احتمال عام: 

المتغيرات السياسية في العالم العربي والمغربي بالخصوص، والتحولات التي شاهدناها في السنوات الأخيرة، جعلت غالبية المدونين وبالأخص الذين يعلِّقونَ على الأحداث ويطرحون آراءهم تصيبهم خيبةُ أمل، ولَّدت فتورًا في النفوس، لم تعالجه مستجدات أخرى، ولم يستفق الكثيرون من صفعات الصدمات المتوالية.

احتمال إيجاد بديل: 

انتقال غالبية المدونين إلى الشبكات الاجتماعية "وأهمها الفيسبوك" الذي منحهم بالأخص مساحة أوسع وأسرع للنشر والتفاعل والنقاش، بحيث أن هذا الانتقال راجع إلى أن الشبكة الاجتماعية يكسب فيها المدوِّن قراء آخرين من غير المدونين ولا المهتمين به، فهو خروج من مجال ضيق إلى مجال أوسع، وأكثر شعبية. فحدث الانتقال بشكل تدريجي حتى هجر أغلبهم مدوناتهم.
وجود مواقع أخرى انخرط فيها المدونون المدوّنات أتاحت لهم فرصة النشر أيضا وإن كانت بشكل مقيد نسبيا بالمقارنة مع المدوَّنة الشخصية، وهذا ما سمي بالصحافة الالكترونية.

احتمال خاص: 

انغماس أغلب المدونون والمدوِّنات في مشاغل الحياة ودوامتها التي لم تعد تترك لهم فرصا للتدوين، اللهم بعض التغريدات السريعة على التويتر أو الفيسبوك.

    لهذا فإن هذا الكتاب المتمثل في أنطولوجيا نسائية الذي صدر في بداية هذه السنة جاء في وقته المناسب، ولعله يعيد للجسد التدويني نشاطه السابق منذ سنوات ظهوره، أو لعله نبوءة جديدة لفعل تدويني نسائي قد يحقق ما لم يحققه المدونون المغاربة في فترة سابقة حين كانت هناك فكرة انشاء كتاب جماعي تشغل الجميع وتسطو على السطح وتُطرح للنقاش. وقد حاز الكتاب على ثناء الجميع وتم الاحتفاء به بتنظيم حفل توقع له في نشاط ثقافي نظمته مندوبية الثقافة بمدينة آسفي بشراكة مع رابطة كاتبات المغرب في إطار فعاليات الأيام الثقافية وذلك 13 -14- 15 مارس المنصرم. وقدم د. عبد الله اكرامن قراءة شمولية للكتاب والمدوِّنات التسع في ندوة عن التدوين النسائي بالمغرب. كما احتفت الرابطة الفرنسية باسفي بدورها بهذا الكتاب في أمسية قدمتها ونشطتها الأستاذة زهرة رشاد.

    لكننا اليوم نقف لنتساءل بعد كل هذه المراحل والسنوات والتجارب: هل يمكن للنشر الورقي أن يؤثر على التدوين الالكتروني وعلى رأسه التدوين النسائي، هل هذا الزحف أو الانفلات من الرقمي إلى الورقي في صالح التدوين الإلكتروني؟ هل هي هجرة أم عودة من الافتراضي إلى الواقعي؟ 
سابقا حين كان التدوين ملاذَ أغلبِ الذين يطرحون أرآهم وأفكارهم عبر الانترنت ومنتدياته، أحسَّ العديدُ من الكتاب والكاتبات والصِحَفيون بأهميته، لمصلحة الثقافة والإعلام، فكنا ومازلنا نجد لهم مدوَّنات تحمل أسماءهم أو أسماء مستعارة، على اعتبار التدوين أداة تواصل أفضل وطريقة أقرب للقارئ والمتلقي. حتى بثنا وقتئذ نتساءل هل يمكن للكتاب أن ينقرض بعد سنوات معدودة، أو هل يمكن أن يستغني الكاتب عن الطبع الورقي، لمَّا أصيب الجميع بدهشة الإعجاب بهذه الوسائل الإعلامية الجديدة المتاحة، بيدَ أننا صرنا اليوم نعتقد العكس حين رأينا هذه العودة الجديدة إلى أحضان النشر الورقي الذي صار همَّ الكثيرين والكثيرات، مما يؤكد لنا أنه لا استغناء عن الكتاب لأنه هو الأصل، والعودة إليه حتمية، كما أن التجربة التدوينية هي في نظري محطة أساسية للتواصل مع العالم، واكتساب التجارب، والاطلاع من خلاله على الهموم الحقيقية للإنسان العربي دون رتوش، ومعرفة أفكاره ومعاناته في مواجهة الحياة العامة، بعيدا عن مقص الرقيب، أو سلطة الناقد.. أعتقد أن التدوين حقق ما لم يُحققه الإعلام العربي الرسمي، بل صارت وسائل الاعلام العربية تعتمد في فترة على المدونات العربية في الخبر، والصورة، والآراء.

    بهذا فلا يمكن القول أن التدوين قد يموت أو يفنى بسبب النشر الورقي أو بسبب هذا التحول الجديد، بل يمكن القول أن التدوين قد يأخذ اتجاها جديدا، مختلفا بعد هذا الركود، وهو ما جاءت به الشبكات الاجتماعية الحيوية. وهذا -كما نرى- في خدمة هذا، الرقمي في خدمة الورقي. ثم إنه كما ظهرت وسيلة التدوين الالكتروني وتطورت إلى مساحة للتعبير فقد تظهر أيضا وسائلُ أخرى مستقبلا، حتى لو افترضنا أن التدوين انتهى عمره وتجاوزته المرحلة، أو تلاشى مع الأعوام القادمة، فالإنسان طلبا لغايته يبحث عن الوسيلة، ولن يعدمها مادام الانترنت موجودا، ورغبة الاكتشاف والابتكار سائرة.

     وبعيدا عن التفكير في الإشكالية برمَّتها، فمن الجميل أن نرى التدوينات صارت بين دفتي كتب ورقية تزاحم كتب مؤلفات العديد من الأدباء والمفكرين، ويساهم المدوِّن والمدوّنة في فعل الثقافة الورقية وتنوعها في زمن لم يعد حضن الكتابة قاصرا على كُتَّاب معروفين، هم من يستأثرون بالمشهد الثقافي والكتابة، فنحن في عصرِ ترويض الحروف والأقلام، وفي عصر يجب أن يتيح للأغلبية أن يكتبوا ويدوِّنوا، أو بتعبير أستاذنا الحبيب الدائم ربي: "لقد انفرط عقد "المؤسسة الحاضنة " لمعبد الكتابة في فوضى خلاقة اختلطت فيها الحوابل بالنوابل، هو ذا الانفجار الأعظم الذي سيطوح بأوهام الكتاب ويعولم الكتابة" انتهي كلام أستاذنا.
وأقول بدوري: فالزمن وحده كفيل بأن يغربل، فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

0 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة