أَڭْـــنـاوْ

الرجلُ كان عملاقا قوي البنية، حاد النظر، مكتنز الأرداف ناصع الوجه...
ونحن كنا صغارًا في عمر البرعم، نخافه ونستلذ متعة الخوف النادرة بمشاكساته.
كانت تثير ضحكنا بقعة جلدية منتفخة على جانب جبينه العريض المتفصد عرقا على الدوام. نسخرُ منه، فيطاردنا وسط فضاء القرية ملوحا بذراعه القوية كمن يلاحق سرب طيور هارب. يركض خلفنا كثور هائج، ماسكا بطرف جلبابه كي لا يُعثره. يهتز جسده كله وركبه كأنها ترج الأرض رجا، أو هكذا كنا نحسب ونحن صغار. وبلغته البالية تدعسُ التراب وتقذف الحجر الذي يتعرض سبيلها، تزجه بعيدًا. كان جلدها الذي صُنعت منه أصفرا فاقع اللون قبل أن يُحوّلها القِدَمُ إلى نعل مرقع لا لون له. يُخيّل إلينا أنه اشتراها من سوق الأسبوع منذ زمن غابر قد يكون قبل ولادتنا بسنين. لكنه كان يجيد العدو بتلك البلغة الأثرية، فنفر كنمل انتبه إلى ناقوس الخطر فاستجاب له مكرهًا.
كفه تتوعدنا... صوته الجهوري يَصدر من بين شدقين واسعين. يتطاير اللعاب من فمه مع كلامه الغريب كطلاسم منطوقة تُحدث في نفوسنا رعدة يتولى خيالُنا الصغير ترجمتها إلى أن من يطاردنا ليس كالبشر، إنه مخلوق آخر... فإن أمسك بأحدنا سيبتلعه دون شفقة.
كان بإمكانه أن يمسك بنا، لكنه لم يفعل. إنه لا يريد.

قالت الجدّات وهن يلوكن الكلام بأفواه لم يبق فيها أثر لسِنٍّ: إن "أَڭْـــنـاوْ" -كما صار يطلق عليه الجميع- في سابق عهده كان إنسانا عاديا لا يختلفُ عن الناس في شيء، يُحدِّثُ الناس ويحدثونه. كان شابا قويا عملاقا، صاحب عضلات مفتولة كما ترونه الآن. حلق شعره الطويل كله ذات نهار ماعدا ضفيرة في قفاه، أرسلها خلفه في تباه، كي تميزه عن باقي الشباب. فانطلق راكبا بغلته التي حثَّها على الركض فأطلقت قوائمَها للريح تريد أن تسبق القدر إلى حيث يمَّم.. على ظهرها كان هو كفارس همام، يلاعبُ الريحُ ضفيرتَه المصقولة، فأصابته نظرة شاردة من عجوز كسهم مسموم، تمتمت كعادة كل العجائز... لم تكد ترد طرفها حتى تعثرت بغلة أَڭْـــنـاوْ طرحته أرضًا. من يومها صار اسمه أَڭْـــنـاوْ... الرجل الأبكم.. يُهمهم ولا أحد يفهم ما يقول، لا أحد يفهم صياحه إلا إن أسند إليه الإشارة بيديه.
قالت لنا النساء: لا تسخروا منه، إنه من يفعل ذلك يصبه ما أصابه.
ما كان يعنينا الأمر في شيء. شُغلنا الشاغل هو كيف تحوَّل إلى شخص يطاردنا حين نلعب تحت أغصان الشجرة العجوز التي تتوسط القرية. هذه القرية التي شهدت سقوطه الأليم كما تقول العجائز حين يحذرننا بمزاج العارفات. إنه يلاحقنا في كل الأماكن.. يبحث عنا كي يتوعدنا، فتنمو سخريتنا أكثر.
كلما زاد نفورنا منه زاد قربه منا.
يقف على مكان مرتفع جاعلا بيننا مسافة فاصلة فيحرك رأسه الكبير الأصلع. لم نر قط في قفاه ضفيرة، ربما كانت من أثر الشباب وتخلى عنها كما تخلت عنه قدرة النطق يوم وقع من دابته. تثيرنا طلاسمه حين يصرخ ببربرة لا يفهمها إلا هو. يستفزنا، فنشير إلى جبهته المتورمة.. يثور، ثم نفر بلا هدى.
هكذا.. وتمضي الأيام، ساحبة العمر معها...
تاركة أَڭْـــنـاوْ كوشم في ذاكرتنا.

ودعتُ القرية، وفارقت موطن الطفولة.
فارقت رفاق الصبا..
مضى كل إلى غايته، وابتلعتنا المدن كدوامة وسط بحر الحياة، وكبرنا.
حتى أَڭْـــنـاوْ كبر أيضا وصار شيخا هرما، ورحل من القرية إلى المدينة عند أبنائه ليحظى بالعناية والعلاج. اشتدَّ عليه المرض وفتُرَ جسده، فوجدتني يوما أزوره بعد سنوات وعقود فرت بي هاربة.. تغيرتُ فيها وتغيرت أفكاري و العالم حولي تغير...
الحياة أيضا تبدل طعمها، شكلها، ولونها... وانسابت كماءٍ يجرف معه كل شيء.
لم أحمل معي في جرابي ذاك الخوف الذي كان سببا في نفورنا من أَڭْـــنـاوْ، تركته هناك تحت أغصان الشجرة العجوز في تلك القرية الأطلسية العريقة. تركته يوم غادرتها، هو أيضا ترك كل شيء هناك، مرحه زعيقه، بطشه، حتى قوته وحياته.
نظرت إلى جسده النحيل المسجى. سلب منه المرض صلابته. لم أنس شكل العملاق الذي كان يرعبنا ويطاردنا... كنا نحبه! أكيد كان يحبنا أيضا وإلا لمَ لم يمسك بأحدنا يوما. لم يؤذنا جزاء سخريتنا...
نظرت إلى وجهه الغائر، الذابل. اختفت نضارته، امتصه المرض وتلا الزمان عليه آيات الختام. انحنيت فقبلت جبينه الصلدة، ورمقني بنظرة منطفئة على مشارف الوداع تُنازعُ الظلامَ حقها من النور في هذا الوجود. لا أدري هل عرفني أم أني حينئذ لست سوى بعض ضباب الماضي البعيد. قرأت النهاية في عينيه وسلامًا مطمئنا ووداعا ساريا كشمس تغادر مرافئ المدى إلى مستقرها. وكنت أبحث في وجهه عن شيء من الماضي، شيء يذكرني بأيام، وبي أنا الطفل الذي اشتاق لنفسه، وراح يبحث عن أثره..، فما وجدت غير بقعة الجلد المتورمة. إنها أبت أن تتلاشى. بقيت كما هي على جبهته وفية...
ما عادت تثير ضحكي!.
حينئذ قلت سرًا: إن الحياة أكبر مستفز اليوم واللحظة، إنَّها هي من تضحك علينا، يكفينا أننا نركض خلفها رغم خوفنا منها.. هي ليست كـأَڭْـــنـاوْ الذي كان يركض وراءنا ونهزأ منه، نسخر من شكله.
الحياة سمعتها وأنا أشيع جسده النحيل بنظرات الوداع، هامسة تقول: وبعد قوة ضعفا...
أي ضعف هذا الذي نفض الغبار عن وشم بالذاكرة!..
نزلت دمعتي باردة، فأشعرتني بغصة في حلقي.
قلت: ليتك يا أَڭْـــنـاوْ تقوم من سرير الوداع هذا لتطاردني الآن..
لتردد زعيقك العتيق!
ليتك تفعل...
ليتك
تـ فـ عـ ـل.


5 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

رحاب صالح يقول...

الله
برغم حزنها الا ان تأثيرها النفسي يترك لنا ذاكرة تذهب للماضي لقصص اخري مشابه لــ أكناو اخر بحياتنا
تحياتي لقلمك الرائع

مصطفى سيف الدين يقول...

رهيبة
لا شيء يوافيها تعليقا

أحمد أحمد صالح يقول...

رائعة جداً القصة أستاذ رشيد. ربما مثلما قال دكتور مصطفى لا شئ يوافيها تعليقاً، فكعادة كل قصصك تأخذنا لعالم نتمنى لو أننا عشناه، أو اخر يتشابه مع عالمنا ويتماس معه في الروح والفكر، ومثلما قالت رحاب فهذه القصة تأخنا ربما لأكناو مشابه كان معنا ذات يوم وكان أول من عشنا معه طعم المغامرة، وأول من اعلمنا كيف هو طعم الشيخوخة، ومذاق الرحيل.
..
كل الود والتحية أستاذ رشيد.

محمد الجرايحى يقول...

دائمًا وبفضل الله الإبداع هو طريقك

LOLO MOHAMED يقول...

العاب بنات
العاب تلوين
العاب اطفال
العاب سيارات
العاب طبخ
العارب باربي
العاب ذكاء

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة