وجاءت سيارةٌ


تأرجحَ فقيهُ "الدوّار" الجديدِ ذات اليمين وذات الشمال. عدّل جلسته وتربّع من جديد. أرخى (قبّ جلابته) (1) على وجهه، ثم أسفر عنه بعد أن طوى طرفًا من قبه فوق رأسه الأصلع وثبته جيدًا. تبسم ضاحكًا من سؤال (عزوز) الذي ظلّ فاغرًا فاه، منتظرًا جواب الفقيه، وكرر قائلا:
    - إيوا أش قلتِ ألفقيه؟(2)
    - فاش ؟(3)
لم يترك (عزوز) شُعلة سؤاله تخمد، وقد شكّل له قلقًا، فترنح من الشوق لمعرفة الجواب. وما كان ليسمح وهو العنيدُ أن يتلاشى استفساره بهبة ريح التجاهل أثناء تلفت الفقيه وتأرجحه كأن السؤال لا يعنيه في شيء.

كان يحلو لعزوز أن ينصت للقرآن الذي لا يكاد يفهم منه إلا ارتفاع وانخفاض الأصوات المنبعثة من حناجر القراء وهم يتحلّقون لتلاوة ورد المساء بعد صلاة المغرب، أو ما يلتقط سمعه من الكلمات، يفهم منها القليل بفضل ما تعلمه في سن باكر قبل أن يودّعَ الكتّابَ وداعًا أخيرًا. ها وقد نيّف على الخمسين، يجد نفسه مضطرًا لسؤال فقيه الدّوار عن كل شاردة وواردة.
وبينما هو في مجلسه القريب من حلقة القرّاء التي تضم بعض حفظة القرآن، وبعض أبناء القرية، إذ سمع من سورة يوسف: (وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم..).

سيارةٌ؛ كلمة استقرت في ذهنه، وأنتجت قلقَ السؤال المزعج. شاردًا يفكًر. شعر بالاستفزاز فكاد أن يقطع تلاوة الفقيه ليسأله، فتراجع... وأسرّها في نفسه قائلا:
    - إلى أن يقولوا: صدق الله العظيم، (لا زربة على صلاح).(4)

كان ما يزال منتبهًا يقظًا، يُحملِق في وجه الفقيه، فرد:
    - (ايوا الفقيه أشنو هي سيارةٌ... لي جات؟!).(5)
كحّ الفقيه متعمدًا، واستعاد ثقته بنفسه بعد أن تأرجح ما فيه الكفاية. نظر في عيون عزوز التي لم يغادرها وهج السؤال. ثم هز يده اليمنى يشير بها نحوه كأنه يعاتبه على جهله:
- (السّي عزوز واش ما عرفتيش سيارةٌ..؟! وهـــــــــــــــــي الطموبيل).!..(6)
رشيد أمديون 
27/01/2013 
_________________________________________________________________

1- القب: هو طرف من الجلباب المغربي يوضع على الرأس كالغطاء أو يترك منسدلا خلف الظهر.
2- ماذا تقول أيها الفقيه، (كجواب على السؤال)؟
3-  يعني في ماذا؟
4- لا خير في الاستعجال
5-  ما معنى سيارة... التي جاءت؟
6- سيدي عزوز آلا تعرف سيارة؟! إنها العربة.

20 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

رؤى عليوة يقول...

يالله
افيقه هو ؟؟

رب جهل تدارية العمم


المغزى من القصة رائع

دمت بخير

Taha Saki يقول...

هههههههه احببت بساطتهم في الاجابة و احببت ذاك الجو المرح الذي وصفت ... ليته اجاب مازحا فقط لكان من اروع الناس على وجه الا رض ... لكن الواضح ان مزاحه جد .. عنذئذ وجب ان نبكي على واقع جهل علماء الامة اكثر مما وجب ان نضحك على الموقف !!!

Taha Saki يقول...

هههههههه احببت بساطتهم في الاجابة و احببت ذاك الجو المرح الذي وصفت ... ليته اجاب مازحا فقط لكان من اروع الناس على وجه الا رض ... لكن الواضح ان مزاحه جد .. عنذئذ وجب ان نبكي على واقع جهل علماء الامة اكثر مما وجب ان نضحك على الموقف !!!

Taha Saki يقول...

هههههههه احببت بساطتهم في الاجابة و احببت ذاك الجو المرح الذي وصفت ... ليته اجاب مازحا فقط لكان من اروع الناس على وجه الا رض ... لكن الواضح ان مزاحه جد .. عنذئذ وجب ان نبكي على واقع جهل علماء الامة اكثر مما وجب ان نضحك على الموقف !!!

هيفاء عبده يقول...

أقل ما استطيع قوله .." قصة مميزة "
بساطة السرد وتبسيط وتفسير المعاني جعل للقصة متعة وجمال
بوركت أخي

مصطفى سيف الدين يقول...

و كم من الجهلااء الذين يظنون انهم علماء
كيف تنتظر من ان تتقدم بلاد اجهل ما فيها علمائها و فقهائها؟
القصة تتكرر دائما بآيات مختلفة و فتاوى مختلفة و المحصلة شعوب ترتع في مروج الجهل
تحياتي

محمد ايت دمنـــات يقول...

هههههه أضحك الله سنك سي رشيد
احسنت التصوير فعلا و ذكرتني بآخر استنكر على أحدهم يوما إطفاء الشمعة بفمه " النفس " مستدلا بقوله تعالى : يطفئون نور الله بأفواههم .
اللهم قنا الجهل و الجهل بأنا جهلاء
تحياتي

Bahaa Talat يقول...

السلام عليكم...
لي تعليق خاص على ذلك الجزء المميز الذي لا أنساه في الرداء المغربي والذي أشرت إليه هنا (القب)، ذلك الجزء الذي ما زلت أتذكره في الحلة المغربية الجميلة التي كان يرتديها الأستاذ/ عبدالسلام الفحصي (معلم اللغة العربية) في صلاة الجمعة، فقد أعدتني إلى ذكريات جميلة مضى عليها أكثر من عشرين عاما!
أما ما أوردته هنا من قصة لا يخفى ما فيها من تعريض بهؤلاء الفقهاء الذين يتخيلون أن العلم محصور في ما يغطي رؤوسهم من عمامة أو (قب)، لكن ما تحت ذلك الغطاء خواء، فأوردوا أنفسهم وأوردونا معهم سبل الهلاك.
عافانا الله وإياكم من أمثال هؤلاء.
يقولون أنه لو قال من لا يعلم "لا أعلم"، لانتهى الخلاف بين الفقهاء!
وقبل أن أختم لا أنسى أن أحيي قلمك الرائع الذي رسم لنا صورة جميلة بديعة التفاصيل.
تقبل تحياتي...

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

@رؤى عليوة

أختي رؤى، نطلق مصطلح الفقيه في المغرب على الحافظ لكتاب الله وإن لم يكون دارسا للفقه، لكن غالبا ما يكون الأئمة الذين يختارهم الناس في البوادي والقرى من هذه العينة.
شكرا لك، وأسعدني أن المغزى وصل.
تحيتي

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

@Taha Saki

ههههه من كثرة ضحك أرسلت التعليق ثلاث مرات.
علمت أن مثل هذه المواقف تروق لك
شكرا لك على المتابعة
محبتي أخي طه

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

@هيفاء عبده
أختي هيفاء، شكرا لك
وأرجو أن أكون أوصلت الفكرة

دمت بخير

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

@مصطفى سيف الدين

أخي مصطفى، التفسير والفتوى دون الرجوع إلى المصادر، كارثة أبتلي بها الكثيرون.

لك تحيتي وشكري

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

@محمد ايت دمنـــات

ههههه هل الشمعة نور الله؟ كارثة فعلا، أي عقلية هذه وأي تفسير قاصر..

آمين، اللهم قنا جهل المتنطعين
شكرا لك

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

@Bahaa Talat

وعليكم السلام أخي بهاء

جميل أنك تعرف شكل الجلابة المغربية، والجميل أني أحيانا أجد بعض المصريين يرتدونها داخل منازلهم، ومؤخرا شاهدت فلم الزهيمر ولاحظت أن عادل إمام يرتديها :)

أما عن هؤلاء، لو كانوا علماء لكانت كارثة، المصيبة أغلبهم حملة قرآن، مع بعض الدراسة الطفيفة في فقه العبادة كالصلاة ومتعلقاتها..
لكن حين تجد من له تفسير خاص للنصوص فإنك تستغرب جدا.
وأذكر أن أحدا سأل أحد حملة القرآن، وكنا في مجلس، سأله عن قوله تعالى: (إن شانئك هو الأبثر)، فرد عليه في الحين دون عناء التفكير والبحث في العربية لمعرفة ما معنى الأبثر. قال له: إن شانئك هو الأعظم. فقلت سبحان الله!!

لكن النص الذي فوق هو نوع من التلميح على الذين يفتون بغريب الفتاوى، وهم فئة ليست بالقليلة، سواء من المتدينين أو غيرهم، ولدينا في المغرب أحدهم الذي ملأ الدنيا بفتاوى لا أعلم كيف يستنبطها :)
وفعلا كما قلت: لو قال من لا يعلم ، لا أعلم، لانتهى الخلاف...
شكرا لك أخي بهاء على إطلالتك البهية، وحسن اهتمامك بالموضوع، وثنائك الطيب على حروفي الخجولة.

بندر الاسمري يقول...

السلام عليكم استاذي رشيد : .
رأيت هنا عقلا يفكر ويستنبط ويبحث عن إجابة. رأيته في ( عزوز ) . وهذا ما نحن في حاجته .

أما ترديد الكلام وحفظ المتون من غير تنقيح واستنتاج ومعرفة بمعاني القران فهو جهل لا يخبئه اللباس أو تغطيه براعة اللسان. ومع ذلك فالناس تبجله وتضعه في غير موضعه، فله يتجهون، وإليه يقصدون .


دمت بخير استاذي ابو حسام ..


لك تحياتي .



عزالدين آدم يقول...

السلام عليكم
موضوع جيد سيد رشيد انا متتبع لمدونتك
مع تقديراتي

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

@بندر الاسمري

وعليكم السلام
عزيزي بندر تحية طيبة لك

صدقت في قولك

شكرا لك صديقي

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

@عزالدين آدم
وعليكم السلام

عزيزي عز الدين أهلا بك ومرحبا
شكرا لك

ليلى الصباحى.. lolocat يقول...

السلام عليكم

والله اخى رشيد انت اشرت الى ( مصيبة ) نعانى منها فى بلادنا
العمل بلاعلم والعلم بلاعمل

للاسف مثل هذا الشيخ يعمل دائما على انتاج جيل متخلف وجاهل ويكون نواة لاناس يكرهون البعض فى الدين لانهم يشبون على فهم خاطىء ويعملون به

سرد بسيط لكن الفكرة عميقة تلفت الانتباه دائما لشىء خطير يقع فيه بعض الائمة بالمساجد

من يجلس على كرسى العالم ليس بأمر هين ابدا

دائما تلتفت لامور يغفلها البعض اخى رشيد :)
تحياتى لقلمك الراقى ...وتحياتى لك بحجم السماء

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

@ليلى الصباحى.. lolocat

وعليكم السلام أختي ليلى

اشكرك كثيرا على حسن متابعتك، ودوام التعليق

لا حرمنا الله من قراءاتك الجميلة

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة