خطبة الإمام في بلاد الأمام والسلام


حدثني السّاري ذات ليلة عن خطبة جمعة حضرها في بلاد الأمَام والسلام مع الدوام وحسن الختام. استنفدنا معها زادنا من الضحك، وما أبقى لنا نفسا نرده بعد كل قهقهة عالية. قال السّاري بعد أن أطلق للقول العنان، ولهجت أنفاسه، فاستحضرنا المسامع للإنصات، فحرك اللسانَ بين الأسنان، فقال: حدَث أن حضرتُ خطبة قال فيها الخطيب:

الخطبة الأولى
باسم والي النعم، ومالك الحكم، وباعث الهمم. هو اليد العليا والسؤدد. والقمر في السماء وفي الأرض به يُعتدّ. المقدس العالي المقام، الماحي للظّلم والظلام، المانح للنور والعدل والسّلام.
معشر المسلمين في بلاد الأمام والسلام...
إن من لم يشكر النّعم ما شكر الله حقّ شكره، ولا قدّر الخالق حقّ قدره، ولا نزلت عليه السّكينة في علانيتهِ وسرّه. وإنّ من النّعم أن نمجّد من يَحقّ له التّمجيد، ونسبّح باسم من يحقّ له (التّجميد)، عفواً - التمجيد، وله (نكرع) عفوا...نركع بالغدو والاصال أو في كل مرسم واحتفال، لمن قلّده الله أمر عباده، ووهبه الحكمة وفصل الخطاب، والرد وحسن الجواب، وأفاض عليه من الأنوار والفتوحات ، والعلم مع الأسرار والكشوفات... فهل من كان فيهم عالي المقام، يشكو بعضهم من حرّ أو قرّ؟ وهل من كان فيهم سيأتيهم النّفع أم سيأتيهم الضر. أخرج (الكارتي) في (بلوغ المرام في كيفية الخضوع والسلام)، قال: (حدثنا الملاّق بن حرّاق ونحن جلوس عنده، عن السرّاق أنه قال: ما بلغ، ما بلغ. قلنا ماذا يا سرّاق، قال: ما بلغ العلى من لم يُقبّل يد السّلطان ثلاثا. قلنا على ظهرها أم على بطنها؟. قال: مرتان على الظّهر وواحدة على البطن، ومن زاد فله الفضل).
معشر المسلمين في بلاد الأمام والسلام. بلوغ مراتب الإحسان، من مقتضياته الواجبة التي اعتبرها أهل الطريقة من الأركان، إتباع طريق الصناديد الكرام، من أهل الكشف والمرام، ممن جاهدوا نفوسهم والشيطان وكذا التماسيح والعفاريت اللّئام، ومن تشكّل على شاكلتهم، ولبس خرقتهم. أولئك هم من قاوموا الطغيان، وهم الذين بلغوا درجة الولاية والصلاح، ونبذوا الزيف وعانقوا الوضوح، وشيدوا الصروح هنا وهناك حتى حسبنا أنفسنا في باريس تحت (تور ايفل). وحجبوا المواقع الالكترونية المارقة، وقطعوا الألسن الطويلة الناعقة، التي هي عن ورد الأذكار غافلة لاهية، إنها ستصلى نارا حامية، وقودها كل ناهق وناعق، وساحر بالكلام ومارق، وجاحد لفضيلة مولانا السلطان وفاسق.
روى (الحلايقي)، أنه سمع في المنام صوتا يقول: (سترى الأقلامُ المارقة شعلة من نار. من السماء تنزل لتحرقها حتى تصير رماداً، ثم تأتي ريحٌ من جهة البحر تذرو رمادها. فالْجم لسانك يا (حلايقي) وأمر أهلك وعشيرتك بذلك، وإياك ثم إياك وإخراجه إلى النور والهواء) أخرجه (الكامبو) في (طبقات المغفلين الواصلين).
أقول قولي هذا وأستعيذ من نهيق ناهق، ومن غضب غاضب ومن حسد حاسد.

الخطبة الثانية
معشر المسلمين في بلاد الأمام والسلام مع الدوام وحسن الختام. باسم السلطان (الرجيم)، عفوا.. الرحيم، ادعوكم إلى التمسك بيده، والاعتصام بحبله الممدود، وعوّدوا ألسنتكم على أوراده، ففيها الشفاء والعافية، وفيها النجاة من الهاوية، فهي تقي من سحر من خالف المعروف، ومن سخونة الرأس المعلوف، ومن بجلده حكّة الحقوق، التي تؤرق بالليل والنهار، حين تنزل عليها عصا الصروف.
وقد أخرج النوّام في (مجلس البرلمان) في باب: شعب الإيمان بالسلطان: (أن أوراد السلطان هي النّاجية. وحين سئل عن معنى النّاجية قال: أنها الناقة السريعة المحمّلة بالأوراد والأذكار وصكوك الولاية ومنشوراتها، وتعود حاملة بالفضل والخير والرضا.

فاللهم ثبت أقدام مولانا السلطان، وأعز بفضلك من إليه تقرب، وأهلك من منه يتهرب، وأنصر من على طريقته يتقرب، واهلك من خالفه ممن تحزب، ولا تجعل في سيره تعثرا، ولا عن شماله ولا يمينه توثرا. وخذ أنوارنا وأضف له الأنوار، وأعزه أينما كان.


تنويه: كل ما جاء في الخطبة هو من وحي الخيال، وأي تشابه فهو غير مقصود.
كتبت يوم: 07/12/2012

21 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

محمد ايت دمنـــات يقول...

رائعة سي رشيد
اشم رائحة التغيير الذي تحدثت عنه يوما...
مزجت المقامة والخطابة و الفكاهة فكانت الوصفة في منتهى الروعة والامتاع..
تحياتي

بندر الاسمري يقول...

ما أقواها.

تخط بماء الذهب.

نصرك الله. ونفع بهذه الأنامل الملائكية.

تحياتي استاذي القدير

أبو حسام الدين يقول...

@محمد ايت دمنـــات

أهلا سي محمد، أسعدني رأيك هنا.
قد تستغرب حين أخبرك أن إلهام النص جاءني وأنا أنصت لخطبة الجمعة اليوم.

مودتي الباذخة.

أبو حسام الدين يقول...

@بندر الاسمري

العزيز بندر، أهلا بك.
أشكرك من القلب على مرورك، وعلى كلماتك.
لك المودة الكاملة.

مصطفى سيف الدين يقول...

روعة روعة روعة
بجد أحسنت

حنان يقول...

حياك الله أستاذي الفاضل، ما أعذبها و ما أعمقها من مقامة لعلها الأولى لك لكنها بالفعل رائعة .... ههههه أؤكد على ما جاء في تنويهك الأخير حفاظا على سلامتك حتى نستمتع بنصوصك أكثر و أكثر .... تحياتي الصادقة :)

ريـــمـــاس يقول...

صباح الغاردينيا آبوحسام
دائماً أكتشف هنا أنني امام قلم لايشبه غيره
دمت بذات التميز والروعة "
؛؛
؛
لروحك عبق الغاردينيا
كانت هنا
Reemaas

أبو حسام الدين يقول...

@مصطفى سيف الدين

شكرا لك يا صديقي العزيز مصطفى.
تحياتي لك

أبو حسام الدين يقول...

@حنان

العزيزة حنان
يبقى للمقامة طابعها الخاص، وأنا هنا أحاول استجلاب تفاصيلها.
شكرا لك على حرصك، مودتي

أبو حسام الدين يقول...

@ريـــمـــاس

العزيزة ريماس
عبق الغاردينيا يفوح هنا حين مرورك.
مودتي

زينة زيدان يقول...

مقطوعة أدبية لخصت الحياة السياسية والاجتماعية بشكل فكاهي محببب..وأعادت إلى الأذهان صورة المقامات الادبية التي كانت تلخص الواقع أسلوب هزلي معين
رغم التهكم الحاضر عبر الأسطر ..فإن الحكمة تتجانس مع كل حرف
وتطفو على سطح الكلام ..
لقد ذكرتني بخطب واصل بن عطاء في بلاغة الألفاظ وسجعها
وبزمن المقامات الأدبية

دوما آتي هنا كي أتعلم
حقا أمتعتني جدا

عبدالعاطي طبطوب يقول...

هههه رائعة ورائعة ورائعة.

وقد أمرنا على إثره بأن يشرب خطيب خطبة الامام والسلام زجاجة حبر كل أسبوع، ويفطر بريشتين لشهرين. وسننظر في أمر الساري :)

مودتي

لـــولا وزهـــراء يقول...

امام متمكن من ادواته والفرق واضح بين الخطبتين
سلمت يداك اخي رشيد اكثر من جميلة

لولا

محمد الجرايحى يقول...

تقديرى واحترامى لك أخى الكريم : أبو حسام الدين
بارك الله فيك وأعزك

ليلى يقول...

رائعة هذه الخطبة العصماء والذي أثار انتباهي ليس المعنى المبطن في جوف الكلام ولكن جمالية التعبير عن المراد قوله بلغة جميلة ومتزنة
بوركت أستاذي

أبو حسام الدين يقول...

@زينة زيدان

أهلا بك أختي زينة
يسعدني أن النص نال اعجابك واعجاب الاصدقاء هنا.
ولعل هذه الطريق صارت تندثر مع مع الأيام، وقد يعتبرها البعض قد تجاوزها الزمان.
مودتي الشانخة

أبو حسام الدين يقول...

@عبدالعاطي طبطوب

ضحكة كبيرة منك أخي عبد العاطي استنتجت أني استطعت أن أوصل المتعة الفكاهية عبر الحروف.
وهل ما كتبت في الاخير هو حكم على الخطيب؟ هههه
مودتي أيها المبدع

أبو حسام الدين يقول...

@لـــولا وزهـــراء

أهلا بك أختي لولا
شكرا لك على رأيك الجميل
ولا حُرمت همسات الروح والخاطر من مرورك الطيب.

أبو حسام الدين يقول...

@محمد الجرايحى

أستاذ محمد
شكرا لك على تقديرك الذي أعتز به، وأبادلك نفسه واحتراما أكبر.
تحيتي الودية

أبو حسام الدين يقول...

@ليلى

المبدعة ليلى
اهلا وسهلا...
ولفن الخطبة رونقا مميزا، ولا يخرج عن خانة الادب..
فشكرا لك على المرور المتألق.

ليلى الصباحى.. lolocat يقول...

السلام عليكم

كثيرا ما نجد التغيير فى تاريخ امة يأتى اليها عابراً بعض الابواب الادبية وسخرية قلم من وضع قائم بالمجتمع

( باسم السلطان الرجيم ) ههههه
احسنت استاذى الوصف والتعبير بتميز فريد
اسلوب ساخر يحمل فى عمقه اوجاع وطن

تحياتى لك بحجم السماء


إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة