الصبر

  
أذكر وأنا لازلت يافعا أني قرأت حديثا للرسول الله (ص)، والذي يقول فيه : (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم).
كانت كلمات هذا الحديث واضحة المعاني أو كما يقول أهل الاختصاص (واضحة
الدلالة) خاصة أنها لا تحتاج إلا إدراكا بسيطا للغة العربية، فاستنتجت حينها أن مخالطة الناس أمر يُرغب فيه الإسلام... لكن أمورا بقيت في سري، تُكَون أَشكالا من علامات الاستفهام...
ربما يقول أحد مثل ما قلت حين قرئت هذا الحديث للأول مرة: ما الأذى المقصود في الحديث؟ ولماذا هناك ارتباط بين مخالطة الناس والأذى؟ و هل مخالطة الناس تأتي بالأذى؟

لم أكن أفتقد لفهم مغزى هذا الحديث، إلا شيئا واحد هو التجربة...
التجربة التي أدركت من خلالها أن مخالطة الناس شيء ليس بالسهل، وأن الأذى لا بد أن يلحق كل من نزل إلى المجتمع واختلط ببني جنسه، سواءا الأذى المعنوي أو المادي، فلا فرق فكل تحت اسم واحد، لأن المجتمع مليء بأنواع متناقضة من السلوكيات ومقابل كل عمل خير تجد نقيضا له في الشر، طبائع البشر تختلف هناك من غلب عليه الخير وهناك من غلب عليه الشر...
أمام كل هذا لا يجد الإنسان السوي سلاحا يدفع به الأذى عن نفسه، فهو قد يظلم قد يهان بلا ذنب، وربما فكر أن يهرب من المجتمع، أن يعتزل، ولكن الاعتزال شيء غير مجدي...فالحديث يجعل الخيرية في المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على ما يلقاه من الأذى.
أدركت أن السلاح الوحيد الذي قد يلجأ إليه الإنسان فعلا حين يصيبه الأذى هو الصبر والذي ذكر في الحديث السابق، وهو الذي- أي الصبر- أوصى به لقمان ابنه حين كان يعضه (
يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ) لقمان:17 .
وهو الذي أمر به الله تعالى نبيه محمد (ص) حين اشتد عليه الأمر في تبليغ الدعوة الإسلامية: (
فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) الأحقاف:35
(
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ) [القلم:48
لاحظت أن كل أمر صعب وعزيز إلا وقَرن معه الإسلام خاصية الصبر، لكونه علاجا يمكنه أن يفي بالغرض، ولكنه دواء مر يقتضي مجهودا ومعانات طويلة حتى يؤتي أكله. عندما كنا صغارا كنا نحفظ حكمة جميلة تقول الصبر مفتاح الفرج – مع أن بعض الناس حسبها حديثا- وكنا نرددها كلما ضاق الأمر .

أبو حسام الدين

2 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

عبير أكوام يقول...

أتعلم أخي رشيد
أحيانا أدرك أني لو لم أخالط الناس لبقيت مثل البيضة المغمضة سريعه الانكسار،
رغم أذى الناس بيني وبين نفسي أدرك أني تعلمت الكثير ولكن أحيانا طبائعنا لا تتيح لنا الصلاحية للمضي في طريق الأذى مثلم الا اني أتعلم فحسب،

وأحيانا أخرى حين يكتظ الأذى أمسك بيد نفسي وأعقد هدنة مع العالم...
سعدت بقراءتي هنا...

كن بخير

رشيد يقول...

نعم أختي عبير هذا صحيح، فطبائعنا لا تتيح لنا الصلاحية للمضي في طرق الأذى، لهذا جاء الصبر.

وفترة عزلة عن المجتمع تأهلنا للعودة وبشكل جديد أحيانا...

لك مني التحة.

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة