بين القديم والحديت



إذا كان من اللازم أن نرصد حركة التاريخ فإننا نستنتج أن للتاريخ حركة دائمة، وحركة انتقالية مستمرة تتعاقب خلالها الأزمنة والأحقاب، وتظهر حضارات وتنمو وتتطور وتموت، وعندما تتخلى أمة عن حمل مشعل الحضارة تخلفها أخرى، فعندما كان العرب يحملون المشعل ويسيرون بالركب إلى الأمام عادوا فتخلفوا قروناً إلى الوراء بعد أن تخلو عن الأخذ بالأسباب ـ وانقطعوا عن التاريخ والطبيعة ـ فحلّت الخرافة محل التفكير العلمي وانحصر الإسلام في طقوس بعيداً عن الواقع ومجريات الأحداث السياسية وجفت ينابع الفكر فخمدت الثورة الفكرية والعلمية التي تأجج لهيبها خاصة في العصر العباسي، وقلت الكتابة الإبداعية فلم يعد يشغل الكاتب إلا أن يشرح تلخيص، أو ان يضع الحوشي...
أما القصيدة العربية فقد أثقل كاهلها بألوان من البديع والصنعة والتكليف. فكان الركود هو السمة الغالبة على الأدب بصفة عامة حتى سمي هذا العصر بعصر الركود.
وخلال القرن التاسع عشر الميلادي وبفعل التقاء العالَمين العربي والغربي اصطدم العرب بحضارة وصلت من الرقي والإزدهار ما وصلت فتبين أن المجتمع العربي غارق في وحلٍ من التخلف من جراء السبات الذي أصابه قرون عديدة. وعن طريق الإستعمار الغربي والحملات التبشيرية فاض الغرب بفنونه وعلومه التي اهتز لها الكيان العربي والإسلامي ولم يسلَم من تأثيرها أحد سلبا أم ايجابا، فأصبح كل شيءٍ موضع تساؤل:
ـــ ما قيمة أدبنا القديم؟
ـــ وما مدى صلاحية العربية لعصرنا ؟
ـــ ماذا نأخذ من الغرب وماذا نثرك ؟
أسفرت هذه اليقظة العنيفة إلى البحث عن جواب لهذه التساؤلات، فكانت الإجابات مختلفة، حيث ظهر تياران متناقضان
ــ تيار سلفي دعا إلى ضرورة العودة إلى المنابع الأولى للدين الإسلامي بهدف الإصلاح والنهوض بالمجتمع، والتشبث بالقديم في الحياة العامة وفي الأدب.
ــ وأما التيار الثاني فهو يدعو إلى إحتداء نموذج الحضارة الغربية والإنفصال عن الثرات والقديم بصفةٍ نهائية...
وبين هذا التيار وذاك ظهر ثالت حاول التوفيق بينهما وحاول أن يجسد مفهوم الأصالة والمعاصرة.
يقول الدكثور نجيب محمود: فانشعبنا ثلات فرق. مازالت بادية إلى يومنا هذا: ففريق منا آثر أن يعتصم بالثراث الماضي وحده وأن يغلق نوافذه دون العلم الحديث الوارد ألينا... وفريق آخر ذهب إلى النقيض الآخر وارتمى في أحضان العلم الوارد مغلقاً نوفذه دون ثراته، حتى كأن الواحد من هؤلاء لا يكاد يحسن قراءة العربية نفسها... وكلا الفريقين لا يضع لنا تقافة عربية معاصرة لأنه إذا كان الفريق الأول عربياً، فليس هو بالمعاصر، وإذا كان الفريق الثاني معاصراً فليس بالعربي، وإنما العسر هو ما تصدى له فريق ثالث، مازال يتحسس خطاه على الطريق بغية أن يصوغ ثقافة فيها علم الغرب، وفيها قيم التراث العربي جنباً إلى جنب...
ومن هذا التيار الفكري الثالت ظهرت في الساحة الأدبية نخبة من الشعراء تدعوا إلى إحياء الشعر العربي القديم فكان خطابهم خطاب البعث والإحياء.


                                                                    

0 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة