إطلالة على الغريب


الغريب: رواية ألبير كامو، الكاتب الفرنسي الأصل، الجزائري مولدا. الرواية من 105 صفحة. ترجمة عايدة مطرجي ادريس. تنقسم إلى قسمين: قسم ما قبل القتل، وقسم ما بعد القتل، والأول يمهد للثاني. وتبتدئ بعبارة: "اليوم ماتت أمي. أو ربما ماتت أمس، لست أدري. لقد تلقيت برقية من المأوى..."
تدور أحداثها عن شخصية اسمها مارسو، حُكم عليه في نهاية الرواية بالإعدام بسبب قتله لعربيٍّ كان يطارد صديقه، لخلاف كان بينهما، قتله مارسو بمسدس صديقه الذي أخذه منه احتياطا بعد شجار وقع بين (مارسو، صديقه، ومضيفهما وبين العربي وصاحبيه بشاطئ إحدى سواحل الجزائر) نزع من صديقه المسدس بعد الشجار مخافة أن يرتكب جريمة. لكن مارسو بعد فك الاشتباك خرج يتمشى قليلا بالشاطئ وحده تحت أشعة الشمس الحارة، فإذا بالعربي يعود ليصادفه، شاهرا سكينه، فأخرج مارسو مسدس صديقه الذي بقي بحوزته، وأطلق خمس طلقات على العربي، ليلقى القبض عليه بتهمة القتل العمد، رغم أنه لم يكن يتوقع أن تأخذ القضية أبعادا أخرى مختلفة، إذ أنه كان يرى أن القضية بسيطة جدا، ولا تحتاج تعقيدا، وحتى أنه لم يُوكِّل محاميا، بل المحكمة من فعلت ذلك.
الرواية تبتدئ بسرد أحداث وفاة والدته التي تقطن بمأوى العجائز في مارنغو، الذي يبعد عن المكان الذي يعمل فيه بمسافة يوم كامل بالحافلة، فسافر إلى حضور جنازة والدته بالمأوى بعد أن توصل منه برسالة تخبره بالأمر.
هذه التفاصيل التي سردها الكاتب عن شخصية مارسو وتصرفاته التي قام بها عندما قابل حاجب المأوى والمدير، والممرضة، وأصدقاء والدته (نزلاء المأوى)، ومنها: امتناعه عن رؤية وجه أمه للمرة الأخيرة، وشربه القهوة ليلة دفنها، وتدخينه، وكذلك وتصرفه بعد دفنها بيوم حيث أنه تعرف على ماري، وأعجبته وضاجعها وزار معها البحر مستمتعين... كل هذه التصرفات كانت سبب اتهامه كما بين ذلك الكاتب وليس لأنه ارتكب جريمة قتل. وفي التحقيق كان يُسأل عن عدم بكائه على أمه في الجنازة، وخروجه للبحر مع عشيقته، واستندوا إلى شهادة الشهود حول تلك التصرفات، فكان مُدانا بأفعاله قبل وقوع القتل لا بفعل الجريمة الأساسي، ولعل أفكار مارسو التي يؤمن بها هي أيضا عنصر في الإدانة، لكونه لا يؤمن بالله كما صرح بذلك في حوار مع المحقق، ورفضه مقابلة الراهب وهو بالسجن، فأدِين بأنه -أصلا- كان ينوي القتل وليس دفاعا عن نفسه، مادام أطلق خمس طلقات على الرجل المقتول، ولم يكتف بواحدة. ورغم تأكيده أن قتل العربي كان صدفة، ولم يكن بينهما أية علاقة، ظل مُدانا من طرف المحكمة والمجتمع بسلوكه اتجاه أمه التي توفيت في مأوى العجائز.
يبدو أن اختيار اسم الغريب لهذه الشخصية وكعنوان للرواية يعود إلى أنه غريب وسط الجميع، ربما انطلاقا من سلوكياته التي رآها المجتمع شاذة، وعدم مبالاته، وعبثيته. الحياة عنده لا تحتاج كل هذا التعقيد حتى يَهتم بكل التفاصيل، وهذا ما تبين حين قتل العربي وهو ضجرٌ من الشمس الحارة، وقد صرح بذلك في المحاكمة حين قال: (الشمس هي سبب ارتكابي للجريمة) فسخر منه جميع من كان في القاعة.
لم يكن مارسو نادما على فعل القتل، ولم يُظهر ذلك أبدا، وقد ذهبت بنا عبثيته إلى أبعد حد، آلا وأنه في يوم انتظاره أن يـأخذوه إلى المقصلة ليُقطع رأسه في مكان عام تنفيذا لحكم الإعدام باسم الشعب الفرنسي، كان -هو- يشعر بمشاعر كثيرة تجعله كأنه يتوغل في لامبالاة العالم، وبأنه سبق أن كان سعيدا وبأنه مازال سعيدا، وتمنى قائلا: " ولكي يكتمل كل شيء، ولكي أحسّني أقل توحّدًا، كان يبقى لي أن أتمنى أن يكون هناك كثير من المشاهدين يوم تنفيذ الإعدام بي، وأن يستقبلوني بصرخات مليئة بالحقد والكراهية."
بهذه العبارات أنهى كامو روايته التي أضافها إلى مجموعة من أعماله الأدبية التي تناول فيها أفكاره المؤمنة بالعبثية واللاجدوى.
الرواية في بدايتها لم تكن مشوقة إلا في القسم الثاني منها، وكأن القسم الأول كما قلت تمهيد للثاني. اهتم كامو بالوصف، كما عادته في كثير من أعماله الأدبية، غير أن "الغريب" تفتقر إلى المشاعر والأحاسيس، لم ترو غليلي من هذا الجانب، لا أعلم هل عامل الترجمة هو السبب أم الرواية كذلك... لكن عموما هي تهتم بالجانب الفلسفي والفكري الذي يمثل مذهبا عرف به ألبير كامو، وكان من أنصاره في القرن الماضي.

قرأتها ما بين: 13و17 فبراير 2014

رشيد أمديون

0 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة