الوصف

جانبٌ من مسابقة القصة القصير

    حين شرعتُ في كتابة هذه (التدوينة)، لم يكنْ في مقدوري تحديدُ عناصرها، فحرت بين ما أقدم وما أؤخّر؛ خاصة وأنها (تدوينة) تؤتّت لطرح تجربة خُضتها في الأيّام الأخيرة مع مسابقة القصة القصيرة (وإن لم تكنْ الأولى بالنّسبة لي)، وقد استُدعِيت لأكون ضمن لجنة التحكيم من طرف القيّمين على مبادرة (موسوعة المسابقات) والتي يسهر عليها كل من الأخ مازن الرنتيسي، والأختين أحلام الرنتيسي وليلى الصباحي. ومن خلال هذا المنبر أوجّه لهم شكري الخاص على مجهوداتهم الرائعة.
طبعاً بعد طلب ليلى الصباحي أن أكتبَ في الموضوع كنوعٍ من بصمة ختام،  وبعد (تدوينة) الأخت كريمة على مدونتها، 
هأنذا أستجيب. (...) ولعلّ هذه الكلمات تحمل لي الإفادة قبل أي شخص آخر سيقرؤها.

    مسابقة القصة القصيرة، رغم قلّة المشاركين فيها إلاّ أنّها تركت أثراً حسناً في أوساط التدوين، ولأنّها تجربة محمودة، ومبادرة موفّقة هدفها تقديم الجديد للتدوين العربي، فإنّ جوائزها رمزية وتشجيعية وليست مادية كما قد يُتصور، ولعلّها تكون خطوة ايجابية إلى الأمام لنا جميعا...
كانت لجنة التّحكيم تحتوي على ثلاثة أعضاء: المدوِّن والقاص مصطفى سيف، والمدوٍّنة كريمة سندي، وعبدُ ربه رشيد أمديون.
بخصوص المعايير التي اتبعناها في تقييم المشاركات؛ فقد اعتمدنا التنقيط من (1 إلى 5) على كل من العناصر التالية على حدة:
- اللّغة – الأسلوب – الفكرة – التأثير - توفّر عناصر القصّة...
 أمّا المشاركات فقد كانت مختلفة الأفكار ومتنوعة المواضيع، مختلفة الأسلوب والسّرد، منها العميق الذي يفرش العبارات ليسوقَ الدّلالات دون تصريح، - عبارات- يتشارك فيها القارئ مع الكاتب باعتبارها مساحة لابدّ أن تكون داخل النص القصصي كشكل من أشكال الإيحاء...، ومنها الظّاهر الذي تقف العبارة فيه عند السّطح ولا تحتمل تأويلا ولا ترتبط بأيّة دلالة معينة، لكونه (أي النص)صريح إلى حد المباشرة أحياناً. 
انطلاقاً من بعض المشاركات نجد السّارد الذي هو الكاتب يفرض سلطته على النصّ؛ بحيث أن هذه السّلطة تجرد القصة من أهمّ عناصرها، والذي هو جعل الشخصيات هي من تعبّر عن نفسها من خلال وصف بعض الانفعالات والحركات وصفاً غيرَ مباشر، أو صياغة حديث على لسان الشخصية يكون كتعبير منها عن ذاتها دون تدخل السرد في التّوضيح...
وأكيد أن حتى المونولوج له دور فيما قلنا، وقد لمسته في بعض المشاركات، وهذا جيد.
 بحكم أنّنا اعتمدنا تفكيك النص عند تناوله، فجعلنا للغة نقطة، وللأسلوب نقطة، وللفكرة...إلخ؛ فإن هذا كان في صالح المشاركات، فحين تكون النقطة ضعيفة في عنصر ما، فقد يعوّضها عنصر آخر إلاّ إذا كان هناك خللٌ في النصِّ بأكمله. وقد مرت علينا نصوص جيدة خالية نسبيا من الهنات والأخطاء على مستوى اللّغة والأسلوب، وهذا وارد في أي عمل مادام أنه قليل ويمكن استدراكه بالتصحيح؛ غير أنه في الحقيقية هناك مشاركات تستدعي من أصحابها الانتباه جيداً للأخطاء الإملائية الكثيرة التي تؤثر على النص بقوة، إضافة إلى إقحام اللّهجة المحلية، في السّرد دون الحوار، أي أنّ استخدامها في القصة العربية يمكن، ولكن في إطار لا يتجاوز الحديث الذي يصدر عن شخصيات القصة، لكون ذلك يجعلها شخصيات حيّة وقريبة إلى ذهن القارئ، كما يقربها من الواقع أكثر، أما خارج الحوار فلا أرى للعامية مبرراً لدمجها مادامت لغة القصّة عربية فصحى.
    إنّ التركيز على عنصر من عناصر القصة وإهمال اخر، قد يُحدث خللاً في بنية النص، فلا يكفي التركيز على الفكرة وإعطائها كل القوة لتبرز، فيكون ذلك على حساب تأثر العناصر الأخرى. وأكيد أن القصة القصيرة تجعل من جميع عناصرها أدوات دعم لتنطلق في اتجاه النهاية بشكل متوازن (البداية إلى لحظة التنوير والنهاية)، دون أن يغلب على النص طابع التقريرية (الأسلوب التقريري كأسلوب المقالة)، أو تأخذ طابع الخاطرة أو التدوينة... أو أن يتحوّل النصُّ إلى حكاية حين يستبدّ به السّرد، أو الأسلوب المباشر الغير عميق، الخالي من الإشارات؛ هذا لأن مجال القصة القصيرة شهد تطوراً كبيراً في هذا العصر، ولم تعد القصة مرهونة بالحكي فقط ، بل صارت باحةً لارتكاب أبجديات الشّعر كذلك. وهذا يطول فيه التّوضيح...

    لا أحب أن أُسهِب في الكلام، لأنّ التجربة تبقى جيدة ومميّزة؛ المشاركون بذلوا مجهوداً محموداً في الإبداع، كما أنّ المسابقة جاءت كمحفّز للعناية بهذا المجال، وتطوير قدراتنا، ولم تأتِ بخلاف ذلك. والنصوص التي جاءت في الرّتبة دون الأولى لا يعني أنّها لا تستحقّ بل هي جميلة وجيدة، والفارق بينها لا يتجاوز ثلاث نقاط...
فهنيئاً للجميعِ المشاركةَ، أمّا الفوز فهو يبقى نموذجياً، والعبرة بما استفاده الإنسانُ وما اكتسبه من تجربة، وليست العبرة في التتويج والفوز، كما أن نصاً واحداً لم ينل رتبة محمودة، لا يعني بالأساس أن صاحبه لا يمتلك قدرة الإبداع، فقد يفوز له نص ويخفق أخر، وهكذا...

05/11/2012

كلامٌ يَلزمني

     
    تردّدت كثيراً قبل أن أشرع في كتابة هذه (التدوينة)، ولم يكن مصدرُ ترددي هو عجزي عن الكلام، بل عن دافعِ داخلي يُحرّضني على عدم الخوض في المسألة لأنّها لا تستحقّ، وليس بالضرورة أن أتبنى مذهبَ قوْل كلّ شيء حدث لي. غير أنه بعد تفكيرٍ أحببت أن أشارك الجميع هذا الكلام الذي عنونته بـ (كلام يلزمني)، اعتقاداً منّي أنه يلزمني فعلا وإنْ كان لا يخلو من نقاط تقاطع مع الكثيرين ممن حدث لهم نفس ما حدث لي أو أكثر.

    بعيداً عن أيّ اعتبار أخر، فأنا بالدرجة الأولى مدوّنٌ إلكتروني، يدون باللّغة العربية، يهمّني رقيّ المحتوى العربي على (الشّابِكة)، وما كانت نداءاتي المتكررة في لحظات سابقة - ونداءات كل زملائي المدونين وغيرهم - عن ضرورة الْتزام احترام حقوق الآخرين، إلا لكوني أحبّ أنْ يعي مستعملو الانترنت العربي أنّ هناك مبادئ وأخلاقيات يجب أن يتحلّوا بها... لن أخوض في كل التفاصيل، لكنّي أركّز على مسألة نقل كتابات الآخرين وتجريدها من أسماء أصحابها لأنّها هي مربط الفرس هنا، ومركز الدائرة...

   منذ يومين أتتني على الـ(فيسبوك) دعوة طلب إضافة كصديق (من أنثى)، فقبلتها، (مع العلم أنه لا فرق لديّ بين الأنثى والذكر :))، ثم حين فتحت صفحتها، وجدت نصّين تناولَتهما من هذه المدونة التي أخاطب منها الجميع الآن. بأسلوب حضري راسلت الأختَ، وبكلّ أدب عاتبتها، لا لأنها نقلت ما أعجبها، ووافق أفكارها وخواطرها، بل لأنّها مارست نوعاً من الاستبداد حين جرّدت المنقولَ من اسمي، أو من المصدر الذي أخذت منه والذي هو طبعاً مدوّنة همسات الروح والخاطر.
كان ردها مؤدباً، وتأسّفت، فقبلتُ أسفها، رغم أن هذه المواقف تحتمل الاعتذار وليس الأسف.
ليس هذا كلّ شيء. فمن المنطقي أن الاعتراف بالخطأ أمرٌ جميل، والاعتذار أسلوبٌ حضاريّ راقي، لكن أن نحوّل الأمر بعده إلى أن من نبّهني، فهو عدوي، فهذا سلوك ينمّ عن عيبٍ في عقلية الفاعل، فقد اكتشفت بعد دقائق من تأسّفها، أنها قامت بحظر حسابي على الـ (فيبسبوك)،
* مما أعطى القضية بعداً اخر، يدل على أن أمثال هؤلاء الذين يمارسون عملية النسخ واللّصق، يدركون جيداً أنهم يتناولون ما لا يحقّ لهم، حين يجردونه من اسم صاحبه، وهذا عامل من العوامل التي تُساهم في جعل المحتوى العربي (كالمنتديات) يكاد يكون نسخة واحدة، يُنسب لهذا اليوم وغداً لهذا، وبعد غدٍ للآخر...، كأنه ابن عاهرة لم يُعرَف له والد. وحتى يكون كلامي واضحاً لا اِلْتباس فيه، أوضحُ الفرق بين الاقتباس والنقل المتعسّف (والكل يعلم الفرق). طبعا هما معا قد يمَارسَا بنفس العملية (النسخ واللّصق)، لكن نقطة الاختلاف بينهما تتمركز في أن الأوّل يكون مرافقاً لاسم الكاتب أو المصدر المأخوذ منه، والثاني يؤخذ دون أي اعتبارات لهذه الأمور المذكورة. وأغلبنا يمارس الاقتباس، وأنا من ضمنهم، ولا غضاضة في ذلك.

    عوداً على بَدْءٍ، فإنّي موقن أن المعنية بالأمر ستقرأ هذا الكلام، ويقرأه كل من ينهج نهجها، لهذا سَأشير إلى أنّ هذا الصّنف أوقف عقليته الإبداعية وجمّدَ تفكيره بفعل ممارسة النسخ واللّصق بدون حقٍّ، ورضي بوضعه المؤسف، يَنسِب إليه ما ليس له، ويردّ على تعليقات الناس وكأنه هو من كتب فأتقن، فمثله كمثل الحمارِ يحملُ أسفاراً.

وأسأل الله لنا وللجميع الهداية والرشاد. 

------------------

* لا يهمني حظرها لي، وليس هو الدافع الأساسي لكتابة هذه السطور، لكن الفعل يحمل عدة قراءات... كما أن هذه هي المرّة الثانية، فقد سبق أن حدث لي نفس الشيء منذ شهور معدودة، وها هو قد تكرر بنفس الشكل، بغض النظر عن ما يُنقل إلى منتديات اخرى.

رؤيا اليقظة


رؤيا اليقظة

لَم يكن مثلها يتقن الإدلاج والسّفر إلى القمر المُشع، ليأتي بالنّور، ليُضيء ما بينهُما من مَسافات بوحٍ هَادِر...
صَمتهُ يُقيّد جِماح حُبّه المُخضرّ في بَساتين الوِجدان، يُكفّر شَوقَه الهَائج بِشُعلة الخجل الماكثِ أمَامه زمناً من ولَهٍ مُملّ.
تَرَاهُ ذات يقظة مَاسكاً ذِراعَها وقد تحوّلا عن بُعدٍ إلى طيفين رَاق لهما العُروج، فتبسّمت من عِشق حطّ على مُحيّاها حَسبته طيراً أخضَر ففتحَت بالأشواق لهُ طريقاً حفّته الأزاهير.
عادت فمَدّت نظرات مرتعدة نحو السّماء تبحثُ عنه في زُرقتها، فصاحت بفزعٍ مُرعد كسحابةٍ في مخاض الإمطار:
- أين اختفيت؟ أين..
أحسّت بدفء يلمسُ كفّها.
- ما بك عزيزتي؟ أنا هنا لم أفارقك لحظة.
 15/02/2012

لحظة عناق

جاءَ من بَعيد يَركض مزهواً بمِيعادٍ أشرقَ أمامهُ كالشّمس.
قدمان صّغيرتان تتعرّجان ذات اليَمين وذات الشّمال، تتلعثم الخطوات... مازلت لم تُجِد بعدُ عمليّة الاستقرار التّام على الأرض.
ركض وركض مسابقاً فرحة ً كظلّه، وعلى تقاسيمِه الصّغيرة وَسْمُ البراءَة يخضرّ بالأمل.
من مكان قريب امتدّ إليه شُعورٌ كنداءٍ بطَعم الدّفء، انبعث من بين ذراعَين قد انفرجتا عن حُضنٍ حنون كمِدفأة متوقّدة في ليالٍ ذات سيّاطٍ من زمْهَرير...
ركض ناثراً ضحكاتٍ سَامقة، وكأنّه في التغريد عندليب. ابتلعَه الحضن بشهيّة الاشتيّاق الملتاعة فذابَ في صمتٍ ارتخت معهُ الأجفان بِقطْرٍ ساخن، وانغلقتِ الذراعانُ على جسده النّحيل، كجناحي حمامة ضمّت بيضها... ثم رفعتهُ إلى أعلى وانصرفا بعد مشهد عناقٍ محتدم.
25/02/2012

تذكير: سبق أن نشرتهما على مدونة لغة الضاد. 1 و 2 



المجنون



الرّجلُ الذي يَقفُ على الرّصِيف،

الزّاعِق بصوتٍ حاد، يُردّد "شَتيمتَهُ" المُعتادَة

يَدفعُ جسدَهُ إلى أعلى بأطرافِ أصابعِ قدمينِ متّسختين، كأنّهُ يتطلّعُ إلى شيءٍ. ويَصيح:

- (اللهْ يَلْعنْ بُوكْ...).

القصير الهزيل... الذي صار جُزءاً من طبيعةِ شارعٍ عَتيق مُهْتَرئ...

لا يهْتمّ بشأنهِ أحد.

الرجل الهَائج الذي يَنظر إلى فضاءِ الشّارع يدُه تتوعدُ الفرَاغ..!

ترَى ما الّذي يُبصِره!؟.



20/10/2012

تهبُك..ارتق..السّلام

1- تهبُك


قَالَ لِي... وَاخْتفَى:

الشَّمسُ تَهَبُكَ النُّورَ،

بدُونِهَا نَهَارُكَ دُجى

تَهَبٌكَ الدِّفْءَ، تَهَبُكَ...

فَكُنْ مِثْـلـَهَا... وَكَفَى.


2- ارْتَقِ


قَالَ لِي... وَاخْتفَى:

فِيكَ الأسْرَارُ

فِيكَ الخَيْرُ يُعَادِيهِ الأَشْرَارُ

لا تَلْتَفِتْ، وَارْتِقِ مَنَازِلَ الصَّفَا.


3- السّلام


قَالَ لِي... وَاخْتفَى:

سَتُرتِّـلُكَ الأيَّامُ

فَكُنْ تَرْنِيمَةَ السَّلامِ

كُنْ هَكذا وَكَفَى.


هذه الخربشات تدخل ضمن قسم جديد في المدونة بعنوان: ومضات.
رشيد أمديون
02/10/2012

يوم الثلاثاء


يوم الثلاثاء، لا تشبهه الأيام؛ شمسه ذهبية، رافقت صبحا نفض عن ردائه بقايا كسل ليل ثقيل. باسمة للحياة، ناشرة نورها من أفقها العالي.. 
في المنزل فرحة مشعة كنور شمس هذا اليوم. أثر بهجة على جدرانه، وعلى كل تفاصيله. حتى رصيف الباب مختلفٌ يوم الثلاثاء.
الفرحة لها مظاهرها تبرز في الحركة الغير عادية لصباح يوم الثلاثاء البهيج.
الأب لم يذهب إلى العمل هذا الصباح، ظل مستلقيا على فراشه إلى الساعة التاسعة.. لم توقظه إلا زوجته بإصرار، وهي تلح عليه بنداءات متكررة، تدعوه...
غمغم من تحت الغطاء قبل أن يجيب:
     - ألم أحضِر كل الحاجيات أمس..؟
     - قم.. مازلت بعض الأغراض تنقص!.
يقوم مطيعا، ينفد الأوامر الصادرة من ربة بيت تحب كل شيء متقن. لا مجال لديه ليناقشها، تلك معركة خاسرة، أكيد أنها خاسرة.
يحضر ما طُلب منه. يسلمه إلى زوجته التي وضعت له وجبة الفطور. يجلس على الأريكة، ثم يفتح جريدة ابتاعها أتناء خروجه إلى السوق، يتصفح ويقرأ.. أخبار يوم الثلاثاء!.
¤    ¤     ¤     ¤

الأم وابنتها كما العادة تعدان ما لذ وطاب، بل تبالغان اليوم في تحضير كل شيء، تسكنان عالمهما المطبخي، ومختبر تجارب الوصفات الغذائية المتنوعة التي تقصم بعناصرها (المكونة) ظهر الوالد بتكاليفها الباهظة.
سوسن زهرة الدار المدللة، شبت لا يُرفض لها طلب. في ربيعها الثامن عشر. حسناء، شهد الجمال منها يقطر عسلا. وحيدة والديها بعد شقيقها الأكبر. مهوسة كأمها بشؤون الطبخ، حلويات وكعكات، وأشياء أخرى تجعل كل من يدفع ثمنها هو رب الأسرة المسكين.
باكرا استيقظت اليوم، وبنشاط زائد ليس كعادتها، راحت منهمكة تعد الفطور قبل أن تستيقظ أمها، أرادت أن تثبت لها أنها اكتسبت المهارة الكافية، فكان يوم الثلاثاء خير يوم تحدِث فيه أمرا.
بجدٍ كانت تعمل قبل أن تعاودها دوخة خفيفة، لكنها هذه المرة أشد، كادت أن تُسْقطها أرضا لولا أنها اتكأت وأسندت جسمها الرخو إلى الجدار، سحبت كرسيا من جانبها فهوت عليه بكل ثقلها.. يدها اليمنى كانت تتحسس مكانا في جسدها، تلمس ببطءٍ بطنها الصغير، كمن تتفقد شيئا.. يتصاعد نفسها العميق محدثا زفرة حارة.. شاردة الفكر تذكرت ما قالته لأمها قبل أيام:
     - يوم الثلاثاء سيأتي مع أهله.. ليكلمكم!.
صوتها كان متهدجا حين قالتها، وحمرة على الوجنتين استقرت كأثر الغروب.. أترى كانت تخجل من أمها كما يخجل الليل من النهار حين يودعه؟
لم تستمد من الغروب حمرة الخجل وحدها بل إنها استعارت رداء الغروب بكل معانيه..
تذكرت جيدا ابتسامة أمها المبهمة المخيفة، ابتسامة رمقتها بلحظ عينها اليسرى.
     - عن ماذا سيكلمنا؟
لم تنتظر الأم من ابنتها جوابا، بل ردت وبثغرها ابتسامة مستقرة، منحت سوسن شيئا من الطمأنينة:
     - من هو؟.. متى تعرفت عليه؟.. أين وكيف؟..
ومساء ذاك اليوم أسرت لها بكل التفاصيل المملة.
¤    ¤    ¤    ¤

كان يوما ربيعيا مشمسا وجميلا.. سوسن في المكتبة تبحث عن كتاب.. استدارت بخفة، فاصطدمت (دون أن تنتبه) بشخص..
وقع منها الكتاب، وقع أرضا. كقلبها الرقيق وقع...
ابتسم الشخص واعتذر...
انسجمت النظرات.. وأخذهما الطريق معا، (ابتلعهما كالدوامة)...
حديثهما انسجم...
تقارب الزمن حاملا معه لقاءات بمتعة الشوق، تقارب الإحساس أكثر..!.
وسيم، فارع الطول، منسق العضلات، مغري الشعر، عذب الملامح.. هكذا كانت وبمتعة تصفه لصديقتها يوم سألتها باهتمام.
أمها تحذرها ليلتها، قائلة:
     - إياك أن تكوني...
     - لا، لا.. لم أخرج معه إلى مكان آخر، لم تتجاوز أقدامنا ساحة الثانوية..
أدارت وجهها عنها متظاهرة بالانشغال في تجهيز لباسها.. لا تملك النظرات أن تخفي الحقيقة وإن زيفتها الكلمات، هي ليست بارعة لحد أن توفّق بين ما ينطق به لسانها وما تخفيه عيونها العسلية الجميلة. ما وراء هاتين الحدقتين هو الحقيقة. أكيد أن أمها إن نظرت فيهما ستقرأ الشفرة، وتفهم المعنى. هي لم تنظر، هي تثق بزهرتها الجميلة. لطالما كانت تفتخر بها بين صديقاتها، وتعتز بخلقها الحسن وبثقتها في فلذة كبدها.. يحلو لها أن تقول أن أبنتها لا تشبه باقي فتيات هذا العصر.. "جمال وأخلاق ما شاء الله".
¤    ¤     ¤    ¤

متفوقة كانت في دراستها قبل أن تعرفه وتحبه.. وقبل أن يأخذها شراع الهوى ليمخر عباب بحر العاشقين. أو قبل أن يتحول فؤادها إلى درة تدور إلكتروناتها في فلك الشغف والصبابة. أخذها الشرود في دوامته فزج بها في التيه..
مر شهر على أول لقاء، صارت لا تستطيع أن يمر يوم دون أن لا تراه، كل يوم لابد أن تنعم أحداقها بنظرة إليه، وتتفرس في الوجوه إن غاب عنها لعلها تعثر على ملامحه صدفة بين المارين..
بدأت تخفي عن والدتها بعض تصرفاتها، ما لم تكن تفعله سابقا.. كانت تنطلق بعفوية وبطلاقة، ما كان لها أسرار تخشى عليها أن تشاع...
شيء ما تغير محدثا الشك بقوة...
بعد أيام معدودة تطور شكها إلى يقين، كان الأمر صدمة عنيفة هزت كيانها.
     - لابد أن تأتي لتطلبني من... لابد... أنت تحبني؟ أكيد؟!
كان يطيب قلبها بكلمات بذوق الشهد. يريحها ببعض البسمات، وتنصرف وفي قلبها جزء من راحة غير مكتملة، كمولود لم يكتمل خلقه.
بين نزر من الراحة وقوة الهواجس أحست سوسن بخوف وندم.
تمر أيام كأنها هاربة، حسبتها سوسن تركض بها نحو قدر مخيف. كانت تتحسس مكانا في جسدها فيزداد شعورها المخيف، فتواريه..
تتصل به باكية:
     - لابد أن تأتي.. لم أعد أستحمل، ليس عندي حل.
     - لا عليك، يوم الثلاثاء سآتي مع والداي. اطمئني!
قالها أخيرا فانبسطت روحها وتوهجت ملامحها.. كزهرة بلّلها قطر الندى..
عادت لمحياها النضارة التي كانت قد انطفأت من كثرة تفكيرها، بالرغم من محاولاتها في عدم إظهار وجومها.
¤    ¤     ¤    ¤

يوم الثلاثاء والدار ترفرف فيها البهجة. الساعة الواحدة بعد الظهر.
سوسن تتزين بعدما أعدت كل متطلبات الضيافة..
موعدهم الآن.. لقد تأخر.. لقد تأخروا..
الساعة في الحائط، تحدث صوتا غريبا يثير أعصاب سوسن، ويغرقها في قاع سحيق مرعب، ثم ينتشلها بقوة.
     - ماذا لو..؟ ماذا أفعل؟ الموت أكيد..
في نفسها حديث حارق لا يكاد يخمد لهبه.
يرن جرس الباب فتنتفض (في غرفة الجلوس)، تضطرب تحتار ما بين اليمين والشمال، تجهل الوجهة، تركض سريعا إلى غرفتها.
دخل شقيقها الأصغر محدثا ضجيجا في المنزل، يريد أن يأكل.
هوى قلبها كأنه سقط في مكان عميق جدا..
ليس هو.. حسبته...
لساعة الجدار كلام لا يفهمه إلا سوسن. حديث يوم الثلاثاء، والميعاد قد فات بكثير. والناس تتنقل الخبر بين المتحسر والشامت. من قال أن الأخبار تخفيها الحيطان؟
غدا تسمع سوسن نساء الحي يلكن حديث الثلاثاء..
تتفحص ساعة يدها لتتأكد من الوقت محدثة شهيقا قويا، ثم تتناول المحمول، تعبث بأزراره. المحمول على أذنها، منتظرة تقلب بصرها في الحجرة وما تحتويه من أثاث، يكاد كل شيء يأخذ لون السواد، حتى الضوء المنبعث من زجاج النافذة الشفاف لونه اليوم أسود. تسمع صوتا عبر الهاتف أعاد لها حقيقة قد تاهت منها، حين كانت ترخي أشرعة الحب مبحرة، فاتحة صدرها للهواء والهوى، مرسلة ذراعيها في الفضاء مانحة روحها فرصة التحليق دون قيود، مؤمنة أن الحياة متعة لا تقيد أبدا.
طرق الصوت أذنها من سماعة الهاتف:
     - (.. يتعذر الآن الاتصال بمخاطبكم، المرجو إعادة النداء لاحقا..)!.
                                           تمت.

بقلم: رشيد أمديون

Join me on Facebook Follow me on Twitter Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة