الوصف

رسالة غرام (1)


.. وكنتُ أعالج صمتكِ العتيق بلون الصبر القاتم، وبعض رتوش التفاؤل الزاهية. سعيدا كنت أمنّي النفسَ بخدعة صدّقتها زمن غفلتي، وأطربني نغمها المزيف..!. لم أكن أشكّ أبدا أنكِ تعلَمين أن انبعاث الهوى في صدري كانبعاث دولة بعد الثورة، فأنا موقن أنك تدركين جيدا، أن نزق الثورة شديدٌ وصعب المراس، واهتزازها أشد، لأنها انتفاضة وتبديل وتغيير. فَحين أغيّر كل تفاصيل مملكتي وأستغني عن عاداتي، وأمتنعُ عن شرب قهوتي المسائية ذات الطعم الساحر، وعن السهر، وعن أمور أخرى.. لا لشيء إلا لأنك تكرهين ذلك، وحين أستبدل أماكن حضوري، وتميل النفس إلى العزلة والانزواء، فهذا يعني أنه انقلاب في نظامي، وصيرورة.. فتوخي الحذر أن أكون ضحية غرامك، أن أسقط في قاع ديكتاتوريتك. 
 وحدها أنت تلك الأنثى التي نجحت في جعل حروفي الساكنة متحركة، وجملي المبعثرة نصوصا بليغة، لا أحد غيرك يملك تلك القدرة، ومن غيرك يستطيع توطئة جبالي العالية من غيرك، من؟...
هل تعلمين أن الأرض تتغير مع كل فصل؟
فكوني كل الفصول حتى تكوني بحجم رؤيتي، فأنا لا أؤمن بحب من طرف واحد. فهببيني ضياء الأماني كي أتبعك، أوقدي شمعة الطمأنينة في ظلمة سأمي إن عجزتِ عن اشعال مصباح. فالثقة لابد لها من علامات تدل عليها، وما كانت يوما صراخا في تصريحات...
لا يستقيم عشقي إن وجد حاجزا وصدودا. ولا ينعم قلبي إن تنكرت له عشيقته الأطلسية، أو لفظتني معه أرضُ الحب، وكيفما كانت هذه الأرض، قفرا أو جنة، عسلا أو علقما، فهي من علمتني أبجديات الهوى، وعمّدتني في ماء قداستها يوم أن ولدت. فابحثي تجدي كيف أخلصت لك الهوى، وما أخلصتِ؟...
هأنت، صامتة تنعمين باحتراقي، تلعبين لعبة اللامبالاة الحقيرة، وكأن لوعة الحب لا تعنيك في شيء... فأناديك بصوتي المبحوح، تبتسمين بازدراء، مولية وجهك عني كمن لا يستحق نظرتك..
فلا تلوميني يا بلادي إن غنيت خارج السرب يوما من الأيام، فأنت من بدأت الصدود...
رشيد أمديون

حدثني هو..


هو رجل كبير في السن، قد يبلغ عمره الثمانين، أو قريبا من ذلك.. تجمعني به علاقة طيبة منذ طفولتي، واعتقادا مني أنه في منزلة جدي الذي لا أذكره جيدا بعد أن رحل وأنا صغير. كما أنه كان صديقا له رحمه الله.

جالست الرجل وكنت أمنحه فرصة الحديث، دون تدخل مني في ابداء الرأي، لأن كبار السن يعجبهم أن يجدوا من ينصت إليهم باهتمام، أغلبهم يعتبر نفسه يملك التجربة في الحياة، لم تمنح لمن هم أصغر سنا. كما أن نظرتهم إلينا نحن أبناء هذا الجيل لا تخلو من الانتقاد.. طبعا ليسوا سواء، لكن أكثرهم كذلك، وعلى نسبة من التفاوت. على كل حال هم مهما كان الأمر يحملون في ذاكرتهم تاريخ فترة معينة، وينطقون في بعض الأحيان بحكم قد تتوافق مع مستواهم الثقافي وإدراكهم البسيط، قد تجد من يشطح به الكلام إلى أن يخلط بين الخرافة والدين أو بين الصحيح والسقيم، هذا لا غرابة فيه، فكما يقال أن إيمان العجائز لا يحتاج كثير أدلة وأسانيد وإثباتات، إيمانهم بسيط، وفطرتهم قد تركبها السذاجة أحيانا. نقع في خطأ نحن أبناء العصر الحديث حين نجادلهم بشكل جريء، فمنهم من يسلم لقولنا معترفا أن علمه على قدر يسير، وذاك مبلغه من العلم، وما سمعه.. ومنهم من يماري وإن كان على غير هدى، دافعه عدم اقتناعه بأن يناقشه من هو في عمر حفيده. طبعا كلنا يتذكر قصة الحسن والحسين رضي الله عنهما حين أرادا أن ينبها شيخا أن وضوءه غير صحيح.. فكان فقه وذكاء السبطين لا يعلى عليه في هذا المجال.

أعود من حيث بدأت. أعود للشيخ الذي جلست بجانبه وهو يسترسل في الحديث دون أن أقاطعه، وغالبا ما يبدو حديثه بديهيا بسيطا، لكن انسجام الرجل في الكلام يجعلني منصتا بعناية، ذلك يبعث في نفسه الطمأنينة..

حدثني عن حكاية يعود تاريخها إلى إحدى سنوات الثمانينات من القرن الماضي - كما أخبر- حين جاء المحصول الزراعي ضعيفا، لا يسد حاجات الناس، فحج مجموعة من الرجال من منطقة أخرى قاصدين أحد كبار الفلاحين الذي كان معروفا وقتها بثرائه في منطقة الغرب.. طلبوا منه أن يبيع لهم الزرع. وبعدما شاركهم الحديث تبين للفلاح أنهم يرغبون في شراء كل ما في مخازنه، ففطن لأمر ما.. لم يبده لهم، ولم يجبهم إلا بعد أن دعاهم لوجبة أكل حتى يشاركوه الطعام، ويكرمهم كما جرت به العادة والعرف.
بعدما شبعوا وملؤوا بطونهم، أخبرهم أن طلبهم مرفوض، وقال لهم: لا أستطيع أن أبيعكم كل ما في مخازني من زرع، أخشى أن لا تجد الفئران والجرذان ما تأكله فتأكلنا!.

بعد هذه الحكاية، تابع الرجل المسن حديثه، إلى أن قال لي أنه سمع مرة أحد العلماء يروي حكاية جميلة ومفيدة، سأحكيها لك:

قال أن رجلا طارده أسد في خلاء، فركض حتى تعب، فلم يجد إلا بئرا تحميه، فنزل فيها. وبينما هو كذلك إذا به يرى ثعبانين أسفل البئر ينتظران ما يلتهمانه، بحجمهما الضخم. تعلق الرجل بحبل حتى لا يسقط، وكان بالبئر جحر يخرج منه فأران واحد أبيض والأخر أسود، فيقرضان الحبل بالتناوب.. وبينما الرجل في هذا الخطر إذا بسائل ينزل مع الحبل فلما ذاقه وجده عسلا حلوا، فانشغل في لعقه فأنساه ذلك أمر الأسد الذي يتربص به في أعلى، وكما نسي الفأرين اللذين يتناوبان على قطع الحبل، والثعبانين المنتظرين سقوطه. قال لي الرجل مبتسما يا بني: الأسد هو ملك الموت، والحبل هو العمر، والفأران هما الليل والنهار، والعسل هي الدنيا التي تلهينا، والثعبانان هما ناكر ومنكر..

أبو حسام الدين

قراءة في قصة "خلف الأسوار" لخالد أبجيك.


هذا نقد متواضع جدا لقصة خلف الأسوار. وقد أسعدني أن أقوم بهذه القراءة لعمل أدبي جميل لكاتب أكن له التقدير والاحترام.. كاتب عهدته مبدعا في مجال القصة القصيرة، والقصيرة جدا. كتب في مجالات متعددة ومتنوعة: سياسية واجتماعية وعاطفية...

وإني أرجو أن أكون موضوعيا في هذا النقد، وهذا ما أتحراه. فكما هو معلوم أنه إن كان لكل عمل أدبي جوانب قوية تعكس الإبداع والجمال، فله كذلك جوانب النقص والضعف، قد يغفل عنها الكاتب غير متعمد. وظيفة الناقد أن يظهر جمالية العمل الأدبي، وأن يشير إلى أماكن الخلل إن كانت، أو على حسب نظرته وقراءته.. ولست أعتبر نفسي متخصصا في النقد، غير أنه لدي محاولات بسيطة وخجولة أتمنى أن ترتقي إلى المستوى المطلوب.

مقدمة: 
لا يخفى على الجميع، خاصة من يكتبون الرواية، أن العمل الأدبي الطويل يحتاج من كاتبه الصبر والتريث ، وبُعد نظر مع خيال واسع حتى يتمكن من خلق الأحداث بطريقة متسلسلة، ويبني كل حدث على الذي سبقه بشكل سببي غير مخل للحبكة القصصية ولا معرقلا للسرد.

    بين أيدينا قصة طويلة بعنوان: خلف الأسوار، تكاد إلى حد ما تشبه الرواية القصيرة. اعتمدت على التراخي والاتساع الزمني وتنوعه - فالزمان في القصة متنوع ومتعدد- كما اعتمدت على كثرة الشخصيات، وتنوع الأماكن، واختلاف الأحداث وتدرجها... كل هذا يجعلها تشبه أو تماثل النسق الروائي من ناحية الهيكل والعناصر.

عنوان القصة:
     خلف الأسوار؛ عنوان عند قراءته أول مرة يحيل على مفاهيم متعددة: العراقيل، الاحتجاز، الاحتجاب: بمعنى أن الأسوار المعنوية قد تحجب أشياء واقعة. أي أن ما لا نراه تحجبه أسوار البعد أو حتى أسوار الغيب.
هذه المفاهيم كـأنها تكاثفت وتبلورت في القصة، وهذا يتضح حين نتابع أحدثها بشكل تأملي.
نجد الأسوار المعيقة لكريم (الشخصية المحورية) والتي كان لابد أن يتجاوزها أو يتسوّرها كنوع من التحدي لكل الصعاب. ومنها أيضا: أزمته الاقتصادية المتمثلة في - سور- البطالة والعطالة التي عرقلت تقدمه زمنا، وكيف كان يمني نفسه أن يجد مخرجا لأزمته التي تمثل الهاجس الأول قبل كل شيء حتى ينطلق إلى الأمام، ويبني مستقبله مع رفيقة حياته التي اختارها وأحب الارتباط بها.
ومنها: سفره إلى إيطاليا وابتلاؤه بكيد الحاقد والحاسد، واعتقاله بسبب تهمة هو بريء منها، فكان لا بد أن يتجاوز هذا السور كذلك بعزم وعدم استسلام، أو تخاذل واتكال.
هناك عنصر أخر: هو البعد وما يحمله من معاني الحنين والاشتياق للأهل والأحباب، هو أيضا يعتبر سورا معنويا منع كريم وحجبه عن رؤية دويه.. إضافة إلى دخوله السجن حيث انقطع التواصل بينه وبين أهله وحبيبته. صار كأنه وارته أسوار الاحتجاب، خلف أسوار السجن.
إن كل العراقيل التي اعترضت طريق كريم مادية ومعنوية يمكن إجمالها في هذا المفهوم الذي هو الأسوار، فكان على كريم أن يصارع من أجل أن يتحدى هذه العوائق. بهذا تشكل الصراع داخل القصة الذي هو العنصر الأساسي في هذا الجنس الأدبي، وبه تنشأ العقدة.. ليجد لها الكاتب الحل، ويسير بها إلى لحظة التنوير.

الشخصيات
    شخصيات القصة متعددة كما قلت أنفا. هذا طبيعي لأنه كلما اتسعت مساحة الأحداث وامتدت زمنيا وتنوعت الأماكن، إلا وتعددت الشخصيات. وتلك ضرورة ملحة، لكون الشخصيات هي من ترسم الأحداث (بأفعالها وتصرفاتها وأقوالها)، سواء الشخصية المحورية أو الشخصيات الثانوية، وهذه الأخيرة بدونها يكون العمل الأدبي مبتورا وناقصا ومبسترا.
سأقتصر هنا على ذكر الشخصيات المهمة في القصة. ولا يعني عدم التركيز على الشخصيات الأخرى أني أهملها، أو أن دورها منعدم. لا بالعكس، بل أحاول أن أوجز و أن أركز على الأكثر تفاعلا والأكثر أهمية في بناء الأحداث.

    ● كريم هو محور القصة، وعليه تدور الأحداث. شاب طموح؛ انتقل من ظلمة البطالة إلى نور الوظيفة في بلد أجنبي. متدين، هدفه في الحياة رضا الله ثم والديه، وعملا يساعده في بناء مستقبله، ويستقر اجتماعيا بعد أن يتزوج بالفتاة التي اختارها.

    ● سعاد: فهي حبيبة كريم. كان يتمنى أن يتزوجها حين تنحل عقدته الاقتصادية. هي بدورها قد خصص لها الكاتب مساحة داخل القصة، فقد انفردت بجزء مهم جدا، بحيث لو أمكن القول أن الكاتب زاوج بين قصتين في قصة واحدة، قصة كريم التي هي المحور الأساسي وقصة سعاد التي هي فرع عنها ومساندة لها بشكل قوي جدا. وهذا طبعا لم يحدث إلا بعد أن تطورت الأحداث واحتدم الصراع، وتشكلت العقدة، فكان على الكاتب أن يبحث عن مساحة تابعة تستطيع أن تساند وتدعم قصته وظيفيا، وتبرر الأحداث بشكل منطقي، وتغذيها فنيا، فابتدع قصة سعاد بناء على القصة الأساسية. وهذه الطريقة تعتمدها الروايات، أو الأعمال التلفزية الدرامية. وأحب أن اثني على براعة خالد، لأنه حين قام بتفريع عقدة سعاد عن العقدة الأساسية التي هي خاصة بكريم، لم ينفلت زمام الخط الرئيسي من يده، بل بالعكس - وكما قلت سابقا- زاد الموضوع الرئيس دعامة وقوة، وساهم ذلك في تطوير القصة، وتقدم بها إلى الأمام بشكل رشيق، وممتع، مكونا عنصر التشويق... وكل هذا يحتاج كاتبا له قدرة على التفكير في اتجاهات مختلفة ومتعددة.
نعود لشخصية سعاد؛ نجدها نموذجا للفتاة التي قاومت من أجل أن تظل وفية بوعدها، لكنها الظروف تجبر الإنسان أن يسلك طريقا يخالف مسلك طموحه، وأماله. كانت اكراهات الحياة عنصرا مهما، أجبرت سعاد على تغيير مسار حياتها...

    ● مارية موظفة إيطالية، زميلة كريم في العمل حين هاجر إلى ايطاليا. شخصية أبدت إعجابها بكريم في بدايات التعارف داخل إطار العمل، ثم تطور الإعجاب إلى أن صار نوعا من التعلق (من جهة مارية)، وإن كان الكاتب لم يشر إلى ذلك إلا عن طريق التلميح. فقد كانت تصرفات مارية اتجاه كريم تعرب عن هذا الحب، إلى أن توج في نهاية القصة بالزواج حين سمحت كل الظروف بذلك. شخصية مارية كما صورها الكاتب مرحة وناشطة؛ مرنة قابلة للتغيير والتطور بدافع فطري. فهي بمجرد أن تأثرت بأخلاق كريم حاولت أن تغير تصرفاتها إرضاء لكريم. حديثه عن دينه جعلها تبحث لتعرف الإسلام أكثر. مما أدى إلى إسلامها كما جاء في نهاية القصة. وهذا يعطينا لمحة أن المسلم سفير دينه في بلد غير مسلم، وتصرفاته لابد أن تكون إيجابية. وهذه جزئية مهمة سأتناولها فيما بعد.

    ● شخصية السيدة سناء، والدة لؤي، زوج سعاد؛ امرأة غنية ولها نفوذ كما ورد في القصة. لم تظهر إلا في موقفين، الأول: حين أتت لخطبة سعاد لولدها، والثاني: حين طلبت من ابنها أن يطلق سعاد. هذه الشخصية قد نضع حولها علامة استفهام لعدم وضوحها بما فيه الكفاية. فكل ما أورده الكاتب عنها غير كافي ليتحول موقفها من الإيجابي إلى السلبي. حيث أمرت ابنها الانفصال عن زوجته، لسبب واهي وهو تهاوي أسهم شركتها، فاعتبرت هذا الزواج شؤما عليها. هذا التحول لم أر له داعي، فليس منطقيا بما يكفي حتى تهدم أمٌ أسرة ابنها بسبب اعتقادها بشؤم العروس. مع العلم أنه لم يشر الكاتب إلى نوع العلاقة بين سعاد وحماتها -ولا حتى مهّد لذلك- إلا حين فاجئنا بقرارها السلبي، وبشكل غير مقنع.

تبقى شخصية سناء رمزا للطوارئ التي تهدد حياة الإنسان سلبا، وتغير مسارها من رفاهية إلى ضيق. هي الأيام دول...

    ● لؤي تزوج سعاد بعد مباركة والدته، ثم تحدى رغبتها حين أمرته بالانفصال عنها، لأنه أحبها، ولم يستطيع أن يطلقها. شخصية لؤي مسالمة، ثابتة على موقفها. رغم كل المتغيرات ظل لؤي متشبثا بمبدئه، وإن كان وحيد والدته. وهذا قد يحيل الفهم على أنه تربى تربية مدللة، لكنه رغم هذا اثر الحب مع الفقر على الطلاق مع الغنى. ولعل الكاتب اختار لهذه الشخصية اسم "لؤي" لما يحمله من دلال، كما أنه يعبر عن الطبقة الغنية التي ينتمي إليها. 


اللغة، الأسلوب، الحوار:

     نأتي إلى لغة القصة؛ نجدها لغة مترابطة، سهلة غير متكلفة، بعيدة عن الأسلوب الشاعري العميق، مؤدية دورها بما فيه الكفاية، ومكثفة في بعض الأحيان.. وإن كان الأسلوب التقريري يغلب عليها كطابع - وقد أرجِع هذا إلى تأثر الكاتب بأسلوب المقالة- إلا في الرسائل العاطفية التي كانت بين كريم وسعاد فإنها تستثنى من هذا، بحيث أن الكاتب اختار الكلمات المناسبة والمؤدية للمعنى العاطفي كما هو.
    أما اللغة التي جرت على لسان والديه ضمن الحوار، فهي غير متوافقة مع شخصيتيهما، فالمفروض أن الشخصية كي تكون مقنعة، لابد أن تعبر عن لغتها الخاصة، لكن الكاتب جعل الحاج أحمد وزوجه يتحدثان لغة فصيحة وبليغة، كقول الأم: "أهناك أمر جلل حدث ونحن لا نعلمه؟". وقول الأب: "لا تخافي ولا تجزعي". علما أن المجتمع المغربي يستخدم الدارجة المغربية. لهذا كان على الكاتب أن يجعل لغة الأب والأم أقرب إلى الواقع. ولست اقصد أن يجعلهما يتحدثان بالعامية، (مع إمكانية ذلك) لكن كان عليه أن يحسن اختيار مصطلحات بسيطة جدا تناسب شخصيتيهما، وثقاتهما الشعبية المغربية. "اللغة الوسيطة" في الحوار أظنها أفضل، وتجعل الشخصية تحاكي الواقع أكثر.
   لجأ الكاتب للحوار عند الحاجة إليه، مريحا نفسه من رتابة السرد، وبه رسم ملامح بعض الشخصيات، لأن الحوار قد يكون مؤديا وظيفة أقوى بكثير من كثرة السرد. لهذا فالقصة لم تخلُ من الحوار، كحوار كريم مع والديه، ومع سعاد، كحواره مع الموظفين، ومع المحامي.. وحتى مشهد المحكمة أتقن الكاتب عرضه، فجعل كل شخصية تعبر عن نفسها ضمن الحوار الطويل، وتعبر عن انفعالاتها أيضا.

قراءة:
     مما لا شك فيه أن مقدمة القصة جاءت منفردة ومتقدمة على السياق، بحيث أنها أتت كتمهيد لما سيتلوها من أحداث، خاصة وأنها عرضت بإيجاز مشهدا داخل القصة، وهو مشهد كريم داخل زنزانة السجن، حين كان يقرأ رسالة سعاد، ويتجرع الحسرة والألم. وقد نحيل تعمد الكاتب إدراج هذه المقدمة إلى أنه ربما لاستفزاز فضول القارئ أو تشويقه لمعرفة باقي التفاصيل. وقد جاءت هذه المقدمة كأنها تعرض لحظة بلوغ صراع القصة ذروته.


     نستطيع بعد قراءة متأنية في القصة أن نشير إلى عدة أشياء برع الكاتب في تضمينها في السياق، فكما نعلم أن كريم شاب مغربي، حاصل على شهادة جامعية، إضافة إلى دبلوم في برمجة المعلوميات، يعاني مشكل البطالة لقلة فرص الشغل.. سفره إلى ايطاليا للعمل كان أحسن فرصة في حياته جاءته بعد بحث مضني، وصبر. تفاجأ كريم بجو ملائم للعمل في إيطاليا لأن الشركة التي عين بها تعتني بموظفيها، وتتيح لهم فرصا للعطاء والإبداع، وتهيئ لهم وسطا يساعدهم على العمل بجد، من خلال توفير المسكن ووسائل النقل، والمحفزات.. وهذا نموذج ربما لتفوق تلك الدول ونجاحها. كما أن كريم كان مخلصا في عمله لدرجة أنه تفوق على زملائه ممن سبقوه في الوظيفة بكثير. من هنا يمكن القول أن الكاتب يشير إلى أن الشباب المغربي لا تنقصه الخبرة والقدرة على العطاء، بل ما ينقصه هو أن تتاح له فرص العمل المتلائم مع ما درسه في الكلية من تخصص أو في معهد معين. كما أنه إن أتيحت له فرص العمل فلابد من توفير مناخ يعين على العطاء والإبداع، والتحفيز على البذل.. ولو أن كريم وجد في وطنه عملا يلائم طموحاته لكان بلده أولى بمجهوده وإخلاصه وتفانيه في العمل..

     جاء في القصة أن كريم شاب ملتزم ووقّاف عند حدود الشّرع، هذا يتضح للقارئ في مواقفه المتعددة: في تعامله مع زميلته مارية، وكذا في امتناعه عن شرب الخمر، إضافة إلى أن الكاتب قد حاول تشكيل ملامح الشخصية المسلمة المتزنة من خلال الوسط الذي كبرت فيه. بداية بالحاج أحمد والد كريم الذي يرتاد المساجد؛ والوصية التي أوصاه بها عندما أزمع على الهجرة إلى ايطاليا. - إيمان كريم بقضاء الله وقدره. فلما ابتلي بالسجن دار الحديث بينه وبين مارية فاستدل بحديث للرسول - صلى الله عليه وسلم. هذه المواقف تصب في بوتقة واحدة، ولعل الكاتب لم يأت بهذا اعتباطا، بل هو يشير مما لا شك فيه إلى أن المسلم سفير لدينه في أوطان غير مسلمة، وهذا ما صرح به على لسان كريم: ( فالمسلم هو سفير لدينه في حلّه وتِرحاله)، هذا طبعا لا يكون بالكلام فحسب، بل من خلال المعاملة والإخلاص والتفاني في العمل، وإبراز جوانب الدين بما فيها من جمالية، وغايات تعتني بالإنسان، مسلما كان أو غير ذلك. فـ (الدين المعاملة). جسد الكاتب أخلاق وسلوك المسلم في شخص كريم الذي لم ينبهر بالحضارة الغربية المتقدمة، بل سايرها واحتفظ بمبادئه وقيمه الإسلامية، ولم ينزلق في مزالق الانحراف الذي يعتبره البعض تقدما. كانت تمرة هذا السلوك القويم أن زميلته تأثرت به أشد التأثر، فبحثت عن سر هذا الدين – حين حدثها عنه كريم- فما كان منها إلا أن اعتنقته. أظن أن الكاتب أشار في هذه الجزئية إلى أن أي مسلم في بلاد الغرب هو صورة لدينه، فليحسن سلوكه حتى لا يسئ إلى إسلامه، وربى دعوة حال كانت أبلغ من دعوة مقال.

     وتعالج القصة أمرا آخر، لا يقل أهمية، آلا وهو العلاقة التي قد تجمع بين اثنين مهما كانت قوية فإن الأيام بما تخفيه من خطوب كفيلة بأن تغيرها، هاهي سعاد أجبرتها الظروف أن تتزوج بشخص اخر بعدما حاولت بكل وسائلها الممكنة أن تتصل بكريم، لكنها لم تحصل على رد، أحيانا تكون الظروف أقوي من كل مخططات الإنسان وتوقعاته. وإن القصة قد اعتمدت على عنصر المفاجئة في مواطن كثيرة، من ضمنها عدم نهايتها بزواج كريم بسعاد، وزواجه من مارية التي قد يستبعد القارئ هذه النهاية من ذهنه، خاصة عندما تطورت الأحداث بشكل مخالف لما قد يكون متوقعا: أن سعاد لكريم. لهذا فالظروف تحكم ولها سلطانها، ولكل ابن أدم من أيامه نصيب.

     إن قصة خالد أبجيك جمعت بين الواقعية بعرضها لواقع الشباب الملتزم والاكراهات التي تعترض طريقه، وبين المبالغة في رسم مجتمع يكاد يقترب من المثالية من خلال الجو العام الذي يؤطر العلاقات بين الشخصيات، مع أن الكاتب حاول إيجاد مساحة لبعض المنغصات، مثل الموظف الذي لم يرق له ترقية كريم، والذي دبر له مكيدة حتى يرسله إلى السجن.. لكنها لم تكن كافية لعرض الواقع بما فيه من أمور تحدثها الطبيعة البشرية. لهذا فربما طابع المثالية غالب على القصة خاصة من البداية حين قرأ كريم الرسالة الايطالية في مقهى الانترنت، ثم علاقته مع موظفي الشركة، إضافة إلى الحوار الذي دار بينه وبين لؤي.. بحيث أجد أن أي زوج لن يكون سعيدا للدرجة التي صورها الكاتب، حين يكتشف أن زوجته كانت تحب شخصا أخر، وسمت ولدها باسمه، وهو من دفع تكاليف العملية، ثم يقبل أن يعمل لديه في شركته.

     لم ينتبه الكاتب إلى أمرين في قصته، الأول - قد سبق أن ذكره الأخ أحمد خيري في نقده- يتجلى في قراءة مارية للرسالة التي كتبها كريم إلى سعاد، فالمفروض أنه سيكتبها بالعربية وليس بالإيطالية، والمفروض كذلك أن مارية لا تتقن العربية، فإن كان غير ذلك فإن الكاتب أغفل هذا الجانب وركز على فضول مارية ومضمون الرسالة فقط. فكانت هذه ثغرة بارزة في الحبكة.
أما الأمر الثاني، فهو تصوير حالة كريم عندما عاد مباشرة من إيطاليا - وحين كان يراقب سعاد مع طفلها- أنه يسوق سيارة فاخرة. هنا نصوغ سؤالا: متى اقتنى كريم سيارته؟، خاصة إن علمنا أن الكاتب كتب قائلا: "استقل الطائرة، وعاد إلى المغرب، هناك، توجه مباشرة نحو منزل والديه..". ثم بعد زيارة والديه زار والدة سعاد، ومنحته عنوان ابنتها.. نرى هنا أن الكاتب لم يهتم بالزمن الذي كان بين الوصول والزيارات، بحيث أن أحداث الزيارات، جاءت متتالية ومتعاقبة في زمن قصير جدا - أو هكذا يبدو- فمتى اقتنى كريم سيارته الفاخرة؟
ربما رغبة الكاتب في إظهار حالة كريم الجديدة بعدما أخذ التعويض (سيارة فاخرة)، جعله يغفل عن هذه الجزئية التي لا تؤثر على القصة، لكنها تستفزني أن أطرح سؤالا ضمنيا، مادام الكاتب لم يومئ، ولو تلميحا إلى ما يجعلنا نستخلص الإجابة.

     في الختام أريد أعترف أني حصلت على متعتين. الأولى متعة القراءة والاندماج مع الأحداث. والثانية متعة النقد والدراسة المتواضعة.
كما أن قصة خلف الأسوار تؤكد لنا أن خالد أبجيك قادر أن يؤلف رواية، وأن ينتقل من كتابة القصة القصيرة إلى جنس الرواية ، وأنا هنا أشجعه أن يفكر ويهتم بالأمر، مادام مؤهلا لذلك، ولديه كل الإمكانيات والآليات التي تحتاجها الرواية الطويلة. والله تعالى والموفق والمعين.

طرفة:

يبدو أن خالد يحب الحلوى ويعشقها بشكل هستيري، فقد كرر ذكرها في القصة عشر مرات :)

رشيد أمديون

رمضان كريم


أسعد الله أوقاتكم بكل خير.

رغم أني غبت هذه الفترة عن مدونتي، وعن متابعة مدوناتكم، إلا أنّ شيئا كان ينبهني لعدم إهمال هذا الحيز الذي اعتبره جزءا مني يصعب الانفصال عنه.
عودتي هذه، هي عودة تهنئة لكم أيها الطيبون، عدت لأحمل لكم بعض كلمات التبريك بمناسبة شهر الفضل والعبادة والخير. فأتمنى لكم رمضانا كريما. وكل عام وأنتم بخير.
تقبل الله صالح الأعمال.



لا شيء من أجلها


كانت هناك، بجانب الطريق، تمتحُ نضارتَها من طبيعة الريف الخلابة.  
في البكور. يمر بجانبها الأول. يتوقف هنيهة، فيلتفت حوله خلسة،. يمد يده، يقطف قطفة، ثم ينصرف... 
يمر الثاني على عجل... لم يتوقف!.. يرسل اليد بشكل معتاد.. قطفتان. 
يكرر الثالث فعل أسلافه. ثم الرابع والخامس... 

غرسها الحاج محمد في بستانه الصغير. قريبا من باب داره. كان مولعا بغرس شجيرات التين في زمن الشباب... تلك أيام مضت قبل أن يثقل كاهله بأعباء الدنيا وهمومها.
رعاها بعناية قلّ نظيرها. نمت وبرزت أفنانها. ثمارها إن أينعت، يسيل لها لعاب الناظرين.
تفرعت أغصانها وامتدت خارج البستان. قطوفها الدانية، قريبة للرائح والغادي.. تمتد إليها الأيادي...
يحلو للحاج محمد وقت العصر أن يستظل بظلها، يضطجع على جنبه الأيمن، مفترشا حصيرا منسوجا من الدوم، تآكلت أطرافه. عابثا بزر مذياعه الأثري، باحثا عن أغنية من الزمن الجميل. يضبط موجة الإرسال على صوت «عبد الوهاب الدكالي الشجي»، وأغنيته المغردة «كان يا مكان»...
أمامه تضع (لالة خذوج1)صينية فضية مستديرة عليها براد وكأسان. يتصاعد بخار يفوح بعطر الشاي المنعنع. يتحول الحاج محمد من وضع الاستلقاء إلى الجلوس. يربع رجليه. يجر إليه الصينية بعناية وهمة، ثم يرفع البراد بيمينه، مرسلا صبيب الشاي وسط الكأس.. يستمتع بصوت الشرشرة، كأنها تزف نكهة أفضل مشروباته على الإطلاق. تتصاعد رغوة تعلو مستوى الشاي داخل الكأس، تتخذ شكل حلقة بيضاء..
تسري النشوة في جسده، يفتعلها ذوق الشاي، حين يمتزج عطره بصفاء ونقاوة الهواء تحت ظل شجرته المفضلة. تكاد لا تحلو له المتعة إلا هناك. في بعض الأحيان يشاركه احد رفاقه من أبناء القرية متعة جلسته العتيقة، يلعبان «الدّاما 2»، أو يسترجعان أحيانا ذكريات الطفولة التي تبعثرت أثارها في أماكن متعددة من هذا الفضاء الريفي الساحر، حين كانا يخرجان لصيد الطيور بالمقلاع المطاطي...
ناول الكأس إلى زوجته وهو يقول لها، (وكأنها لا تعرف):
- هذه الشجرة غرستها قبل زواجنا... إيه.. أيام..!
تهز رأسها:
- نعم.. أعرف... سبعين مرة يا حاج وأنت تكرر هذا الكلام، أنا أعرف، ذلك..
زفرة تنبعث من جوفه، وهو يفرك لحيته المخضرمة بالشيب:
- لقد تعبت من أجلها يا (خذوج).. حتى صارت بهذا الجمال...
- تعبت من أجل من..؟
كاد يقول.. لولا حدة سؤالها المقصود. أكيد أنها تعلم جيدا إلى ماذا يشير. إحساس الأنثى دقيق، دقيق جدا.
ما أجاب. أخذته سكرة الصمت بين أجنحتها، وكأنها طارت به إلى الماضي، بعيدا إلى أيام الشباب.
السيدة خذوج أو (لالة خذوج) كما يناديها أهل الدوار، هي زوجته الثانية تصغره بخمسة عشر عاما. أنجب منها توأمين، ثم اكتفى.
كانت عائشة زوجته الأولى التي اعتبرها أول امرأة دقت باب فؤاده الهصور. حرمه الموت منها يوم الوضع، ماتت بحملها، فما خلفت له ما كان يتمناه في عنفوان شبابه. ظل أرملا لعدة سنوات، لم يتزوج بعدها إلا حين تجاوز سنه الأربعين، وغزت بعض شعيرات البياض صدغيه، فأضحى الخجل حليفه كلما أحرجه أصدقاؤه الجريئون، بعبارات النصح والتأنيب، التي ملها.
غرس شجرة التين بطلب من عائشة التي كانت تعتني دوما بها ولم تفتر يوما.. فورث حبها كما ورث سنة الاعتناء بما خلفت له من تركة. فقد شعر أن هذه الشجرة مسؤولة منه بعد رحيلها عن الحياة. سلب الموت خليلته. ظلت تراوده رغبة الحديث عنها إيماء أو إشارة مضمرة، كلما أتيحت له الفرصة تحت ظلال شجرته الوارفة...

كبر التوأمان. التحقا بالمستوى الإعدادي بعدما أتما دراستهما الابتدائية في مدرسة القرية. زادت أعباء الحياة على كاهل الحاج محمد، ورَبتْ همومه. ما كان يتصور يوما أنه سيفارق فضاءه الممتع إلا بعد أن يستوفي أيامه المقدرة عليه في الدنيا. ودّع طبيعة الريف الخلابة الهادئة متجها مع أسرته إلى مجتمع الصخب والضجيج، مكْرها كان. أصرت زوجته بعد إلحاح يذيب الحديد أن سكنهما في المدينة أفضل لهما بكثير، خاصة من أجل مستقبل أبنيهما.
خرج من جنته وأسرته. القرية ودعها بقلب واجف.
يأتي به الحنين والشوق إليها بين الحين والأخر، يحاول أن يعالج بستانه ويمنحه نفس العناية القديمة، لكن قوته لم تعد كما سابق عهده. من الذي لا يفتر؟ كل شيء يفتر. إلى شجرته العزيزة كان ينظر، بشفقة عينه تتفحص، وكأنه يرثي حاله فيها، حرم ظلها وثمارها الشهية، وجلسة العصر.. شرشرة الشاي المنعنع.. تغريد الزمن الجميل.. نسيم الريح المداعب لأنفاسه، حرم حتى متعة الذكرى بجوارها. كان يرى طيف زوجته الأولى حائما حول المكان، تطل عليه من بين أغصانها المورقة، يحمل وجهها علامة انزعاج، وانعدام رضا، عابسة يراها، كما كانت تصنع في حياتها إن انزعج من أمر ما. تندفع بداخله حسرة فيشعر بوخزها الشديد. مؤلم جدا! يدرك أنه مقصر لا محالة..
شعر أن الرياح تجري بما لا تشتهي سفنه، وأن الزمان يعانده. حتى تلك الثمار التي كان يأتي ليقطفها لم يعد يجد منها إلا النزر القليل. تأكد أنها لم تعد من نصيبه، أيادي خرساء تعبث بثمارها في فترة غيابه.
غاضبا ذات مرة. زوجته لم تره غاضبا كما ذاك اليوم. صرح لها: «ليتهم يستأذنون بدل السلب والسرقة».
تباعدت زياراته على مدار السنة حتى بدت موسميّة... في عطل الصيف، لا أقل ولا أكثر. ذهبت متعته مع الأيام، أخذتها كما تأخذ الريح الأشياء، وكما تبعدها عبر المدى. التاعَ فؤاده، استَحَال إلى جمرة متقدة. الإهمال صار حليف شجرته، خاصة بعد أن أعجزه المرض عن العودة إلى مرتع الشباب.
انقطعت أخباره.
بعد يد الحاج محمد الرحيمة من ذا يسقيها ويعتني بها كما السابق؟
قد مرّ عام جذب، لم تستحمل لفح القيظ والهجير، تساقطت أوراقها الخضراء بعد شحوب. ذهبت عنها نضارتها، تلاشت، فتحولت إلى جدع خاو فارغ من الحياة. هكذا الموت!.
مجالس الغيبة والنميمة لا تخلو من الحديث عنها. ألسنة النساء الثرثارة لا تلتمس الأعذار.. أكان رحيله إلى المدينة سبب هلاكها المشهود؟ استنكرن بشدة. حديثهن لا ينتهي ولن ينتهي..
رجال القرية، أشفق عليها بعضهم. الآخرون يمصمصون شفاههم بحسرة مفتعلة.. ومع أكواب الشاي الساخن ينصهر الكلام بينهم، يتحول إلى نمط ولون متشابه. اتفاق غير منطوق على فكرة واحدة: الأمر لا يعنينا! هو صاحبها، هو المسؤول!. مازال بينهم من يتلمظ ذوق تمارها الشهية.
شاحبة، كانت تحتضر. يتغير لونها وشكلها يوما بعد يوم، كأنها تستجدي الرحمة من أيادٍ أنكرت المعروف. لم تقل يوما لمن مد يده، لا. الجحود طبع بشري!. 
أتناء الاحتضار، تنكر لها أصحاب حركات القطفِ خُلْسَة. ما عادوا يلتفتون إليها كما كانوا. ما عاد شيء يُقطف. انطفأت جذوتها. انطفأت الحياة.
لا شيء فعلوه من أجلها.. غير ثرثرة من الموت لم تنجها...
تمت
بقلم: رشيد أمديون/ أبو حسام الدين
1- خذوج هو تلخيص لاسم خذيجة.
2- الداما: لعبة شعبية تُلعب على رقعة بها مربعات بيضاء وسوداء، تشبه الشطرنج


لأجل من استشهدوا..

(اللهم انصر كل مظلوم، ودمر كل ظالم)

إلى الذين صاروا طعاما لوحش الموت بلا خطيئة، فسكن ديارهم الرعب والخوف والفجيعة، وحصدت شعبَهم - بلا رحمة - آلاتُ القهر ومناجل المنية. واستأسد عليهم رعديد، أجرم في حق الإنسان، وأغضب الرب المجيد، وتمادى في الطغيان أكثر من عام، ولم يكف ولم يتوقف عن فعل الإجرام... إلى شهداء الشام وأطفالها الأبرياء، الذين تشيب لما نزل بهم من هول رؤوس الولدان ويجن من في رأسه عقل وفي قلبه حنان.. إلى هؤلاء أنثر حروفي الخجولة، تعيسة يتيمة، تبكي كل قتيل، وتلعن الظالمين بليل ونهار، في ضحى وأصيل... أموج في بحر الهم والأحزان، وألعن ذوي السلطان وألعن من في الأعلى ومن في الأسفل. فالصمت فينا قابع، وسرطان الذل لنا لاذع...


1
 أأرثي شعوبا، أم أرثي نفسي؟
لملمت الجراح وقلت:
غدا يأتي
بعد ضحاياك يا سوريا
مازلنا نرثي 
هذي بورما قد أضافها التاريخ
فمتى العزة تأتي؟


2
جامدون.. 
نحن للجمود عبيد
قتل المعنى في رحمنا
تبلدت كل المشاعر
صارت جليد
أشخاصنا 
أبطال من ورق 
شكلنا.. بليد بليد. 

3

أيها المطل على حافة العالم
ستتعب..
تجد الموت رفع هامته
لا تتعجب
قد ترى بعيدا 
بصرك كشف عنه الغطاء
هناك ما بين المحيط والخليج
لا تركض كثيرا
فلم يعد لك فضاء مخضر
تلهو فيه كطفل غرير. 

أيها المشاهد تلفازه
تحمر أحداقك من دم مسال
ستعتاد وتعتاد
سفكُ الدماء تسلية للعباد 

سيهتك القاتلون
شعورك
وتسمع قبلات الولاء
وغرام الحكام
ستعلم أن الحب من طرف واحد 
فصولة العربي لم تعد إلا في المنام
فلا تتعجب.. 


4
عود ثقاب واحد
يهب الحريق لكل الطغاة
عود ثقاب لا رصاصة
كم قتلٍ مارستم كم سياسة؟
هَتْك أعراضٍ
وسفكُ دم أطفالٍ في إبادة 
نلهو نلعب ننتظر إشارة
نهتف
فريقنا منحنا الإثارة. 

أبو حسام الدين

الصورة أعلى من تصميم الصديق عبد الصمد

Join me on Facebook Follow me on Twitter Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة