الوعي بأثر التربية قبل أثر التعليم


(قال هل أتبعك على أن تعلمينِ مما علمت رشدا، قال إنك لن تستطيع معي صبرا)*

في نهاية الأسبوع الماضي لبّيتُ مسرورا دعوة إحدى الجمعيات الناشطة في مجال الأعمال الاجتماعية، التي نظمت مشكورة حفلا فنيا أدبيا لتكريم عدد من الأطر التعليمية من أساتذة ومدراء متقاعدين من أجيال مختلفة سبق لهم أن أدوا مهامهم بمؤسسات المنطقة التي تنتمي إليها الجمعية المنظمة. وقد كانت هذه المبادرة الممتازة عملا قيما يُرسخ مبادئ أخلاقية تهدف إلى تكريس ثقافة الاعتراف بالجميل ونشر المحبة والتآلف والتضامن... وإني أعترف أنه عمل جليل يستحق أن يُكتب عنه وأن يُتحدثَ عنه بافتخار وباعتزاز، أولا لأن الجهة المنظمة اختارت منطقة الهامش، على اعتبار أن هذه المناطق التي تنتمي للعالم القروي، نادرا جدا ما تنبثق منها مثل هذه المبادرات الفاعلة. ثانيا أن هذا الاعتراف بالجميل جاء من مجموعة من قدماء التلاميذ الذين أرادوا أن يكرموا أساتذتهم تكريما يليق بهم اعترافا بفضلهم على ما قدموه من جهود طوال حياتهم المهنية في سبيل إنشاء أجيال واعية متعلمة عارفة ومثقفة... 

هكذا، وقد مر الحفل في جو حميمي رائع، تظلِّله سحابة المحبة والسماحة والأخوة وتحفه هالة من حسن الحفاوة والكرم سواء من طرف أعضاء الجمعية أو من طرف بعض سكان المنطقة الذين لبوا الدعوة بدورهم بكل فرح وسعادة. بيد أن الذي أثار انتباهي ودفعني إلى كتابة هذه التدوينة هو أمر يتعلق بالأخلاق كسلوك حضاري إنساني لا يمكن تجاوزه بأي شكل من الأشكال وإن صار عند الكثيرين أمرا مألوفا، لكن بعض المألوف يصبح غريبا ومستفزا إن جاء في سياقات معينة، ويغدو له دلالة خاصة. 

حسنا، فبينما نحن في غمرة الاحتفاء بالأساتذة الأجلاء الذين لم يعلّمونا الحروف والكلمات فحسب بل علمونا الأخلاق والأدب والاتصاف بالسلوك السوي... في غمرة الاحتفاء بهم نسي البعض أن المحافظة على نظافة المكان أمر ضروري علمه لنا أساتذتنا ونصحونا بفعله، نسي أغلب من تعلموا على يدي هؤلاء الكرام أن النظافة ليست نظافة الملبس فقط... إذ أنه حين وزعت قنينات الماء الصغيرة على الحضور الذي قد يتجاوز المئة (تقديرا)، ثم تم افراغ مائها في جوف البطون لإرواء العطش، لم يكن من اللائق أبدا أن أرى رجالا حين ينتهي الواحد منهم من شرب قنينة الماء يرميها تحت كرسي من كان أمامه ومعتبرا نفسه بذلك أنه تخلص منها. يرميها بكل برودة نفس وسهولة دون خجل ولا اهتمام كأن الأمر سار به العمل ولا يتنافى مع المروءة ومع القيم الحضارية الإنسانية التي ندعي أننا ننتمي إليها أو نريد أن ننتمي إليها، علما أن أي سلوك يعبر عن مستوى الوعي الفردي والجماعي، وإتيانه لا يُفضي في النهاية إلا إلى أنه يكرس مفهوما ثقافيا معينا، فالثقافة لا تقتصر على المعلومات والمفاهيم، والفنون وغيرها، الثقافة هو ما ينتجه الوعي الجماعي من فعل وكلام ومعتقد وأفكار... ويتم ترسيخه في أذهان الناس على أنه الصواب ثم يظهر أثره في المجتمع بعد ذلك. نعم، فالأخلاق هي المطلوبة، وكان الأجدرُ أنه تعلمها الواحدُ من معلمه الذي جاء كي يحتفي به في يوم تكريمه، ألم يكن ذلك المعلم يحرص على أن يربي تلاميذه على عدم رمي الأزبال في قاعة الدرس؟ ألم يكن يربيهم على أن المكان المخصص للنفايات هو القمامة التي توضع جوار باب حجرة الدرس؟ بلى قد كان كذلك، وأنا بدوري كنت تلميذا...
فهل نحتاج إلى إعادة تربية؟
قد يقول قائل، وكيف سيتخلص الحاضر في مثل هذه الاحتفالات من قنينته الفارغة وهو جالس بموضعه وأمامه جمهور من الناس؟ وهذا سؤال منطقي، لكن الاجابة عنه لا تحتاج إلى ذكاء كبير، بل تحتاج إلى وعي كبير وهو ما نحتاجه بكل صراحة، وعي ندرك به أن محيط كل شخص مسؤول منه ومجلسه الذي يجلس فيه مسؤول منه، لهذا فإمساك قنينة الماء الفارغة في يدي أمر ليس صعبا حتى أجد مكانا مخصصا لجمع البقايا والنفايات، أو أقدمها للمنظمين وهم يضعونها بوعي في مكانها المناسب. وهل سيعيب عليّ أحد إن بقيت ممسكا بقنينة فارغة إلى أن أتخلص منها بالشكل اللائق؟ لا أعتقد، لكن قد يعيب علي أصحاب الضمائر والوعي ويستنكرون فعلي إن أنا رميتها بشكل مستفز تحت الكراسي وأرجل الحاضرين، حتى يتحول المكان إلى مشهد محزن مخجل كما حدث في ذلك اليوم حيث صارت تحفنا قناني الماء كأنها أُمطرت من السماء، وقس على ذلك نواة الثمر ووو... ومثل هذا يحدث في أغلب الاحتفاءات التي أحضرها، كل من كان بيده شيء يرميه على الأرض على الزرابي المفروشة، وبعد الانتهاء ترى المكان كأنه معترك أو أن زوبعة قد حلت به...
ومن يتحجج بمبرر أن الكل يفعل هذا فهو يجعل قدوته من دونه لا من فوقه، فليس من المنطق أن يكون الواحد "إمعة".

إن الاعتراف بالجميل ثقافة عالية سامية، وإن المعلم لم يكن معلما للحروف والكلمات والمعاني فحسب بل كان مربيا يقوّم اعوجاج سلوك تلاميذه. أذكر أن استاذة لنا كانت لا تسمح أبدا بحضور حصتها بالسراويل القصيرة (الشورت)، ولا تسمح أن يجلس التلميذ على طاولته بشكل مستفز لا يليق بشخص يتعلم، ولا أن يعض بأسنانه على غطاء قلم الحبر (وهذه العادة كانت قد تحولت إلى سلوك عادي لا إرادي عند أغلبنا) وقد كانت هذه الأمور كلها عادية بسيطة لنا، لكن عمقها الدلالي يوحي بشيء آخر، وهذا أقل شيء. 

خلاصة القول، إن التفاعل مع حفل التكريم من لدن قدماء التلاميذ واسترجاع الذكريات واللحظات السعيدة والحزينة وتقبيل رؤوس المعلمين كل هذا أمر رائع ومستحب وهو قمة الاعتراف والتقدير والمحبة، لكني في المقابل أزعم أن المعلم الذي سيرى تلميذه السابق على سلوك حسن ويتصف بالقيم الأخلاقية سيفتخر به أكثر من كونه قد حصل على شهادة عُليا أو شغل منصبا مهما. لهذا فإني أتساءل أين ما تعلمناه من التربية داخل القسم من طرف نفس الأساتذة الذين نقبّلٌهم اليوم بمحبة وإخلاص احتفاءً بهم أمام الناس؟ أين هو السلوك السوي الذي يعبر عن شخصيتنا الحضارية؟ أين هي التربية التي تسبق التعليم، ألسنا نقول دائما "التربية والتعليم"؟


*من سورة الكهف

0 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة