أنظرْ إني أرى..


هي ذي الفقاعاتُ كأحلامٍ شاردة..
كعطرٍ تنفسَهُ الوجودُ فسارت ذراتُهُ على حِدَة.
حياةٌ تتموسقُ على إيقاعٍ مُرتخِيِّ الصَّمتِ، عميقٍ لهُ بالجمال صِلَة..
هي ذي يا صديقي، تطير من فوق سطح منزل. كم هي بديعة! دعنا نقتربُ قليلا لعلنا نستمتع بقدرٍ زائدٍ من الرؤية البريئة...
...
أتَراها؟ إنها كثيرةٌ تملأ هذا الرّحب وكأنها آمالهُ الصغيرة الوديعة، يحاولُ أن يطلعنا عليها جهارا، نهارا.. أليس المنظر جميلا وممتعا يا صديقي؟ أحسُّ أنَّ الطفل يدخل في تجربة استمتاع يتوَحّد من خلال فقاعاته مع العالم كأنها تحمل روحه الطاهرة الصادقة، ويراقبها باهتمام بليغ، في محاولاته أن يغطي الهواءَ، أن يعيدَ رسم ملامحَ هذا العالم الكاذب بالفقاقيع الطائرة، والسلام المحلق معها..
أنظر يا رجل... لماذا تحدِّقُ فيَّ هكذا كالأبله. أغلق فمك الفاغر. أنظر ألا تراه؟
- مَن؟
- الطفلُ.. الطفل الذي أحدِّثك عنه وفقاعاته الصافية.
- اها.. نعم نعم، أراه بوضوح تام كما أراك أنت.. بل إنَّي أراه أفضل منك. أوليس هو الآن يصنع فقاعة عملاقة بحجم منطاد صغير.. بدأت تطير ببطء.. أنظر..
- أين..؟
- ألم أقل لك أني أرى أفضل منك، اذهبْ وضع نظارتين كي تبصر جيدًا لقد بدأت في سن الشيخوخة...
- تبا لك، أنا لم أتجاوز بعد الستين...!!
- الهواء يعيد الفقاعة الكبيرة في اتجاه الطفل. تلتقي، تلتصق به.. يا إلهي..! تبتلعه وترتجُّ، تضطرب حركتها.. تبتعد. إنه بداخلها.. الطفل بداخلها..!
- ماذا تقول! هل أنت تحلم؟ أين..؟ كيف تطير فقاعة صابون بطفل؟! إما أنك لا ترى بوضوح، أو أنك تهلوس بوضوح..
- بل الحقيقة ما قلته.. أنا عاقل أكثر منك..
- لا لا، أظن أنه (طَارَ لكَ الفَرخْ) وليس الطفل هو من طار، وغصت في الجنون وتريدني أن ألحق بك ها ها ها..
- بل أنت ماكر، تنقص أهمَّ شيء من الحقيقة. الجناحان، بغيرهما، كيف تريد للحقيقة أن تظهر أن تحلِّقَ، أن تنعم بالوضوح.. أنت تنقل الخبر مبتورا. هب أني لست مبصرًا، أو أني لم أكن شاهد عينٍ. طبعا كنت سأصدق تعتيمك اللئيم، وهكذا تفعلون دائما لا تنقلون الحقيقة كاملة وتدَّعون المصداقية والنزاهة...
- وما شأني أنا بهذا الكلام، أنا لست صحفيا ولا كاتبَ تقرير.. إنك تبالغ يا صديقي العجوز..
- أنظر، الطفل داخل الفقاعة محلق في الهواء يكادُ يختفي... طائر "البلَّارج"... حقير..
- أين هو..؟
- هناك.. نقر الفقاعة فتلاشت. سقط الطفل... أوووه، لقد ارتطم بإسفلت الشارع، يا للمسكين وقع على وجهه!.. والدم...
- أقسم أنك مجنون يا هذا، أنت تؤلِّفُ قصة من نسيج خيالك، بل وتقول ما لا يمكن للعقل أن يقبله قطعا. يقولون أن الرجال حين تشيخ تُخرِّف، "يحسن عونك"... هو ذا الطفل مازال فوق سطح المنزل، أنظر مجددًا لعلك تهتدي، بالله عليك أن تعيد النظر، ها هو يلهو بفقاعاته ألا ترى إشارته الصغيرة نحونا، لقد تفطن لوجودنا وجدالنا. كم هو وسيم.. وضحكته بريـ...
- يبدو أنك ستصيبني بدوار. هل أكذِّبُ أمّ عيني وأصدقك. تعال لنقترب من مكان سقوطه، فهناك الناسُ يجتمعون، يحلقون حوله، ويحاولون إنقاذه.. ربما.. ومنهم من يحمل هاتفه ليصوِّر المشهد. ليتهم صوَّروا الفقاعة التي أسقطته على الأقل كنتُ سأجد ما أثبت به كلامي، أما أنا فلا أملك هاتفا. أحدهم خارج الحلقة يتصل بسيارة الإسعاف كي تأتي بسرعة.. أفلا تسمعه..؟ آخرون يهرولون نحو الحادث. أنت وحدك من لا تصدق ما حدث، أنت وحدك من لا ترى إلا الأشياء التي تريد، ولا تصدق إلا ما تريد..
- أيّة إسعاف وأيّ ناس الذين تدعي وجودهم في هذا المكان الذي يكاد يكون خاليا، لا يوجد فيه إلا أنا وأنت وذلك الطفل الذي يطل علينا من سطح منزلٍ، وبعض المارة من حين إلى آخر، والمنزل في الجهة الأخرى من الرصيف. ثم كيف تريد إقناعي بهرائك، وأنا مازلت أبصر فقاعات الصابون من يده يلاحق بعضها بعضا، بل..
- وما شأني أنا بما ترى عينك، أنا أحدثك بما أراه الآن هناك على الواقع.. على بعد عشرين مثرًا أو أكثر.. أيكون الطفل قد مـ..
- وأنا عما أحدثك، أَأُحدثك عن ما رأيته منذ عام مضى، هل تهزأ بي؟.. "طارت معزة" أم طارت فقاعةٌ بطفل؟.. كيف لي أن أثبت لك وهمك؟ أوووف، لا يوجدُ بهذا المكان شخص غيرنا حتى نحتكم إليه...
- بل يوجد، أنت من لا تبصرهم يا أعمى. هناك أشخاص كثيرون، لنسأل أول شخص يقبل في اتجاهنا.. ها هو واحد منهم يمر من الرصيف، على ما يبدو أنه من هذا المكان.
- اسأله إذن لتعرف أنك في ضلالك المبين.

- هييه.. تعال من فضلك: ما تفاصيل الحادث الذي وقع هنا؟.. الحادث.. كيف، لم يقع أي حادث! لا لا انتظر... أقصد الطفل.. الطفل الذي سقط من فقاعة الصابون.. ابن الحرام "بلارج" نقرها... لقد تأخرت سيارة الإسعاف كثيرًا أليس كذلك؟، دائما متأخرة.. هل مازال حيا؟.. كيف..؟ لا، من فضلك أنا جاد في كلامي... ماذا؟ ليس هناك أحد، ولا أحد.. هل أنت متأكد؟ وماذا عن فقاعة الصابون.. العملاقة؟ ماذا..لا..
- مهلا مهلا سأسأله أنا، إنه دوري: هل ترى يا عزيزي ذلك الطفل فوق سطح البيت الذي قُبالتنا؟.. ماذا! الطفل.. نعم..هناك، أنظر جيدا من فضلك... الطفل الوسيم الذي يلهو بفقاعات الصابون فوق سطح المنزل أنظر هناك في الجهة المقابلة.. لا لا، كيف لا يوجد هناك بيت.. أنا أراه وصاحبي أيضا يراه... انظر جيدا من فضلك... تعال تعال.. انتظر.. عد.. عد..
(ارجع البصر كرتين..)
إني
أراه
إني
أرى.

رشيد أمديون
24/03/2015


0 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة