صمود امرأة


اللقاءات ما عادت مزهرة، ولم يعد لطلعها الباسق نضارة تستجلبُ الإغراء. جُرم أن تفقد الأشياء بريقها بسبب سوء التصرف وضعفه. اللقاءات، إننا نفتعلها رغم أنف الظروف المعاندة، كمن ينحت الوهم على الصخر، أو يرسم الهراء على الماء مكرها. إن المكره على شيء دليل على ثقله. لهذا -فقط- فنحن نلتقي كي نثبت لغرورنا أننا مازلنا على وعهد بالترابط، وكي لا ننكسر أمام المجتمع الذي سيحاسبنا يوما إن افترقنا، بل حفظا لماء الوجه، واتقاء شر الشامتين، وما أكثرهم! 
بقينا على نفس الوثيرة زاعمين أن التيار لا قدرة له على جرف الجبال. صدقتك حين قلت لي أننا جبلين راسخين... 
والآن، كم بي رغبة للضحك على هرائك.. 
كنت غبية حين لم أفنِّد ادعاءك بردٍّ جيولوجي، إذ أن من الجبال ما لا يصمد أمام عوامل التعرية، الطبيعة أيضا لها قوتها الجبارة، تقسم الحجر ولا تكترث. فما بالنا نحن، هل لنا قدرة الصمود أمام كل الكوارث والزلازل؟ إن الأرض كذلك حين ترتج، الكل يقول نفسي نفسي. وأنت في أول رجة خفيفة ولَّيت وجهك عني، وتنكّرت لوعودك، وذبت ذوبان الملح في الماء. كيف تعود بعدها حاملا ورودا لا أجد لها لونا، لتقدم أعذارا، ولتسوق مبررات لا تقبل الترابط ولا التناسق بينها فضلا عن أن تكون قابلة للتصديق، أنت نفسك لا تصدقها، أنت تكذب على نفسك، محاولا أن تعيد الماء لمجراه، كيف تقبل هذا، بل كيف تصدقه، وأنت على علم أن النبع إن فقد صفوه، إن صار كدرا، لن يعود ماؤه إلى صفائه المعهود. ومع ذلك قبِلتُ، وأنصت لك، وجعلت نفسي أستقبلك من جديد، ولكن بشكل آخر مختلف جدا لا وجود في فصوله للربيع، وبوجه لم تبقَ له ملامحه الأصلية حتى أستطيع أن أقول أنك أقنعتني. إني في كل لقاء أؤدي الواجب الذي اتفقنا عليه فحسب، لا أقل ولا أكثر.

لم أستطع أن أقتنع بالوضع الجديد، ومن الصعب جدا أن أقتنع بشيء دخيل على علاقة كانت تسير كنهر رقراق، يجري جريانا لا ينقطع على طول الأيام، بل كانت علاقتنا أشبه بهذا النهر العذب حين كان يرتوي منها آخرون، النهر أيضا يسقي الزرع، يسقي كل الأحياء، كله خير، فهكذا كانت علاقتنا من قبل، فكيف استحالت جافة؟ 
هذا الذي لا أرضى أن تسألني عنه، لأنك أنت من قطعت عنها الغيث، وأنت من خرج عن أصول اللعبة إن صح قولا أن نسمي ما كان بيننا لعبة. ولعله كان لعبا من طرفك، وكان جدا وميثاقا مقدسا من طرفي، إذ أني بقيت صامدة ولم أنهزم، لم أستسلم لعصف لا يأخذ إلا الضعفاء. أعتقد أني الوحيدة التي ينطبق عليها اسم الجبل، أما أنت فقد نُسفتَ مع أول رجة، ومصداقيتك ذهبت بها الريح، إنها كعصفٍ منثور، لم تبقِ لها حسناتٍ ولم تَذَرْ. 
آلا بئس الرجال إن كانوا من طينتك.

رشيد أمديون. ابو حسام الدين

4 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

طيف يقول...

كأن الرجل يعتبر المرأة شغل آخر.. يمكنه الرجوع إليه متى شاء!

قمر وليل وغيوم يقول...

احييك بشده على موضوعك الاكثر من رائع

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

@طيف

أهلا بك
أشكرك على المرور الطيب
والتعليق.

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

@قمر وليل وغيوم

أشكرك، ودام تفاعلك الجميل

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة