يَنوءُ بحِملنَا

يَنُوءُ بِثقلِهَا وبجسْمِي الخَفيفِ والشّوارِي المُكَدَّسِ بالملابسِ المُتّسِخَةِ، فيُطأطِئُ رَأسَه الكبير، يَسيرُ في طَريقٍ غيرِ مُعبَّدٍ، تُعثِّر قَوائمَهُ الأمَامِيَّة بعضُ أحجَارٍ.
كنتُ أركَبُ أمَامَهَا فَتَشُدُّ اللِّجامَ فَأختَفِي بينَ ذِرَاعيهَا المُكتَنِزَتَينِ. فَتَصِيحُ:- ارَّ.. ارَّ...
كانت هَذِهِ أوَّلَ مَرّةٍ تأخذُني مَعهَا. قالت لي هيَّا مَعِي لِنغسِلَ المَلابسَ في الوَادِي. فَزَقزَقَت عَصَافِيرُ الفَرحَةِ حَولِي.
أخِيرًا سَأمتطِيه.
كانَ الحِمَارُ الـمُتْعَب يَنحتُ الـمَسِيرَ بِبُطْءٍ ُممِلٍّ، وابنَة عَمِّي تُحَاوِلُ كَسْرَ الرَّتَابَةِ بأُغنِيَّةٍ تَحفَظُهَا عن ظَهرِ قَلْبٍ، تَرفَعُ صَوتَها المَاتِع:
- مِشْ حَ تنَازِلْ عنَّكْ أبدًا مَهْمَا يْكُونْ..
كُنتُ في عُمرِ البُرعمِ فأطربتني بالأغنية التي (كسَّرتِ الدُّنيا) زمنًا... تغرِّدُ فَأَنتَشِي:

- دَه احْنَــا البَعــضِ حَنفضـَـلْ دَايمًــا... طولِ العُمرِ حَنفضَلْ دَيمًا مَهمَا يكُونْ.
والحمَارُ مُطَأطِئَ الرَّأس قَالبًا أذُنَيهِ إلى الخَلفِ. مَا كانَ يَعنِيهِ الأمْرُ في شَيءٍ، مَادَامَ يَسلُكُ طَريقَ الشَّقَاءِ. أي عمرٍ هذا؟!
تعودُ من سيَّاحَتهَا الغِنائيَّةِ فَتنتَبِهُ إلى أننَّا لو بقينا نزحَفُ بهذا الشَّكلِ فلن نصِلَ إلا معَ الغٌروبِ. أمامها عملٌ كثير... قالتها وهي تلعنٌ حمارَنا المِسكِين، وتخبطه بكَعبَي بَلغتِهَا الحَمراءِ كي يُسرِعَ: ارَّ، ارَّ، ارَّ..
لا فَائدَةَ منْ ضَربِ هَذا العَنيدِ البَارِد. اللَّعنَةُ..
على حافَّةِ الطَّريق شُجيرات اللَّوزِ المُورقَة، والتي لم ْتَمنَح عَطاءَهَا بَعدُ. بعضُ أغصَانِهَا مُمْتَدَّة. تَناوَلَت اِبنَة العمِّ غُصنًا فَصَلَتهُ عن شجرَتهِ، وثنيَّتهُ ليَنكَسِرَ إلى قِطعَتينِ أو ثَلاثَة... حَزَمتهَا بقَبضَةِ كفِّهَا، وأحْكَمَت شدَّ اللِّجامِ، ثمَّ نكَزَت مُؤَخِّرَةَ الحِمارِ بِغَيظٍ شدِيدٍ. انتَبَهتُ لأذُنيهِ وقد انتصَبَتَا فوجَّههُمَا إلى الأمامِ وهزَّ رأسَهُ الثَّقيلِ مُنطَلقًا يعدو ويعدو، وهي تُرَدِّدُ :
- هاكَ لِي مّاك، زِيدْ..
قَهقَهْتُ بأعلى صَوتي، فأعَادَت إليَّ الجبَالُ الصَّدَى.
تعودُ مِن جَدِيدٍ:
- مِشْ حَ تنَازِلْ عنَّكْ أبدًا مَهْمَا يْكُونْ..
أمَّا أنا فَكُنتُ أسِرّها في نَفسِي خِيفَةَ:
- من سَيصبِرُ عَليكِ يا بِنتَ عمِّي، مَنْ؟!

حِينَ وَصلنَا إلى الوَادِي وَجَدَت صويحِباتِهَا هناك، فتطَايرَتِ القُبلات من بين خدُودِهنَّ كالفراشات. كُنتُ مَحظُوظًا أيضًا. قُبلَة من هذهِ كالفَرَاولة، وقُبلَةٌ من تِلك كالمَوزِ، والضَّحكاتِ!! إيه، الضحكات لم تَتَوقّف...
أنزلنا الشّوَاري، وَوَضعنَا أحمَالنَا. رَبطنَا الحمَارَ بجدعِ شُجيرَةٍ ليسترِيحَ.
لَعِبتُ بالجِوَارِ، وَوسَطَ المَاءِ فَسَقَطتُ مُتعَثِرًا بالأحْجَارِ، تَبلَّلَت ثيَّابي فضَحِكَت مِنِّي الفَتيَاتُ، وَنهرَتنِي ابنةُ عمِّي:
- يَاك أيَا غْيُول.. تْزْرِيتْ مَا تْسْكَرْتْ (أرأيت أيُّهَا الحِمار مَا فَعَلْتَ).
سَكَنْتُ بَعدَها، مُكْتَفيَّا بِمُراقبَتهَا وهي تَفرِكُ المَلابسَ بصَابون الكَفِّ، ثمَّ تُقلِّبُها في المَاءِ الجَاري أمَامَهَا... تعصِرُهَا عَصرًا، وتُعَلّقُها عَلى أغصَانِ الشُّجَيرَاتِ والعُلِّيقِ، أو تَفرِشُهَا على الصُّخُورِ الصَّلدَة. مَلأنَا الشّوَرِاي مِن جَديدٍ لكن هذه المَرَّة بالغَسِيل الذي لم يَجف بعد. نَظرتُ في وَجهِ الحِمارِ فَعَلِمتُ أنًّه يَكرَهُنَا، عَينَيهِ الواسِعَتينِ تقولُ ذلكَ، وذيلُهُ يَنتقِمُ من الذُّبابِ المزعِجِ. فهمتُ استِيّاءَهُ.
صَعِدتُ على صَخرَةٍ وقفَزتُ، فاسْتوَيتُ على ظَهرِهِ، أمَّا البَدِينَة فَقد وَقَفَت علَى نَفسِ الصَّخرة ومَا أنْ أرْخَت بِثقلِهَا حتَّى اضطَرَبت قَوائمُ الحِمارِ وتَرَنّحَ يَمينًا وشِمَالا، وكادَ أنْ يقَع، فَصِحتُ غَيرَ مُبالٍ: 

- السَّلامَة السَّلامَة يا مُوْلانَا...
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

2 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

Aml Hamdy يقول...

ما أجمل الحرف منك رشيد

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

@Aml Hamdy
وما أجمل متابعة مثلك، تقرأ بعمق.

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة