حدثني هو..


هو رجل كبير في السن، قد يبلغ عمره الثمانين، أو قريبا من ذلك.. تجمعني به علاقة طيبة منذ طفولتي، واعتقادا مني أنه في منزلة جدي الذي لا أذكره جيدا بعد أن رحل وأنا صغير. كما أنه كان صديقا له رحمه الله.

جالست الرجل وكنت أمنحه فرصة الحديث، دون تدخل مني في ابداء الرأي، لأن كبار السن يعجبهم أن يجدوا من ينصت إليهم باهتمام، أغلبهم يعتبر نفسه يملك التجربة في الحياة، لم تمنح لمن هم أصغر سنا. كما أن نظرتهم إلينا نحن أبناء هذا الجيل لا تخلو من الانتقاد.. طبعا ليسوا سواء، لكن أكثرهم كذلك، وعلى نسبة من التفاوت. على كل حال هم مهما كان الأمر يحملون في ذاكرتهم تاريخ فترة معينة، وينطقون في بعض الأحيان بحكم قد تتوافق مع مستواهم الثقافي وإدراكهم البسيط، قد تجد من يشطح به الكلام إلى أن يخلط بين الخرافة والدين أو بين الصحيح والسقيم، هذا لا غرابة فيه، فكما يقال أن إيمان العجائز لا يحتاج كثير أدلة وأسانيد وإثباتات، إيمانهم بسيط، وفطرتهم قد تركبها السذاجة أحيانا. نقع في خطأ نحن أبناء العصر الحديث حين نجادلهم بشكل جريء، فمنهم من يسلم لقولنا معترفا أن علمه على قدر يسير، وذاك مبلغه من العلم، وما سمعه.. ومنهم من يماري وإن كان على غير هدى، دافعه عدم اقتناعه بأن يناقشه من هو في عمر حفيده. طبعا كلنا يتذكر قصة الحسن والحسين رضي الله عنهما حين أرادا أن ينبها شيخا أن وضوءه غير صحيح.. فكان فقه وذكاء السبطين لا يعلى عليه في هذا المجال.

أعود من حيث بدأت. أعود للشيخ الذي جلست بجانبه وهو يسترسل في الحديث دون أن أقاطعه، وغالبا ما يبدو حديثه بديهيا بسيطا، لكن انسجام الرجل في الكلام يجعلني منصتا بعناية، ذلك يبعث في نفسه الطمأنينة..

حدثني عن حكاية يعود تاريخها إلى إحدى سنوات الثمانينات من القرن الماضي - كما أخبر- حين جاء المحصول الزراعي ضعيفا، لا يسد حاجات الناس، فحج مجموعة من الرجال من منطقة أخرى قاصدين أحد كبار الفلاحين الذي كان معروفا وقتها بثرائه في منطقة الغرب.. طلبوا منه أن يبيع لهم الزرع. وبعدما شاركهم الحديث تبين للفلاح أنهم يرغبون في شراء كل ما في مخازنه، ففطن لأمر ما.. لم يبده لهم، ولم يجبهم إلا بعد أن دعاهم لوجبة أكل حتى يشاركوه الطعام، ويكرمهم كما جرت به العادة والعرف.
بعدما شبعوا وملؤوا بطونهم، أخبرهم أن طلبهم مرفوض، وقال لهم: لا أستطيع أن أبيعكم كل ما في مخازني من زرع، أخشى أن لا تجد الفئران والجرذان ما تأكله فتأكلنا!.

بعد هذه الحكاية، تابع الرجل المسن حديثه، إلى أن قال لي أنه سمع مرة أحد العلماء يروي حكاية جميلة ومفيدة، سأحكيها لك:

قال أن رجلا طارده أسد في خلاء، فركض حتى تعب، فلم يجد إلا بئرا تحميه، فنزل فيها. وبينما هو كذلك إذا به يرى ثعبانين أسفل البئر ينتظران ما يلتهمانه، بحجمهما الضخم. تعلق الرجل بحبل حتى لا يسقط، وكان بالبئر جحر يخرج منه فأران واحد أبيض والأخر أسود، فيقرضان الحبل بالتناوب.. وبينما الرجل في هذا الخطر إذا بسائل ينزل مع الحبل فلما ذاقه وجده عسلا حلوا، فانشغل في لعقه فأنساه ذلك أمر الأسد الذي يتربص به في أعلى، وكما نسي الفأرين اللذين يتناوبان على قطع الحبل، والثعبانين المنتظرين سقوطه. قال لي الرجل مبتسما يا بني: الأسد هو ملك الموت، والحبل هو العمر، والفأران هما الليل والنهار، والعسل هي الدنيا التي تلهينا، والثعبانان هما ناكر ومنكر..

أبو حسام الدين

19 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

ليلى الصباحى.. lolocat يقول...

الله الله راااااائعة
اعشق حكايات الاجداد التى تحمل حكمة الزمان
تصل الى العقول بسلاسة وسهولة وبساطة لكن حين تصيب اعماق العقل لاتخرج منه ابدا مادامت الحياة

سبق ان اخبرتك اخى رشيد انك تتمتع بخيرة الاجداد :)

تحياتى لقلمك الذى طالما استمتع بقراءة حروفه الراقية
دمت بخير
واشكرك اخى على سؤالك عنى وعن صحتى جزاك الله خيرا وبارك فيك

youmed يقول...

قصة ماتعة و أنامل ساحرة ..أحسنت و أجدت أخي رشيد

مصطفى سيف الدين يقول...

يا ليتنا نتذكر ذلك كل لحظة

قصة صادقة و حقيقية تماما

عبدالعاطي طبطوب يقول...

بين التدوينة والقصة اكتسبت القصة بصمتها الانسانية الخاصة:
- الانصات ومنح فرصة الكلام سلوك إنساني رفيع، وللإشارة فالأخ رشيد يمتلكه في الواقع وليس فقط وهو يتحدث إلى شيخ..إنه شخص يسمع أكثر مما يتكلم وهذا حكيم جدا.
- نبالغ فعلا كما ذكرت أخي في رفض وإسكات الجيل السابق، وذلك خطأ كبير، لأنهم مشرفون على النهاية ولديهم طاقة..وآخر فرصة للبوح نمنعها بأنانيتنا.
- قصة الفأرين وللاضافة وردت في قصص بن المقفع والرجل الهارب الذي آوى للبئر..مع التفسير

مودتي

زينة زيدان يقول...

حكمة بليغة
وقصة ذات مغزى جميل
ليتنا نعتبر

كم أحب مجالسة الكبار لكي استزيد من معرفتهم وخبرتهم
لقد أتيت على صفاتهم و مميزات جلساتهم من الانصات والانتقاد
و حب سرد خبراتهم

أشتقنا لبوح قلمك أخي رشيد

المورقة عبير !! يقول...

ممتع الجلوس مع من يكبرنا سناً

فحديثهم دائماً مليئ بالذكريات

بما صنعوه وانجزوه وكما قلت ايضاً فهو لايخلو من انتقادهم لنا ولتصرفاتنا ..

سرني وجودي هنا مجــدداً ..

فالمكان كما كان غير أنه ازداد جمالاً

دت بخير

zeze يقول...

جميلة جدا وفعلا حكمة رائعة
اللهم لا تجعانا ننشغل بلذة النيا عن العمل للاخرة اللهم امين
وبارك الله فيك اخي الكريم

ذ محمد أبو عز الدين يقول...

تحياتي لك ابا حسام
و في كلامه أكثر من عبرة
شكرا لك على هذه المواقف المعبرة

Bahaa Talat يقول...

السلام عليكم...
قصص رائعة ومليئة بالعبرة، أحسنت اختيارها وتجميعها في نسق أنيق وهادف.
جزاك الله خيرا.

أمال يقول...

قصص تحمل من العبر الكثيير.. الله على زمن الاجداد..

ليست الكتب وحدها من تعلمنا الحكم بل الحياة أكبر معلم

تحيتي أخي رشيد :)

مغربية يقول...

خدوا الحكمة والعبرة من أفواه الشيوخ:)
أعجبتني الحكاية الثانية، قرأتها في كتاب كليلة ودمنة على حسب ما أتذكر :)
سعيدة بعودة قلمك للكتابة يا عراب
سلامي

هيفاء عبده يقول...

دائما كبار السن لهم طريقة جميلة ومميزة في سرد قصصهم
وقد لا تخلو من الخيال الواسع ولكنها تمتزج بالحكمة واخذ العبرة
كلا القصتين جميلة جدا

احترامي وتقديري لنبوغ قلمك

بندر الاسمري يقول...

السلام عليكم
حملة لنا الفائدة والمتعة

دمت سالما غانما

لك تحياتي.

ولاء يقول...

السلام عليكم

أن مناقشة الكبار كما ذكرت لا تؤتي ثمارا ولكن الجلوس والإصغاء إلأى حديثهم دون إعتراض تعطي إحساساً بالبهجة ..وكما أنك تعيش في عالم مختلف تماماًً ..
أحب أن أجلس مع كبار السن لأستمع إلى أحاديثهم الطاهرة

دمت بحفظ الله ورعايته .

لـــولا وزهـــراء يقول...

حكايات الاجداد دوماً بها الخبرة والحكمة تعلمنا الكثير والكثير .فقط لمن يريد


لولا

ريـــمـــاس يقول...

صباح الغاردينيا ابو حسام
هنا أجد عبق التراث
وروح الأجداد التي ماتغيب وإن غادرونا
دائماً لقصصك رصانة ورزانة وروعة كـ أنت ياراقي "
؛؛
؛
لروحك عبق الغاردينيا
كانت هنا
reemaas

nona alassaby يقول...

مشاء الله كلام جميل

عبير علاو يقول...

رائعة جدا هي تلك القصة
جزيت كل خير

Malik Badawy يقول...

تحياتي لك

العاب تلوين

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة