خبايا الليل


سكون الليل يحف المكان. عمود النور يرسل بعض ضوء خجول يكسر العتمة برفق وعلى استحياء. البيت الكبير الواسع يقبع في مكان منعزل عن باقي منازل الحي. رَكن إلى عزلة، يناجي الليل في خلوته...

في أسفل البيت مرآب واسع بباب حديدي عملاق، تعلو ظهره طبقة من الصدأ، مع بعض بقايا طلاء قديم أوشك أن يزول. أحدث الباب صريرا مزعجا وأنا أجر دفته العالية إلى الخارج. تقدمنا بخطوات واثقة تشق ظلمة المكان، شجعنا ضوء خافت منبعث من إحدى زوايا المرآب، يشير لنا ببصيصه المتعب إلى أن نتقدم نحوه بتؤدة. في الركن كان هناك حيز معزول بحائطين شكلا غرفة صغيرة. وجدنا محمد قد افترش أرض الغرفة الفارغة بحصيريين، وغرس شمعتين على مائدة صغيرة واطئة. الشمعتان تقاومان الظلام بإصرار حارق لحد الذوبان..

 على محمد ومن معه ألقينا التحية والسلام. ركن البعض منا ظهره إلى الحائط، وربع الآخرون أرجلهم في سكينة، متخذين شكل حلقة يتوسطنا نور الشمعتين. رفع خالد صوته الشجي مستعيذا بالله من الشيطان الرجيم، ثم تلا آيات الافتتاح.
كنت وأنا في غمرة الحديث المتشعب، أنظر إلى وجه محمد من خلف وهج نور الشمعتين. هو من أصر أن نتخذ هذا المرآب مكانا لاجتماعنا بدلا من ضجيج المقهى ونظرات الفضوليين المزعجة والتي لا تنقطع. لم يكن المرآب مؤهلا للقاءاتنا، وإن كان كما يقول محمد يوفر لنا السكينة وجوا هادئا لطرح الأفكار المختلفة ومناقشتها.

كل معلوماتي عن هذا المبنى شحيحة وخجولة، تكاد لا تفسر أمورا كثيرة التقطتها مسامعي من أحاديث تشبه الخرافة. علمت أنه بيت قديم، يعود لأحد أعمام صديقي محمد الذي يزوره على فترات متفرقة، بعد وفاة والدته.
سألت نفسي مرارا:
هل لليل خباياه، أم أن الوهم يفرض حضوره ؟
أذكر ذات ليلة في نفس هذا المكان، اخترق الباب الحديدي صوت صفير حاد، كسر صمت الليل.
تكرر الإزعاج للمرة الثانية في إحدى الليالي بشكل مختلف. ضربة قوية على الباب الحديدي للمرآب. كانت عنيفة تردد صداها وارتجت لها أذاننا. ألقينا نظرة في الخارج، لم نجد شيئا. كنا نعلم أن الوقت متأخر. أن الفضاء المجاور للبيت لا يخصصه الأطفال للهو، فهو في معزل.
بالرغم من كل هذا لم نعط لما حدث في الليالي السابقة أهمية كبيرة.
أن تفسر أمرا يعني أنك تعلم كل شيء.

أعلن الباب الحديدي بصريره المزعج أن أحدا ما قد دلف إلى المرآب. إيقاع خطوات تخترق سكون الليل بطقطقات يحدثها حذاء ذو كعب صلب ، يتردد الصدى بين الجدران، كان الجميع في لهفة مواجلة لمعرفة القادم.
كنت المتحدث. بدا على كلامي الاضطراب. فكرت في جنس هذا الذي يُقبل بخطواته الثقيلة نحونا، أوجست. حوّلت نظراتي من جديد إلى محمد وكأني أستفسره عن الأمر بصمت عاجز، لا أعلم هل فهم رسالتي أم أنه كان أكثر مني دهشة. خرس لساني لحظة، منتظرا القادم أن يقف أمام باب الحجرة الصغيرة، حتى نتبين شكله.
لقد اقترب.
تلاشى الصوت وسط السكون العميق. أصخت مرهفا السمع لعل الطقطقات تعود، والخطوات ترجع أدراجها، أو يظهر لنا صاحبها، أو يتجلى.
تلاشى الكل. نقطة وقوف، كنهاية المسير. انقطع الصوت بلا رجعة...
ترك في تختي السؤال وغادر. أكملت الحديث مسرعا. كانت على الوجوه ملامح الاستفسار لكن الجميع صمت.
انتهت الجلسة.
في الخارج سألت محمد:
- من تراه يكون؟
هز كتفيه باستغراب مبهم، أجاب:
- لا أعلم.

أبو حسام الدين

30 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

قوس قزح يقول...

تذكرت سلسلة مخرج افلام الرعب الفريد هيتشكوك ..
أو أجاثا كريستى .. كتابتك شدت انتباهى يا
ابا حسام الدين . لو كنت كتبت فى أول المقال
( لا أنصح بقرئتها فى اليل) ههه

ريـــمـــاس يقول...

صباح الغاردينيا ابوحسام
ولليل حكايا وخبايا وأسرار
لن أنكر شعرت بـ الخوف للحظات :)
سردك مبهر وأسلوبك رائع "
؛؛
؛
لروحك عبق الغاردينيا
كانت هنا
reemaas

مازن الرنتيسي - أبو مجاهد يقول...

بسم الله وبعد
مشهد رائع وفيه نوع من الرعب فقد تخيلت هذا المشهد ومواصفاته وحتى يتجسد التخيل يجب إطفاء الاضواء وقراءة هذا الموضوع في جو هادئ ساكن وكأنني أعيش هذا الحدث
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ... من تراه يكون ؟ أم مجرد حلم أو هاجس

أحييك أخي في الله بحرارة على طروحاتك الجميلة وأسلوبك الرائع
أخوك وحبيبك في الله \ مازن الرنتيسي - أبو مجاهد
www.alrantisi.net.tc

زينة زيدان يقول...

خبايا الليل
العنوان هو التفسير الوحيد المقنع لما حدث
وللشخص المبهم الذي حضر
في قلب الليل تأتي الخبايا ورغم غرابتها
لا نملك أمامها سوى الصمت
فكثرة الاستفسارات محلها النهار
وليس الليل..

أوقفني حديث محمد عن الهروب من المقهى
ليجد السكينة والسكون في مرآب مظلم
تكافح من أجله انارته شمعتان..
عجيب أمر السكون كيف يرتبط بالظلام...!!

أسلوب مميز كما نعهدك دوما
تجذب القاريء إلى حصون كلماتك
وتقنع عقله بما تريد

كل الود أخي رشيد

عبدالعاطي طبطوب يقول...

تصوير أكثر من ناحج في رسم هذه الجولة والمغامرة
في خبايا الليل وأسراره.
هل كان شبحا تائها؟ أم جاسوسا؟ أم أنه كتن وهما؟
نص مفتوح على أسئلة كثيرة تتبادر إلى ذهن
القارئ..يفتح كل تخمين للاجابة عليها فرصة قراءة مختلفة.
مودتي

مصطفى سيف الدين يقول...

من يكون ؟
هو ككل شيء يأتي محدثا ضجيجا بقدومه ذلك الضجيج الذي يدخل في قلوبنا الرعب ثم يتلاشى في الفراغ دون ان يترك أثر غير الاندهاش
لماذا حضر و لماذا ذهب و تراه من يكون
سرد راقي كالعادة تحياتي لك استاذي

حنان يقول...

يا إلهي لقد تملكني الفضول في أولها و الرعب في آخرها ...... لله درك أستاذي

وصفك للمكان و الزمان يجعل القارئ يعيش معك نفس الإحساس الذي انتابك ... تحياتي

هيفاء عبده يقول...

سرد مميز وجميل لأحداث ومشاهد القصة
استطعت ان تثير فضول قرائك ..ترى من يكون ؟!!
هي خبايا ليل وما ادراك ما يحمله الليل من مفآجآت
قد يكون هناك من أحد وقد تكون مجرد أوهام من رهبة ظلام الليل وتحت ضوء الشمعة
مجرد تخمين :)

تبدع في كتابة القصص أستاذ رشيد
تحياتي

ليلى الصباحى.. lolocat يقول...

خبايا الليل والوهم يفرض حضوره ايضا
لكن ما اعطى للقصة روعتها الاسلوب الذى جذبنا رغم الخوف الذى تملكنا هههههه ( أقرأ القصة فى الواحدة بعد منتصف الليل بتوقيت القاهرة )

سياق رائع واسلوب مسلسل ومرتب جميل تخيلنا معك الموقف وشعرنا بنبضات الخوف تدب فى قلوبنا

احسنت اخى رشيد واستمتعنا بها كثيرا

تحياتى وتقديرى

لـــولا وزهـــراء يقول...

جميييييييلة ومرعبة جدااااااااااااا
ههههههههههه
لأول مرة اقرأ لك هذا النوع ربما هو تقصيري سامحني (:
لولا

أمال يقول...

ولأني أسهر الليل كثيرا، لطالما سمعت أصواتا غريبة في المنزل ولا أخفيك أني أنهض وأتابع صدى الصوت لأعرف مصدره حتى أقنع نفسي أن ربما في البيت من أزعجتهم ولابد أن وقت النوم قد حان ههههه..

تحية طيبة أبو حسام الدين

ولاء يقول...

احب القصص التي تترك للقارئ تخيل ما سيحدث لا حقاً ..
وتترك فيه انطباعاً مبهماً وتساؤلات عدة ...

أحييك عليها كثيراً ...

دمت بحفظ الرحمن .

د.ريان يقول...

صباحك ورد وورد ابو حسام

كعادتك رائع وجميل في كل التفاصيل والمعاني

سرني الصباح هنا

ذ محمد أبو عز الدين يقول...

خبايا الليل كثيرة دونها الحصر
من يكون القادم الغابر ؟ومن أصدر الصفير ؟ أسئلة يحار المرء في الجواب عنها ...المكان شبه موحش والضوء خافت كل شيء ممكن ومن أصحاب الحال عندنا من يحار الجن في خططهم
كل شيء ممكن ...
بورك فيك أخي رشيد

أبو حسام الدين يقول...

@قوس قزح

أهلا بك أخي قوس.
يسعدني أن القصة أعجبتك أو أرعبتك ههه
تحيتي

أبو حسام الدين يقول...

@ريـــمـــاس
أهلا أختي ريماس.
شكرا على قراءتك.
بوركت

أبو حسام الدين يقول...

@مازن الرنتيسي - أبو مجاهد

أهلا بك أخي مازن.
يسعدني أن تنال القصة اعجابك
شكرا لك يا طيب.

أبو حسام الدين يقول...

@زينة زيدان

أهل بك أختي زينة
هناك غموض دوما يكتنف حياتنا
أشياء يصعب تفسيرها

أشكرك على القراءة المتمعنة والدقيقة.
تحيتي لك

أبو حسام الدين يقول...

@عبدالعاطي طبطوب

أهلا بك عبد العاطي
طبعا النص لا يعطي الجواب لكنه يعطي التساؤل وهذه هي مساحة الايحاء المشتركة بين الكاتب والقارئ.
تحيتي أخي الطيب

أبو حسام الدين يقول...

@مصطفى سيف الدين

أهلا بك أخي مصطفى.
أمور لها حضور وغياب في حياتنا، قد لا نملك كل التفاسير.
أحسنت أخي الكريم.
مودتي

أبو حسام الدين يقول...

@حنان

أهلا بك أختي حنان
أشكرك على التعليق، وأتمنى أن أكون استطعت أن أوصل الحدث بشكل جيد.
تحيتي

أبو حسام الدين يقول...

@هيفاء عبده

أهلا بك أختي هيفاء
كل الاحتمالات واردة
لكن السر يبقى غير مكشوف
ولليل خباياه
تحيتي لك، وشكرا على القراءة الطيبة.

أبو حسام الدين يقول...

@ليلى الصباحى.. lolocat

أهلا بك أختي ليلى
حتى اختيار زمن القراءة مهم في الانسجام مع القصة.
اشكرك على رأيك الطيب.
بارك الله فيك

أبو حسام الدين يقول...

@لـــولا وزهـــراء

أهلا بك لولا
فعلا هو أول مرة أكتب هذا النوع
أتمنى أن أكون وفقت في ذلك.
تحيتي أختي

أبو حسام الدين يقول...

@أمال

أهلا بك أمال

يبدو عليك أنك خوّافة هههه
أشكرك أختي الطيبة
تحيتي

أبو حسام الدين يقول...

@ولاء

أهلا لك أختي ولاء

شكرا لك على رايك وتعليقك
تحيتي لكِ

أبو حسام الدين يقول...

@د.ريان

أهلا بك أخي د.ريان
أسعد الله أوقاتك
شكرا لك على التعليق الطيب.

أبو حسام الدين يقول...

@ذ محمد أبو عز الدين

أهلا بك أستاذ محمد
يبقى السر وراء الغيب
ونحن نتخيل ونتأول
حياك الله سي محمد، وبارك الله فيك.

منجي باكير يقول...

كما كلّ مرّة أجد في نصّك نكهة الإبداع و أناقة توظيف الحرف

و مهنيّة المسار السرديّ للوقائع و الأحداث مع إتقان الجانب

التصويري و البناء الهيكلي للأثر ،،،

سعيد أنا بمطالعتك و الوقوف على جديدك .


صاحب الزمن الجميل

أبو حسام الدين يقول...

@منجي باكير

أخي منجي يخجلني اطارؤك لنصوصي المتواضعة.
لا املك إلا الشكر والتقدير أخي الكريم.
بارك الله فيك

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة