الخرافة.. إلى أين؟


  فقط أريد أن أفهم ونحن في القرن الواحد والعشرين كيف مازل بيننا من يلجأ للعراف في حل مشاكله، وأريد أن أفهم كيف مازال بيننا من يعتقد بالخرافة والشعوذة.. ألم يحن لهذا الإنسان أن يتحرر من قيود ماضيه الأسود حين كان يسكن الكهوف والأكواخ ويعبد الصنم والحجر..! أما آن له أن يركب سفينة العلم . ألم يكفيه ما عاشه في حياته البدائية من شعوذة وتخريف ومعتقدات أوهمه عقله بها حين كان لا يزال في طور التطور. لا شيء يبكي غير أن تجد قوما ملكوا الدنيا بسلطان العلم، وتجد أخرين مازالوا يدورون حول بخور المشعوذين وتمائم الدجالين، ويتمسحون بالأضرحة.

  كانت لي جولة بسيطة إلى (منطقة مولاي إبراهيم) قرب مدينة مراكش، كان الغرض من هذه الرحلة القصيرة هو حب استطلاع بحكم ما أسمعه عن (ضريح مولاي ابراهيم) غفر الله لنا وله. وبينما أنا أتجول في تلك البناية القديمة للضريح إذ بأشياء غريبة أثاتر انتباهي. لاحظت أن في كل ركن من الأركان وعلى الأبواب  حزم كثيرة من الأقفال... طبعا استغربت..! سألت رفيقي ما هو الغرض من كل هاته الأقفال، وما معنى هذا؟
أجاب قائلا: أن كل من كانت له مشكلة أو وقع في ضيق يأتي إلى هنا ويشتري قفلا ويعلقه في ركن من أركان الضريح ريثما تنحل مشكلته ويعود ليفتح القفل..!
طبعا لم أصدقه في البداية حسبته يمزح كعادته، لكن الأمر تأكدت لي صحته عندما فاجئني أحد الباعة بقوله: أتشتري قفلا؟ قلت له: وماذا أفعل به؟ قال: تعلقه..! 

في الحقيقة لم يكن عندي مجلا للتفكير حتى أجيبه، لكني بادرت بقولي علقه أنت..
إن هذه الظاهرة ما هي إلا واحدة من مئات، فلكل ضريح خصائصه ومعتقداته.. إن كانوا في (مولاي إبراهيم) يعلقون الأقفال ففي غيره يعلقون الثياب ليفكوا ما يسمونه (بالتابعة). وهكذا حالنا نذهب عند الموتى لكي يحلوا لنا مشاكلنا..!
ليس هذا فحسب بل هناك من الأضرحة من يعالج الجنون، ومن يعطي الأولاد، ومن يزوج البنات، وغير ذلك من مشاكل الناس.. 

ذكرني هذا بقصة الرجل الذي جلس قرب ضريح يتأمل أحوال الناس فجاء أحد الزوار يطلب من الوالي المدفون في الضريح أن يساعد زوجته التي جاءها المخاض وقد تركها وهي تلد، وعندما انصرف جاءت امرأة تطلب من الوالي أن يساعد ابنها في امتحانه.. فقال لها الرجل الذي كان مازال جالسا يرى ويسمع ما يحدث «يا سيدتي الوالي مشغول فقد ذهب ليولد امرأة..».

وإذا انتقلنا من خرافة الأضرحة إلى خرافة الشعوذة والعرافة نجد شيئا أسوء من سابقه. والحقيقة أن اللوم كله لا يقع على العرافين والمشعوذين بل على الناس الذين لا يزالون يعيشون بعقول ضعيفة تؤمن بكل ما تسمع دون وضعه في ميزان العلم والشرع.. فطبيعة البعض في تقبل الخرافة هو ما جعل مساحة الدجل تتسع.
أعرف شخصا يمارس الدجل، والعجيب في الأمر أني كنت أعرفه قبل ذلك – أعني قبل أن يصبح دجالا- لاحظت أنه يتظاهر بحفظ القرآن.. وهو لا يتقن حتى قراءته، وقد قدر لي أن جلست بجانبه وهو يحمل المصحف ويقرأ بصوت مرتفع قلت في نفسي إن الذي يقرأه هذا ليس قرآنا وحشا أن يكون قرآنا...
لكن للأسف تجد من الناس من ينادي هذا بصفة الفقيه أو (الشريف) وهذه هي الطامة الكبرى، وهذا دليل أن العامة لا تزال لديهم قابليةَ الإستغباء..! أنا أتساءل أي فقه لهذا الذي يجهل قراءة القرآن كما ينبغي، ويخدع الناس بإدعائه أنه معالج.. أين عقول الناس وضمائرهم؟ لا والأدهى والأمر أنك إن تكلمت تصير أنت المخرف.


 لكل مشعوذ أساليبه التي يجذب بها الناس حتى يصدقوه، وكلها تعتمد على الخداع مثل ما يهيئه من طقوس، ومن أبخرة تملأ المكان الذي يعمل فيه، ونطقه ببعض الطلاسم الغير مفهومة..! أظن أن كل هاته الأمور تخلق في نفس الوافدين إليه نوعا من الخوف الذي يسفر عنه الإيحاء فيشل العقل عن التفكير، بحيث قد يقع هذا حتى للناس المثقفين لأن البيئة تؤثر فيهم بما فيها من أقوال ومعتقدات اعتادوا سماعها.
هناك أسباب كثيرة وراء تعلق الناس بالشعوذة ومن بينها الاعتقاد الغيبي الخاطئ بالجن والسحر طبعا لا مجال لإنكارهما، فالجن مخلوق وله وجود وقد تلقينا هذا من القرآن، أما السحر فهو قديم منذ لجأ الإنسان إلى استعمال أساليب تخرق العادة، وكل ما نعلمه عن الجن أنه مخلوق لا يُرى. منه الكافر ومنه المؤمن -انظر سورة الجن- لكن الملاحظ أن في ثقافتنا الشعبية تجد أساطيرا كثيرة لعلاقة الجن بالإنس، كاللبس أو ما يسمونه المس، و الزواج –أن يتزوج جني بإنسية أو العكس- وغير ذلك مما نسمعه من الناس...


الحقيقة أن هناك خلاف ما بين علماء الدين في مسألة صرع الجن للإنسان فمنهم من يرى أن الجني قادر على أن يتلبس بالإنسي، ومنهم من ينفي ذلك، ويؤكد أنه ليس هناك دليل قاطع على صحة الأمر واختلفوا في تفسير الآيات التي ذكر فيها المس كقوله تعالى ( الَّذِينَ يَأكلونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ) - سورة البقرة الآية 275-
و قوله : ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ) -سورة الأعراف، الآية201/202-
قالوا أن المس هنا عبارة عن وسوسة كما ذكر في قوله تعالى : من شر الوسواس الخناس وقوله تعالى على لسان أيوب ( مَسَّنِى الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ) - سورة ص 42- وقالوا: الجن ليس له سلطان على البشر حيث أنه جاء في القران أن الشيطان قال (وَمَا كَانَ لِى عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى ) - سورة إبراهيم – جزء من الآية 22-

وهناك كلام كثير قيل في هذه المسالة ولكل حجته ودليله من المعتقدين وغير المعتقدين.
والذي يهمنا هنا ليس في أن نعرض أقوال العلماء والمفسرين بل الأهم هو أن نكون على بينة من أمرنا ونعرف أن الجن ما هو إلا مخلوق من مخلوقات الله، وقد جعل منه البعض بطلا خرافيا يستطيع أن يفعل المعجزات، ونسجت عنه حكايات خيالية تصيب كل من يسمعها بالخوف والرعب، فتجدرت في مجتمعاتنا ثقافة المس ولعنة الجن، وغير ذلك.. وحتى لاحظنا أن من الناس من لا يستطيع أن يذكر كلمة الجن إلا امتلكه الرعب والذعر، وكلما أصيب أحد بمرض نفسي أو عضوي قالوا إنه ممسوس بالجن.
والمثير للغرابة هو أن الاعتقاد بالمس والصرع جعلت منه شرذمة من الناس ركنا من أركان الإيمان بالغيب يعني أصبح جزءا من الإيمان مع أن الاعتقاد به وعدمه لا يفسد من إيمان المسلم شيء. نحن مكلفون في مجال الغيبيات أن نؤمن بالله والملائكة واليوم الأخر والجنة والنار، ويضاف إليهم الإيمان بالجن لورود الدليل القطعي على وجوده، أما شكل الجن وفعله وقدرته وسلطته تلك غيبيات لا يخرجني من دائرة الإسلام نكرانها.


5 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

غير معرف يقول...

الخرافة أصبحت شيئا عاديا فيمجتمعاتنا.

فاروق بن النيل يقول...

أبوحسام الدين ...
حياك الله على هذا المقال الرائع وأنا ياصديقى لاأخالفك الرأى فيما قلت والله إنى أحزن جدا عندما أذهب لمسجد الحسين بالقاهرة وأرى كثيرين منة المثقفين والمثقفات يتمسحن بالضريح ويقفون يقبلونه ويدعون بعضهم فى سره وبعضهم بصوت عالى نسمعه فمنهن من يطلبن أن يساعدها بالخلف ومنهم من يطلب مالا ومنهن من تطلب زوجا وهكذا خرافات ليس لها آخر بل تصل إلى حد الكفر بالله فهذا إشراك بالله والحسين بريئ منهم ومن أفعالهم فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإبن عباس: " يابنى إحفظ الله يحفظك إحفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فأسأل الله وإذا إستعنت فإستعن بالله واعلم أن الأمة لو إجتمعوا على أن ينفعوك بشيئ لم ينفعوك إلا بشيئ قد كتبه الله لك وإن إجتمعوا على أن يضروك بشيئ لن يضروك إلا بشيئ قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكرا لك المهم أن قصتى ليس لها دخل بالشعوذة ولاأبغى منها هذا وهى قصة أذكرها كما حدثت ولم تتكرر معى مرة أخرى وشكرا لك

أبو حسام الدين يقول...

أستاذ فاروق، حفظك الله ورعاك،

أشكر لك وقتك الذي قضيته هنا بين هذه الكلمات التي ما كنت ابتغي من ورائها إلا التوضيح، والتنفيس عن ضيق كان بصدري.

أما عن قصتك فأنا ما أزال أقول لك أنها بعيدة كل البعد عن مجال الشعودة، ثم إنك يا سيدي تسرد وقائعا حدتت لك، وهذا جميل وتجربة جميلة.
ممتن لك، وجزاك الله خيرا.

لطيفة شكري يقول...

زمن التناقضات ، وصلنا لكواكب أخرى، اخترعنا ما لم يخطر حتى على بال جني و لا زال الجهل الحجري يسود في بعض البيوت !! أعاننا الله على جهلنا !!
شكرًا لك رشيد على هذه المقالة الرائعة .  

أبو حسام الدين يقول...

بارك الله فيك

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة