الحوار (1)



ما أصعب أن تكون محاورا ماهرا..! تحاور مخالفك ببرودة أعصاب وسِعة الصدر وحسن الخلق، وتحاوره بالدليل والبرهان والحجة لإثبات ما ترى أنه الحق، وبعيدا عن التعصب الذي يشل الفكر ويعمي البصيرة.

الملاحظ أن الكثير يفتقد أدبيات الحوار في مجتمعنا، وسرعان ما يتحول كل نقاش إلى مشادة كلامية فيصبح الحوار ساعتها لا يفي بالغرض المطلوب منه، كالتقريب والتأليف والوحدة (رغم اختلاف الرؤية).

الحوار القرآني

عندما أقرأ القرآن كثير ما أجد آيات تحمل صورا من صور المحاورة العقلية المدعومة بالحجة القاطعة، ومطالبة الأخر بالدليل. جاء في سورة الأنبياء – الآية21/24:

(أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنْ الأرض هُمْ يُنشِرُونَ ، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ، أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ).

وفي سورة المؤمنين- الآية 91 :

(مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون).

في سورة الأعراف- الآية 191/195:

(أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ، وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ، وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ، أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلْ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِي فَلا تُنظِرُونِي)

وفي سورة الفرقان– الآية 3:

(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعـًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًـًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً).

وفي سورة الحج – الآية 73:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابـًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئـًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ).

وقد أسس القرآن في مساحته الحوارية قاعدة جميلة، وهي: أن الخصم قد يملك الحقيقة إن اهتدى إلى البرهان المقنع. ففي سورة سبأ -الآية 24- يقول :
( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ).
فجعل للخصم إمكانية الاهتداء للصواب، وكما قال الإمام الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".
كما أن الذي ينشد الحق لا يبالي إن تبين الحق على لسانه أو على لسان محاوره، المهم أنهما اهتديا إلى الصواب، كما كان يقول الإمام الشافعي: « ما كلمت أحدا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، وتكون عليه رعاية الله وحفظه. وما ناظرني احد فباليت أظهرت الحجة على لسانه أو لساني»

لم يرفض القران الحوار ولم يعرض عنه، فهو يحكي في آيات متنوعة حوار الله مع الملائكة وحواره مع إبليس حين آبى أن يسجد لأدم، بل بالعكس القران ينكر على من يعرض عن الحوار:

(وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ، يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ، وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) - الجاثية:7/9-

(وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ) - فصلت:5-

إن هذا السرد للآيات قد يفي بالغرض في إثبات أن الأسلوب القرآني يعتمد على المحاورة بعيدا عن الجدل العقيم-المِرَاء - المنهي عنه لكونه لا يؤدي إلا إلى طريق مسدود.


يتابع..

9 تعليقك حافز مهم على الإستمرار:

هيفاء يقول...

السلام عليكم ...
موضوع جداً قيم عن مفهوم الحوار وادابه واهدافة
وبرأئى المتواضع والمختصر ..
الحوار يعتبر غذاء للعقل والنفس على حد سواء ..
حين يدور بين الاطراف المتناقشة بشكل مؤدب ومتعقل وبحجج واضحة مقنعة ..
ومن يفتقر لمثل هذه الامور يكتفي بالاستماع والاستفادة .. وهذا ليس بنتقاص له

جميل طرحك أخي ..

رشيد يقول...

وعليكم السلام أختي المحترمة هيفاء، أنا سعيد بوجودك هنا.
وقد أضفت شيءا جميلا آلا وهو الإكتفاء بالإستماع.. والإستماع بدوره مهم وهو فن من الفنون التي لا بد أن تكون ضمن الحوار المتبادل.
شكرا لك ووفقك الله.

خالد أبجيك يقول...

الحوار الناجح هو الحوار الذي يدور بطريقة هادئة بعيدا كل البعد عن التعصب الذي لا يجلب من ورائه إلا الجدال العقيم الذي يكون الشيطان طرفا فيه..
وما موضوعك هذا إلا إدراج طيب لمعنى الحوار الصحيح ..

سعيد أني كنت هنا..

في انتظار جديدك، دمت بود

رشيد يقول...

سعدت بك أخ خالد لزيارتك مدونتي المتواضعة، و بكلماتك أنا أسعد.. شكر خالص.

ومرحبا بك في كل وقت.

عبير أكوام يقول...

الحوار عند قناعاتي اللغة المسالمة مع أي خصم كان مستواه

رشيد يقول...

نعم أختي عبير اللغة المسالمة أهم شيء في الحوار مع أي خصم كيفما كان، وقد بعث الله موسى وهارون إلى فرعون وقال لهما: ((اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى)).

غير معرف يقول...

جميل

نيللى يقول...

البوست برائع وفعلا اهم حاجه اداب الحوار وكل ماكان حوارك هادئ مقنع بالادله والبراهين كل مايكون الانسان ناضح

واعترف انى كنت من يخالفنى الراى كنت بضيق ولكن والحمد الله بدات اصلح من نفسى

لكن لاسف فى مجتمعنا ناس بتتحور دلوقتى بالكراسى لا اله الا الله

أبو حسام الدين يقول...

@نيللى

صدقت أختي الكريمة
وهذا ما نصبو إليه أن يكون الحوار هادئا رغم كل الإختلاف.

شكرا لكِ على المرور

إرسال تعليق

كلماتكم هنا ماهي إلا إمتداد لما كتب، فلا يمكن الإستغناء عنها.
(التعليقات التي فيها دعاية لشركات أو منتوجات ما تحذف)

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Email me Email me Email me

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة